الأربعاء، 27 يوليو 2016

ثقفني اون لاين : ذكرى حركة عبد الناصر ورفاقه.. 62 يوليو على اعتقال الديمقراطية في مصر

بعد انتهاء حرب 1948، واحتلال الأراضي الفلسطينية، ثم الكشف عن صفقة الأسلحة الفاسدة، التي أدت لخسارة الجيش المصري المعارك الحاسمة، ضاقت النفوس، وزاد الغضب بانتشار الفساد داخل أروقة القصر وخارجه، إبان حكم الملك «فاروق الأول»، قرر عدد من الضباط الشباب أن يشكلوا تنظيمًا سريًا داخل الجيش المصري، أطلق عليه «الضباط الأحرار».

قاد «البكباشي جمال عبد الناصر» هذه الحركة، وعاونه عدد آخر من قادة الأفرع الرئيسة بالقوات المسلحة، ولاعتبارات تتعلق بالسن، والرتبة العسكرية، والسمعة الجيدة بين القوات، تم اختيار اللواء أركان حرب «محمد نجيب» ليترأسها.

قرر هؤلاء الضباط أن يقوموا بانقلاب على الحكم الملكي، وتخليص مصر من براثن الفساد، في منتصف ليلة 23 يوليو 1952، وخاضوا المغامرة التي دعمهم فيها الشعب ضد الملك، وأطلق عليها «الحركة المباركة»، وتم إجبار «فاروق الأول» على التخلي عن العرش، وترك مصر، ثم إعلان الجمهورية، بعد ذلك.

أعلن الضباط الأحرار عن 6 مبادئ لما سميت بالثورة، وكانت تلبي طموحات المصريين وقتها، وبدا للجميع أن حراك الجيش كان من أجل الوطن فقط، ولا توجد أية نية لديهم للاستيلاء على السلطة، وتحسس البعض ملامح النجاح، واكتسب بعدها الضباط الشبان قاعدة جماهيرية واسعة.

«أيها الشعب المصري: قسمًا بتراثك الديني الروحي الذي تبلورت فيه رسالات موسى وعيسى ومحمد، قسمًا بهذا التراث لنناهضن حكم الفرد، وطغيان السلطة، وجور الحكومة، ولنجعلن حكم الشعب للشعب، حتى يعتبر كل مواطن نفسه رعية وراعيًا، تحت راية الجمهورية، التي أعلنت باسمه، قسمًا بهذا التراث لنحشدن كل القوى، ولنجمعن كل الشعب في ظل راية جمهوريتنا الفتية، التي ستمضي ـ بإذن الله ـ قدمًا نحو مجد هذه الأمة، وشرفها وعزها».

كانت تلك الكلمات التي قالها اللواء نجيب في الاحتفال بالعيد الأول للثورة، تحمل البشارة بميلاد الديمقراطية المصرية، مع إصراره على عودة الجيش لثكناته، وعودة الحياة النيابية المدنية، ولكن كان لعبد الناصر ورفاقه رأي آخ؛ ليتخلوا عن قائد ثورتهم، حتى رحل وحيدًا عام 1984.

مرت واحدة من أخطر الفترات عبر تاريخ مصر؛ بسبب تهور الضابط الشاب جمال عبد الناصر، ورفاقه، وقيامهم بعدة إجراءات أثبتت أن حماسة الشباب ليست كافية لبناء الأوطان؛ فقاموا بحل الأحزاب السياسية، وكانت تلك الخطوة بداية انتهاء شهر العسل مع جماعة الإخوان، التي كانت على علم بموعد الثورة، وساندت الجيش في حراكه، وللمفارقة فإن المرشد العام للجماعة وقتها «حسن الهضيبي»، قد قام بزيارة للملك فاروق؛ ليؤكد له ولاء الجماعة، وبعدها تمامًا عن كل المناهضين له، ووثق ذلك في سجل التشريفات، بتاريخ 25 مايو 1952، بكلماته الآتية: «نرفع فروض الولاء للملك المفدى، ونستنكر الصيحات، التي تعالت ضد أعتابكم السامية، ونؤكد بُعد الإخوان كل البعد عنها».

وكان جمال عبد الناصر قد عرض على جماعة الإخوان الانضمام لتشكيل حكومة الثورة بثلاثة وزراء، وافق أعضاء مكتب الإرشاد، استنادًا على أنهم سيكونون ملمين بكل ما تفعله الحكومة, ولكن «الهضيبي» رفض تمامًا هذه الخطوة؛ لسبيين: الأول أن أخطاء الحكومة ستلقى مباشرة على «الإخوان»، وهنا تظهر بوادر سوء النية بين الجماعة والجيش، أما ثاني أسباب رفض المرشد فكان يرى أن رسالة الإخوان في تلك الآونة هي عدم الزج بأنفسهم في الحكم، ولكن حدث ما لم يرجوه المرشد، واستطاع عبد الناصر أن يقنع الشيخ «أحمد حسن الباقوري» بتولي وزارة الأوقاف، وترك «مكتب الإرشاد»، ما سبب حزنًا كبيرًا بين أعضاء المكتب، والهضيبي، الذي لم يرض، إلا باستقالة الباقوري.

استكمل ناصر ومجلس قيادة الثورة حملتهم لإزالة كل من لا يؤيدهم، فأجبروا اللواء محمد نجيب على الاستقالة، في 14 نوفمبر 1954، ووضعوه رهن الإقامة الجبرية, ونُفي «فؤاد محيي الدين» إلي النمسا، وامتشق عبد الناصر حب الجماهير العريضة التي رأت فيه «مخلص مصر»، وأطاح بكل من يعارض رغبته في حكم الجيش لمصر، وشن حملة اعتقالات شرسة، ونكل بجماعة الإخوان، خاصة بعد حادث المنشية 1954، وتم إعدام عدد من قيادات الجماعة المؤثرة، من بينهم الفقيه الدستوري «عبد القادر عودة»، ووصلت إلى ذروتها بعد أن استطاع عبد الناصر كسب شعبية رهيبة بين المصريين؛ ليعلن العام 1964 عن اعتقالات من أفرج عنهم من أعضاء الجماعة، وإعدام مفكر الإخوان «سيد قطب» ومعه خمسة من قيادات الجماعة في عام 1966.

منذ لحظة القبض على اللواء نجيب رافقته الديمقراطية في فيلا قديمة بحي المرج، وبقي شاهدًا على تداعيات إقحام الجيش في الحياة السياسية على يد جمال عبد الناصر، وتعرض مصر لنكسة 1967، مرورًا بفترة تغيير الهوية المصرية في عهد «أنور السادات» أحد الضباط الأحرار الذين كان عدوهم الأول «إسرائيل»، فأبرم معهم معاهدة مذلة، بعد تدخله في حرب 1973، التي لو لم يحشر أنفه في قرارتها العسكرية لكانت النتيجة مختلفة تمامًا الآن، أيضًا عقد الرئيس المؤمن صفقات مشبوهة مع الإسلاميين، وأطلق لهم العنان في مواجهة الشيوعيين؛ ليتسبب بذلك في تفشي «الوهابية»، والأفكار المتشددة، التي أشعلت نار الإرهاب، وكان هو شخصيًا أحد ضحاياها.

وعاصر اللواء نجيب أيضًا أوائل فترة حكم «حسني مبارك» الذي أغرق مصر في براثن القمع والجهل والمرض، ورسخ كل ما بدأه السادات، ولكن في أواخر عهده كانت الأمور تفلت تدريجيًا من تحت سيطرة الجيش، خاصة مع انتشار رجال الأعمال، وسياسة الخصخصة وغيرها، ليبدأ الجنرالات في مراجعة موقفهم.

حلقت روح الديمقراطية، وألهمت شباب مصر، الذين سئموا وضع البلاد التي خضعت لقمع وبطش نظام مبارك، داعبت أحلامهم وتعطشهم للحرية، فكان الحراك الشعبي الأجمل والأنقى في 25 يناير 2011، التي لم يتردد الجيش في دعمها خاصة، وأنها ستحقق له ما عجز عن منعه؛ حتى لا يتصادم مع مبارك، ورغبته في توريث الحكم لنجله.

عاد الجيش لصدارة المشهد بشكل مباشر، وأعطى تحية عسكرية لأرواح الشهداء؛ لتعود معه مطامع الاستيلاء على السلطة من قبل الإسلاميين، الذين تحالفوا معه، وظنوا أنهم مانعتهم أعدادهم وأموالهم من إعادة ما فعله عبد الناصر قديمًا بجماعة الإخوان، وغضوا الطرف عن السحل وأحداث «ماسبيرو» وشارع «محمد محمود» وغيرها، ليصلوا بعد ذلك إلى سدة الحكم عبر اقتراع لا غبار عليه، طبقًا للصناديق، لكنه غير نزيه؛ لأن أغلبية الناخبين انساقت خلف الدعاية الدينية والمادية.

أيقن كبار قادة الجيش أن جماعة الإخوان بشكل خاص، والإسلاميين عمومًا، لا يخلصون للوطن، وما هم إلا تجار للدين ومواليهم، إن لم يكن بتسجيلات مراقبتهم، فباعترافات بعضهم خلف أسوار المعتقلات، وإن كنت أعتقد أن صفقاتهم مع رؤساء مصر عبر نصف قرن كفيلة بترسيخ القناعات، ونفذوا «سيناريو» أعد مسبقًا، وبإحكام شديد، وربما ثقة عمياء، أن كل ما هو إسلامي لن يخلص للوطن، بل سيقدس انتماء الجماعة، وبث الفرقة بين رفقاء يناير، فضلًا عن التعالي على الشعب بحجة أنهم مؤيدون بنصر الله، وتمت عملية العزل.

مر عام على أول عملية اقتراع تشوبها الديمقراطية، وأتت برئيس مدني من خارج صفوف الجيش لأول مرة منذ انقلاب 1952م، ولكنه عام لم يغث فيه الثوار، ولا الشباب، ولا أي مصري لا ينتمي لجماعة الإخوان أو السلفيين؛ ليتم حشد الشعب مجددًا على غرار مظاهرات 28 مارس 1954، والتي نادت بسقوط «الديمقراطية والحرية»، ولكنها في 2013 كانت تطالب بسقوط الإسلاميين، وضرورة إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ليعود الجيش مجددًا في ثوب المنقذ، وحامي الشعب من الفاشية الدينية، ويعلن عزل «مرسي».

عام فآخر، وصولًا إلى 2016، لم يتحرك المصريون من المربع صفر، بل تراجعوا ليسقطوا في ثقب أسود، فلم تعد البلاد بزخم الماضي في شتى المجالات الفنية والثقافية والعلمية وغيرها، الآن تشهد مصر انقسامًا واضحًا بين مؤيدي الجيش «حاملي البيادة فوق رؤوسهم»، وبين من يقدسون جماعاتهم، ولا يكترثون مثقال ذرة لمصر، ونسوا أن الوطن فوق كل شيء، بينما في جانب آخر فريق يرفض تدخل الجيش في الحياة السياسية، كما لم، ولن، يقبل بوصول أي مدني بصبغة إسلامية إلى حكم مصر.

بعد مرور أكثر من نصف قرن على اعتقال الحلم، وسيطرة الجيش على السلطة، انحدرت قيم المجتمع، وتهاوت مكانة مصر بين الأمم، اقتصاد من سيء لأسوأ، تعليم خارج التصنيف، فنون تندثر، صحة متهالكة، شباب يتجرع الأمل في كؤوس مسمومة، وكثير من المساوئ، نأمل أن نرى رئيسًا مدنيًا منتخبًا بإرادة شعبية حرة واعية، وهي في الأساس عماد الديمقراطية الحقيقية، لا تنساق وراء مرشح يقحم اسم الله في دعايته، ولا آخر تسبقه أمواله مستغلًا الفقر المتفشي بين المواطنين، ولا ثالث يقامر بأحلام البسطاء والشباب معًا.

قد تظن عزيزي القارئ أنني متحامل على جماعة الإخوان أو الإسلاميين، ولكن دعني أوضح لك مبرر ذكر الإخوان، دون غيرهم، وهو أنهم اللاعب الوحيد الذي أرهق الجيش فترات، وتحالف معه أخرى، ولا يمكن أن نذكر الجيش وحده دونهم، فهم الفصيل المدني الوحيد الذي كان على علم بموعد انقلاب الجيش على الملك، كما أنهم الظهير المدني الأكثر تنظيمًا بعد الجيش على الساحة السياسية، وهم أيضًا الذين حملهم «شباب يناير» أمانة الحرية، واصطفوا خلفهم، ولكنهم استولوا على جمال الثورة ولطخوه، لن نسفه الشيوعيين أو الوفديين أو غيرهم، ولكن عدم ذكرهم كان لاعتبارات، أهمها: أن دور «الوفد» لا يكاد يذكر، إلا عندما أعلن فؤاد سراج الدين عن قبول ترشح الإخوان عبر حزبه في عام 1984 وسرعان ما نقضت الجماعة الاتفاق مع الباشا في أولى جلسات البرلمان، وطالبوا بتطبيق الشريعة، وبوفاة «سراج الدين» أعتقد أن الحياة الحزبية المصرية واراها الثرى.

الآن الجيش حسم الأمر، وربما لعقود مقبلة بتولي المشير «عبد الفتاح السيسي» رئاسة الجمهورية عبر عملية اقتراع شاركت فيها نسب ضعيفة، وهجرها الشباب عقابًا لأنفسهم على حسن نواياهم أولًا، ولعدم منح النظام شرعية ثورية، توغل الجيش في مفاصل الدولة بشكل مخيف، وعزز إمبراطوريته الاقتصادية التي بدأت بعد «كامب ديفيد» بشكل يمنحها وضعًا آمنًا، وفي المقابل نجد أن اقتصاد الدولة هش، وفي مهب الريح، والشعب في حالة هلع من الغد، وبين هذا وذاك منظومة متكاملة من النفاق، تشوه من لا يرضى النظام عنهم، وتنفث سمومها في عقول البسطاء، وجعلتهم كالأنعام، بل أضل سبيلًا.

لا نكره الجيش، ولن نستطيع، ولكن نطالبه أن يتبوأ مكانه المنوط به، ويتركنا نحبو نحو الديمقراطية، من المؤكد أننا سنتعثر مرة تلو الأخرى؛ حتى نبني الإنسان المصري حر الفكر والهوية، صانع المجد والحضارة، بعد ذلك سوف نستعيد أمجاد أول دولة مركزية في التاريخ، في النهاية نود أن نبعث برسالة بسيطة إلى الجنرال الأكبر: «62» عامًا على اعتقال الديمقراطية.. أليست كافية؟ نفذ ما قاله اللواء «محمد نجيب»، أو كما يقول الأشقاء في لبنان «حلوا عنا».

The post ذكرى حركة عبد الناصر ورفاقه.. 62 يوليو على اعتقال الديمقراطية في مصر appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست