الخميس، 28 يوليو 2016

ثقفني اون لاين : الآن.. ينهار التاريخ

– هل كان ما حدث في 23 يوليو 1952 ثورة أم انقلابًا عسكريًا؟

– هل كان صلاح الدين الأيوبي أميرًا للمؤمنين كما صوروه لنا، أم كان قائدًا عسكريًا فحسب بكل ما تحمله القيادة العسكرية من أخطاء أخلاقية؟

– هل جزيرتا تيران وصنافير مصريتان أم سعوديتان؟

– هل كان لمحمد حسني مبارك الدور الهام في حرب السادس من أكتوبر؟

– هل انتصرت مصر في حرب السادس من أكتوبر؟

– وأخيرًا، هل لديك إجابة يقينية لمثل هذه الأسئلة؟

مرحبًا بك يا صديقي في دوامة من الأسئلة بلا إجابات. مرحبًا بك في دوامة التاريخ.
من خلال السطور القادمة سنحاول أن نتحسس طريقنا بين ردهات التاريخ محاولين الوصول إلى طريقة واضحة لنتبعها لتقصي الحقائق التاريخية، متداركين خلال طريقنا الأسباب التي تجعل التاريخ علمًا غير محدد الهوية.

1- لماذا نسأل الآن عن التاريخ؟

ما الذي يدفعنا الآن تحديدًا لكي نتساءل عن مدى صدق حقائق تاريخية تربينا عليها وصدقناها وآمنا بها طوال سنين عمرنا؟
الإجابة على ذلك تتلخص في أننا نعاصر بالفعل فترة من التقلبات التاريخية، ونرى بأعيننا كيف أن هذه الأحداث يتم تدوينها وتوثيقها بصورة منافية للواقع الذي نراه بأعيننا، وذلك لأن عملية التوثيق هذه تتم عن طريق إما مجموعة من الموالين لبعض من الأنظمة، أو المنتفعين من هذه الفترة.
وهكذا تظل هذه الكتب هي الوثائق التي تروي الوقائع التاريخية ولكن عن طريق أهواء كاتبيها الشخصية ووجهة نظرهم التي يضيفونها لما يقومون براويته، وبذلك نرى مسوخًا مشوهة لهذه الأحداث. بما يدفعنا لكي نقارن ذلك بما وجدناه من وثائق تاريخية ونتساءل لماذا لا يكون ذلك قد حدث مع ما وصلنا من هذه الوثائق أيضًا؟

2- التأريخ.. والأهواء

إذا اتجهنا بالمقارنة والتحليل لبعض الأحداث التاريخية (وسأستعين هنا ببعض الوقائع من التاريخ المصري لتوضيح الفكرة)، سنجد أنها دائمًا ما تتخذ وجهة نظر معينة لكي تضع قارئها في موقع معين ليرى مشهدًا معينًا.
على سبيل المثال، يذكر جميعنا الجدال الشهير حول دور الفريق سعد الدين الشاذلي في حرب السادس من أكتوبر، وكيف ظل هذا الدور مهمشًا منسيًا طيلة فترة حكم محمد حسني مبارك، بل وقد وصل الأمر لأن حسني مبارك حذف الفريق سعد من بعض الصور وأحل نفسه محله في سبيل إضفاء العظمة الشخصية له باعتباره بطل الحرب على حساب الحقيقة.
ظل هذا الأمر منسيًا حتى سقط الطاغية، وظهرت الصورة الحقيقية للفريق سعد الدين الشاذلي بجوار السادات.
هنا يتضاعف التساؤل، لماذا اختبأت الصورة الحقيقية حتى هذا الوقت؟
الإجابة بمنتهى البساطة هي أن التوجه العام للدولة حينها كان لتقديس الطاغية وتعظيم أمجاده حتى ولو كان على حساب الحقيقة. وبالتالي كنّا ندرس في التعليم صورته، ونرى في الأفلام والوثائقيات دائمًا تعليماته.
لأن أهواء من يدون كانت دائمًا في خدمة من يحكم. ولكن هذا يقودنا لمؤشر أكثر خطورة.

3- هل الحقائق التاريخية حقائق حقًا؟

فهل انتصرنا حقًا في حرب السادس من أكتوبر هذا النصر الساحق؟

هل كانت «ثورة» 23 يوليو بأهدافها حقًا ونجحت؟ أم كان مجرد انقلاب عسكري ناجح للانقضاض على السلطة؟

إن هذين الأمرين صارا محور جدال كبير في الساحة المصرية. في الفترة الأخيرة قرأت مقالات موثقة عن حرب السادس من أكتوبر وكيف أنها في وجهة النظر الغربية يعتبرونها انتصارًا لإسرائيل في فصول الصراع العربي الإسرائيلي، موثقين ذلك بأعداد القتلى والجرحى والأسرى، والخسائر من المعدات العسكرية من طرفي القتال. وكانت النتائج مخيفة ولا تصب في صالح الجانب المصري.
فكيف كان نصرًا وأنت من تَراجَعَ وتمت محاصرة جيشه الثالث بالكامل وصار عدوك على بعد 100 كم من العاصمة بعد عبور المانع المائي؟ وطالبت أنت بوقف إطلاق النيران واكتفيت باسترداد جزء من أراضيك فقط التي كانت السبب الأساسي للحرب؟

«ثورة»23 يوليو أيضًا صارت محطًا للنقاش والجدال، وذلك لأنه كما درسنا جاءت هذه الثورة للقضاء على الاستعمار والقضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال والإقطاع، وإقامة جيش وطني قوي وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، وإقامة عدالة اجتماعية.

بالنظر إلى هذه الأهداف، وإلى ما تحقق منها؛ نجد أنه لم يتحقق منها شيء يذكر سوى خروج الاستعمار من مصر، الذي كان متفقًا على خروجه منذ أيام سعد زغلول. أما عن باقي الأهداف فلم يتحقق منها شيء، على النقيض حدثت هزيمة للجيش في أول صراع مع الخصم الإسرائيلي في 73، ولم تتحقق الديمقراطية بل ظل العسكر في الحكم بالتوالي واحدًا تلو الآخر لمدة 60 عامًا ويتزايد هذا الأمر الآن.

كل هذه الدلائل دعت إلى إعادة التفكير في الأمر، وبدأ بعض المفكرين باعتبار الثالث والعشرين من يوليو ذكرى لانقلاب عسكري أطاح بالحكم بقوة السلاح ولم نجن منه سوى تحول مصر لدولة عسكرية حتى وقتنا الحالي.
فما الذي أدى للوصول إلى هذه الأفكار عن الحقائق التاريخية؟ وكيف نتيقن حقًا من صحة الوقائع التاريخية؟

4- المقارنة بين الأحداث ونتائجها

إن الوصول إلى المعنى الواضح للوقائع التاريخية بعد ثبوت تزييف معظمها وخضوع بعضها إلى أهواء كتابها صار يخضع إلى المقارنات بين ما ذكر عن هذه الوقائع وبين ما نتج عن هذه الوقائع.

فطالما أن النصوص ينالها التحريف، يصبح الخضوع للعقل والمنطق هو الحل الأسلم في مثل هذه الأمور. وعليك أن تضع الأمر نصب عينيك بين السبب والنتيجة لترى إن كان الأمر منطقيًا فقد يكون نصه سليمًا، وبالطبع يكون هناك بعض الاستثناءات التي تثبت القاعدة. ولكن بشكل عام يكون إحكام العقل هو الحل الأقرب للصواب.

ولذلك، لا تخبرني أن حربًا ما انتهت نتيجتها بالنصر، بينما ترى الواقع يدل على أن هذه الدولة خسرت من أراضيها مقدارًا. هنا قد يكون الأمر انتصارًا جزئيًا في معركة وليس في مجمل الحرب.

في حالة مثل هذه يكون العقل والنتائج هي الطريق الوحيد للتيقن. ولكن ألا توجد طريقة أخرى نتعرف منها على مدى صحة الوقائع التاريخية؟

5- الوقائع متعددة الروايات

بعض الوقائع التاريخية يكون لها أكثر من رواية، كل منها يتبنى وجهة نظر معينة، يكون الحل الأفضل هنا أن تقرأ كل هذه الروايات بإمعان وترى ما هو مشترك بين جميع الروايات وهكذا يكون هذا الأمر حقيقيًا وصائبًا.

فحتى وإن اختلفت آراء وأهواء من ذكره، فإنما اتفق على بعض النقاط وهذه النقاط لا يشوبها الجدل، مثل حدث الضربة الأولى المباغتة في حرب السادس من أكتوبر والتي يقر الطرفان المؤرخان لها بالأفضلية للجانب المصري فيها، ولذلك فهو أمر لا غبار عليه.

كذلك، يعتبر التناول الفني لبعض الأحداث التاريخية مرجعًا للبعض، وهو أمر قد يقود لأخطاء جمة. ولكن كنت أتابع تناولًا لفترة الحملات الصليبية على الشرق، من وجهة نظر غربية في أحد الأفلام «مملكة الجنة»، وهو وإن كان يتناول الأمر من جهة أن الغربيين هم أصحاب الحق والمدافعون والمقاتلون، ولكن كان يضع صلاح الدين بصورة رجل يحترم الخصوم ويبر بمعاهداته. مما كون لديّ صورة بأن صلاح الدين بالفعل كذلك طالما كان هذا الأمر ضمن كل تناول للحدث التاريخي.

وبهذا يكون الاتفاق على حدث تاريخي من وجهات نظر متضادة دليلًا لا بأس به على صحة هذه الأحداث.

6- ماذا عن النصوص الدينية؟

لن نخوض كثيرًا في هذا الأمر الشائك نظرًا لما يمثله من حساسية عند البعض، واستعداد البعض لرفض الأمر جملة وتفصيلًا في حالة خوضك في مثل هذا الشأن. ولكن علينا أن نوضح بأنه يجب مراجعة روايات وسند المواقف والأحاديث الدينية المتناقلة، لأن الكثير منها يكون لا أساس له من الصحة، ويتم نسبه لأصول الدين بلا أصل ويتم التعامل بناء عليه.

عليك أن تعي يا صديقي أن كل من نقل نصًا أو رواية قد يكون شابه أهواؤه، ولذلك نجد الأحاديث الضعيفة والأحاديث المتفق عليها وشتان ما بينهما.

إن عقلك جزء مهم من إيمانك، وجزء من واجبك تجاه دينك أن تنفي النصوص غير الصحيحة عسى أن ينتفع بما وضحته شخص ما.

والتفكر فيما تفعله وينسب إلى دينك لأمر هام جدًا. العالم يعج الآن بمن يسيئون لدينهم بناء على فكرة خاطئة نقلها شخص ما لهم في سياق خاطئ، فصار لدينا داعش والقاعدة وكل هؤلاء الأخسرين أعمالًا، الذين يسيئون لا لأنفسهم فقط بل وبشكل غير مباشر يسيئون للعقائد التي يدعون انتماءهم لها.
يقول الكاتب «جورج أورويل» في رائعته «1984»:

«إن من يملك الماضي، يملك المستقبل».

وبذلك لا أجد ختامًا أفضل لما حاولت أن أوضحه في كلماتي، فعلينا أن نعي ماضينا حقًا، بكل تفاصيله، كي نستطيع أن نواجه ما قد نراه مستقبلًا عن علم ودراية.

وليعِ كل مزور للتاريخ أن الحقائق التاريخية في طريقها للظهور إن عاجلًا أو آجلًا كما علمنا بالدليل الواقعي. فلن يناله من إخفائها أو تزويرها إلا انتقاصٌ من شأنه وصورته أمام كل قارئ له.

وإن كان التاريخ ينهار أمامنا حاليًا، فلنصل إلى تاريخ سليم ونبدأ في بنائه منذ اللحظة، كي نرى مستقبلًا صادقًا، أو على الأقل نحاول.

The post الآن.. ينهار التاريخ appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست