تعجب بعض المصريين من موقف المعارضة التركية في مواجهة الانقلاب العسكري على الشرعية الدستورية المتمثلة في الرئيس التركي أردوغان، ولكن ما الذي يختلف بين معارضة مصر التي أيدت الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي وبين مثيلتها التركية التي رفضت الانقلاب على أردوغان؟
لمعرفة العلة في هذا الموقف الذي لعبته المعارضة المصرية للالتفاف على أول تجربة ديمقراطية حقيقية وعزل أول رئيس مدني منتخب، لابد وأن نبحث عن الأسباب ونكشف كيفية تأسيس الأحزاب بمصر لندرك الفرق فبضدها تتميز الأشياء.
عهد السيسي هو الامتداد الطبيعي للحكم العسكري منذ ثورة الضباط الأحرار وتحويل مصر لجمهورية عام 1952، والعسكر لا يتحمل معارضة مهما كانت هزيلة، والسيسي أدرك الدرس من مبارك الذي أخطأ بتركه حرية الكلام والانتقاد بمبدأ «خليهم يتسلوا» حتى جاءت أحداث يناير 2011 لتطيح به.
لذا وعى نظام السيسي الدرس فأصبح الصوت واحدًا يلهث بالتأييد وما سواه خونة وعملاء، قال لهم السيسي وكررها غير مرة: «اسمعوا مني أنا بس، أيوة أنا بس»، كما قال فرعون لقومه: «ما أريكم إلا ما أرى». وإذا كان لابد من المعارضة لاستكمال المسرحية فلابد وأن تكون مشاهد تمثيلية متفقًا عليها مسبقًا ومعلومة البداية والنهاية.
أصبح المشهد السياسي في مصر على إجماله هزليًّا بائسًا مقززًا مثيرًا للشفقة، أشباه السياسيين في الأنظمة الديكتاتورية يقومون بدور يشبه المعارضة في كيانات تسمى زورًا أحزابًا، ليبدو الأمر فيلم «شبه دولة» والبطولة المطلقة لطبيب الفلاسفة، الذي بعثه الله للبلاد والعباد منقذًا ومخلصًا، حتى لا نكون مثل سوريا والعراق.
كان المفترض أن يكون للبرلمان دور حقيقي فهو المعني – دستوريًّا – بالرقابة على أداء الحكومة، لكن لأن تعيينه جاء بطريقة التكليف من قبل الأجهزة الأمنية وهي ذاتها التي تمنح موافقة تأسيس الأحزاب وتصاريح أنشطة الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني… إلخ، بشكل عام فليس في الإمكان أقبح مما هو كائن.
نعم لا أستطيع ولا تسعفني الذاكرة تذكر خمسة أحزاب يمكن القول إنها تمارس الحياة السياسية رغم أن أعدادهم تربو عن الثمانين – وفقًا للهيئة العامة للاستعلامات – قبيل 25 يناير 2011، وزاد العدد بعد الانقلاب العسكري وتكونت أحزاب بنكهة عسكرية من أهل الثقة متقاعدي القوات المسلحة والشرطة والأجهزة السيادية، ولن تجد لهؤلاء ولا أولئك دورًا يُذكر، فالأوراق كتبت بطريقة القص واللصق فلا أحد سيقرأ أو يسأل عن واقع البرامج والمبادئ من حيث الممارسة، طالما أن الحزب وجوده كعدمه فلا توجد مشاكل في الاستمرار والمواصلة ولو بلا جمهور.
دعوني أوضح لكم كيف تنشأ الأحزاب في مصر فتكوينها أشبه باستكمال الوجاهة الاجتماعية، فإذا كنت رجل أعمال أو صاحب أموال أو قاضيًا أو ضابطًا بالمعاش وتريد الأضواء فلا بأس من المشاركة في تأسيس حزب سياسي لك ولأسرتك، وهو ما يسهل لك اعتماد جريدة للحزب من المجلس الأعلى للصحافة وتزيد على ذلك بقناة تلفزيونية لتستطيع من خلال هذه الخلطة السحرية أن تعمل عملًا للنظام فيسهل لك المهام وكله يبقى تمام، وتحصل لك الامتيازات وتقضى لك الحاجات، وتٌرمى إليك الصفقات وتحل لك العقد والمشكلات.
الخطوة الأولى: من أنتم؟ لابد وأن تؤكد السير الذاتية للمؤسسين أنهم مسالمون لا يحبون المعارضة ولا ينتهجونها في حياتهم وربما أمام زوجاتهم، وهؤلاء ليس لديهم القدرة على ممارسة السياسة بمفهومها الحقيقي، من حيث الحرية في القبول والرفض لمواقف الدولة ممثلة في نظامها في أوقات الضرورة.
الخطوة الثانية: كيف؟ عن طريق سماسرة التوكيلات وهم الذين يحشدون البسطاء من القرى والنجوع إلى مكاتب الشهر العقاري مقابل 50 جنيهًا للتوكيل الواحد وربما أقل، وإذا كان المطلوب رسميًا 5000 توكيل للتأسيس فإنك تحتاج تقريبًا ربع مليون جنيه لإنهاء الموضوع.
الخطوة الثالثة: السند المتصل، فلابد من التواصل تليفونيًا لطلب الرضا والسماح وحضور مقابلة الأجهزة السيادية، دعك من كلام الدستور بتكوين الأحزاب بمجرد الإخطار. الكلام ليس كالواقع، والحاجة أم الاختراع في أم الدنيا.
الخطوة الرابعة: مقر الحزب شقة في بناية قديمة أو جديدة فمن الذي يزور المكان أو يسأل عنه! هي تمثيلية وشكليات والكل يعرف ذلك وإن تظاهر بعدم المعرفة.
بإطلاق الحزب تحجز مقعدك في الحفلة ويمكنك حضور ليالي الأنس الملاح التي قد تقام نهارًا لظروف التأمين والحذر من أهل الشر، ويمكنك أن تكون أحد الحضور أمام سيادته لكلمة يتم عرضها – بعد المونتاج وقص الفضايح – بعد ذلك بأيام.
السياسة التي لن تمارسها بحزبك هي سر بقائك بجوار الزعيم الملهم، والقائد الفذ «الدكر»، الذي يعرف الداء والدواء ويتقن حرق الجثث وبعثرة الأشلاء، ومنيم أمريكا وإسرائيل وقوى الشر من المغرب وبدون عشاء، الخلاصة ولهذا يمكنك استخدام اللفظ المختصر من جملة «ارفض حدوث هذا».
The post الأحزاب المصرية على طريقة كل واشكر appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست