الأربعاء، 29 يونيو 2016

ثقفني اون لاين : القطع الثلاث الناقصة في مراجعة د. حمزاوي المتميزة

 (1)

لا شك أن د. عمرو حمزاوي يمثل حالةً متميزةً في الوسط السياسي المصري، وأنه بتوازن موقفه في المجمل رغم انتمائه فكريًّا وبحسم للتيار العلماني المشهور –خاصة في مصر– بابتعاده عن التوازن، ومع الاستقطاب الحاد في السياسة المصرية خاصةً بعد 3 يوليو، فإن د. حمزاوي بكتاباته المتميزة يمثل جزيرة منعزلة عند مجمع البحرين، أو لعله يمثل صخرة ناتئة على حافة شلالات مهولة، من بلغها أمن الوقوع في الشلال لكن لم يدر إلى أين يذهب بعدها، إن ظل عندها انعزل وإن تركها لا يأمن الوصول لبر!

(2)

هذا الموقع المتميز للرجل جعل الكثير من مقالاته كأنها وثائق تاريخية كاشفة، وستكون بالفعل مرجعًا لمن سيتصدون لكتابة تاريخ هذا الفترة من تاريخنا، ومن تلك الكتابات المتميزة خرجت مقالة تمثل مراجعة صريحة لمواقف التيار العلماني في مصر، ونشر في الجريدة الشروق يوم 24 يونيو الجاري، تحت عنوان (عن ما سبق ٢٠١٣.. في شرح النزوع السلطوي للنخب العلمانية في مصر).

يوضح تاريخيًّا كيف تحالفت النخب العلمانية في العالم العربي مع الأنظمة القمعية على مدار التاريخ الحديث.

(3)

وقد علق د. جمال سلطان على المقالة في اليوم التالي في جريدة (المصريون) مستعرضًا لها ومثنيًا عليها بمقالة بعنوان (مراجعات ليبرالية جادة تستحق التأمل والاحترام) قائلًا: «حمزاوي هو من «الندرة» الليبرالية الباقية في مصر والعالم العربي التي تملك شجاعة النقد الذاتي وتخلص بالفعل لمبادئ الليبرالية بغض النظر عن المصالح الآنية أو موقعه من الأحداث».

 

(4)

وكان مما قاله د. حمزاوي، ونقله وعلق عليه د. جمال ما يلي:

لم تكن الدوافع الوحيدة لتحالف النخب العلمانية «ليبرالية ويسارية» مع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية للخروج على الإجراءات الديمقراطية في صيف ٢٠١٣ هي فشل إدارة الرئيس السابق محمد مرسي في إخراج البلاد من أزماتها، وعصفها بسيادة القانون والإطار الدستوري القائم «الإعلان الدستوري الاستثنائي في نوفمبر ٢٠١٢»، أو ما طرح آنذاك كفعل ضرورة لحماية مصر من خطر استبداد ديني محقق، والحفاظ على هويتها الوطنية. فالموقف المضاد للديمقراطية الذي تبنته النخب العلمانية في ذلك الصيف، ثم تأييد أغلبية عناصرها لعودة السلطوية وصمتها على انتهاكات مفجعة لحقوق الإنسان، مثّل -وما زال- ترجمة مباشرة لميراث تاريخي طويل حدد منذ القرن التاسع عشر جوهر العلاقة بينها، وبين نظم الحكم المتعاقبة كما بينها، وبين فعاليات المجتمع وعموم المواطنات والمواطنين.

لم تر النخب العلمانية في الدولة الوطنية سوى قوة التنوير والتحديث والتقدم القادرة على تجاوز الجهل والفقر والتخلف، وتجاهلت حقائق القهر والقمع وإهدار الحريات واحتكار الثروة التي وصمتها منذ نشأتها، ولم تصنف حكامها إلا كحماة للفكرة العلمانية، ولفصل الدين عن الدولة حتى حين وظفت الرموز والمقولات الدينية لإضفاء شرعية قبول شعبي زائفة على الحكام، ولم تمتعض لا من اختزال المؤسسات والأجهزة الفاعلة للدولة إلى المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ولا من إلغاء حكم ما بعد ١٩٥٢ للتعددية السياسية والحزبية التي تواصلت لبضعة عقود بعد ثورة ١٩١٩، ومن اختلال العلاقات العسكرية -المدنية على نحو أسس لسلطوية صريحة، ولم تقاوم امتداد سطوة المكون العسكري- الأمني إلى مجمل الفضاء العام، والانتهاك الممنهج للحريات الفكرية والأكاديمية، ولحرية الإبداع.

في مقابل ارتباطها العضوي بنظام الحكم واستقوائها بالسلطة القائمة، استحضرت النخب العلمانية دومًا خوفًا وتوجسًا مزمنين من المجتمع وعموم الناس. منذ تبلورت المقولات الكبرى للعلمانيين المصريين، والمجتمع يصنف ككيان لا عقلاني، ومساحة شاسعة تعمل بها «الظلامية الدينية» و«الأنساق الرجعية» مفاعيلها الهدامة. وبالتبعية، باتت المهمة الرئيسية للدولة وحكامها هي إخراج المجتمع من حالته الرثة، وتجاوز لا عقلانيته وظلاميته بمساعدة العلمانيين وعبر نظم التعليم والتنشئة الحديثة. إلى يومنا هذا، لم يتغلب العلمانيون على خوفهم من المجتمع على الرغم من عقلانية وتقدمية المجتمع وفعالياته مقارنة بالدولة وحكامها في محطات مفصلية كثيرة في تاريخ مصر الحديث من الحركة العرابية التي قاومت الاحتلال البريطاني، وثورة ١٩١٩ التي حظيت بتأييد شعبي كاسح، والتماسك المجتمعي في أعقاب هزيمة ١٩٦٧، وثورة يناير ٢٠١١ التي أرادت التخلص من السلطوية واستعادة مضامين العدل والحق والحرية والمساواة. إلى يومنا هذا، لم يزل خوف العلمانيين من المجتمع هو المفسر الأساسي لترويجهم لمقولات غير ديمقراطية بين ٢٠١١ و٢٠١٣ من المطالبة بالتمييز بين الوزن النسبي لأصوات المتعلمين وغير المتعلمين في الاستفتاءات والاستحقاقات الانتخابية، إلى تمرير وثائق مبادئ فوق دستورية لإقرار وضعية الدولة فوق الدولة للمؤسسة العسكرية، وتمكينها من التدخل المستمر في شئون الحكم والسلطة. إلى يومنا هذا، لم يزل خوف العلمانيين من عموم الناس هو محرك قوي لإطلاقهم الأحكام الاستعلائية على تفضيلات الأغلبية السياسية والانتخابية (أساطير الحصول على الأصوات الانتخابية بالسكر والزيت) ولاستعدادهم التحالف مع الاستبداد والسلطوية، والانقلاب على الديمقراطية نظير إسكات المواطن وتهجيره من الفضاء العام، نظير إخضاع واستتباع المجتمع اللاعقلاني.

لذلك ليس بمستغرب على الإطلاق أن تقف النخب العلمانية منذ القرن التاسع عشر، وإلى يومنا هذا متبنية لمقولة الدولة الوطنية المسيطرة على المجتمع والمهيمنة على الفضاء العام، والفارضة للرأي الواحد وللصوت الواحد على الناس، دون أن يربط العلمانيون بين مفهوم قوة الدولة ومفاهيم العدل والحق والحرية والمساواة، وباستبعاد كارثي للميراث المتراكم للدولة القمعية ولحكمها السلطوي إن لجهة التحديث والتقدم المجتمعين أو لجهة الحفاظ على فاعلية مؤسسات الدولة نفسها. لذلك أيضًا ليس بمستغرب البتة أن تروج النخب العلمانية لمفاهيم ذات جوهر استبدادي صريح، كمفاهيم الضرورة الوطنية التي تلزم بالاصطفاف خلف الحكام، وحالة الاستثناء التي تمنح الحكام رخصة شاملة للعصف بسيادة القانون، وبإخضاع المجتمع والمواطن، وأولوية الدفاع عن الأمن والاستقرار، وإنجاز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على حديث الديمقراطية، على الرغم من الوهم الكامل الذي يمثله انتظار نشوء حالة أمن واستقرار وتقدم اقتصادي واجتماعي في ظل السلطوية، وعلى الرغم من العبث الأخلاقي والإنساني والسياسي التام الذي يعبر عنه دفاع علمانيين عن إهدار كرامة الإنسان وإلغاء حقوقه وحرياته الشخصية والمدنية والسياسية، فالفكرة العلمانية رامت بالأساس تحرير الإنسان والانتصار له في مواجهة قمع وتغول السلطات الدينية والدنيوية.

(5)

مراجعة بليغة منصفة، كاملة إلا من «ثلاث قطع ناقصة»، تفتقدهما تلك المراجعة، وليسمح لي الدكتوران المفكران -الكاتب والمعلق- أن أدلي بدلوي بخصوصها.

(6)

بعد رصد د. حمزاوي للظاهرة عللها بخوف النخب العلمانية (المصرية) من (الجماهير)، حيث المجتمع يصنف ككيان لا عقلاني ومساحة شاسعة تعمل بها «الظلامية الدينية» و«الأنساق الرجعية» مفاعيلها الهدامة، وهو ما يدفعها للتحالف مع الأنظمة القمعية لأنها ترى فيها (قوة التنوير والتحديث والتقدم القادرة على تجاوز الجهل والفقر والتخلف) ولأن (الدولة وحكامها هي التي ستقوم بإخراج المجتمع من حالته الرثة وتجاوز لا عقلانيته وظلاميته).

فالكاتب هنا ينحو باللائمة على النخب العلمانية (المصرية) في (الرهاب) غير المبرر الذي أصابها من الشعب، و(الثقة) غير الدقيقة في الحكام! كأن المشكلة إذًا في النخب العلمانية المصرية، أو في الطبعة المصرية من العلمانية، بينما الواقع أن الأزمة مكينة في أصل فكرة العلمانية، فالعلمانية التي تضع شرطًا ابتدائيًّا على المجتمعات سواء أكانت الأغلبية معه أم لا بإلزام فصل الدين عن الدولة -وواقعيًّا فصل الدين عن مناحي الحياة المختلفة وليست المختصة بالدولة فقط– قد جعلتها منذ البداية فكرة غير ديمقراطية، ومتعارضة في الجوهر مع المفهوم الديمقراطي والليبرالي.

وإذا كانت هذه الحقيقة قد سترت في الغرب في العصر الحديث لأن المجتمعات بأغلبيتها اختارت العلمانية، فلم يحدث تضاد بين الأغلبية والعلمانية ليكتشف جوهر تعارضها مع الديمقراطية والليبرالية، وإذا كانت هذه الحقيقة قد سترت في الكتلة اليسارية الشيوعية لأنها في الأصل غير ديمقراطية، فلم يظهر التعارض بين العلمانية والديمقراطية، وإنما ذاب في التعارض بين الأيديولوجيات اليسارية بتنويعاتها المختلفة، وبين الديمقراطية والليبرالية كما عرفتها المجتمعات على الجانب الآخر في الستار الحديدي.

وهكذا فإن طبيعة المسار التاريخي للنهج العلماني في الشرق والغرب، قد أسهم في ستر تعارضه الجوهري مع المبدأ الديمقراطي، وحدها في تلك المنطقة من العالم أسهم المسار التاريخي في كشف التعارض المبدئي الصريح بين العلمانية من جهة، والديمقراطية من جهة أخرى، حيث الأغلبية في تلك المنطقة من العالم أدارت ظهورها للعلمانيين ولم تتقبل الفكرة، وعبرت عن ذلك في كل استحقاق انتخابي حر في أغلب الفترات، لذلك كان توجه العلمانيين المصريين أغلب الفترات للتحالف مع الأنظمة القمعية جزءًا لا يتجزأ من (النهج العلماني العام) وهو «تقديم مبدأ فصل الدين عن الحياة، على الديمقراطية»، فإذا جاءت الديمقراطية بالعلمانيين فبها ونعم وليسيرا معًا، وإلا فالعلمانية مقدمة على الديمقراطية، هذا نهج علماني عام ولا تشذ عنه النخب العلمانية المصرية، بدليل أنه في أعقاب ثورة 1919 وحتى ثورة 1952 «أي قبل نمو التيار الإسلامي السياسي في السبعينيات»، حيث كانت الأغلبية الشعبية مكفولة وقتها للنخب الوطنية الميالة للعلمانية ممثلة في حزب الوفد لم تعد تلك النخب –مدفوعة بالتأييد الشعبي– في حاجة للتحالف مع الأنظمة القمعية، فكان أن واجهت تلك الأنظمة –والتي كانت أقل قمعًا بكثير مما تلاها– ومع ذلك واجهتها النخب العلمانية المصرية حين لم تتعارض العلمانية وقتها مع الديمقراطية، وهذا يدل على أن التحالف مع الأنظمة القمعية (ليس رهاب دائم) مصابة به النخب العلمانية المصرية طوال تاريخها كما ذكر الكاتب، بل هو خلل مكين في أصل الفكرة العلمانية.

(7)

وأما الخلل الثاني، أو القطعة الثانية الناقصة في التحليل المتميز لدكتور حمزاوي هو عدم الإدراك أن النخب العلمانية توجهت لتأييد الأنظمة الشمولية على بصيرة وتعمد ومعرفة، وليس على رهاب وتوجس كما ذهب د. حمزاوي، وعن إدراك تام أن الأنظمة القمعية لا تحمل أي توجه تنويري، وليس عن انخداع بتلك الأنظمة كما يسوق د. حمزاوي، فالأمر طوال الوقت كان أصرح من أن ينخدع به أحد، وإنما كان هذا التحالف وليد المصلحة المتبادلة المجردة من كل مبدأ، فهذه النخب توفر التأييد والدعم، وتقدم القشرة الثقافية التي تغطي عورة هذه الأنظمة، وتعطيها واجهة أفضل في الداخل والخارج تداري قبحها، وفي المقابل توفر تلك الأنظمة لهذه النخب المزايا والمنابر والمناصب التي لن تتاح لهم في الحالة الديمقراطية، حيث تسحب الجماهير ثقتها، وبالتالي منافعها منهم وتعطيها لغيرهم، فالنخب العلمانية لم تنخدع بحقيقة الأنظمة، وما كان لها أن تفعل وإنما الأمر كله على بصيرة ومصالح مباشرة متبادلة لا يخدع فيها أي طرف الآخر عن حقيقة حاله ومقاصده، مهما بهرج الكلام وزينه ظاهرًا.

(8)

وأما القطعة الثالثة الناقصة في تحليل د. حمزاوي –وأستطيع تفهمها إنسانيًّا لكن لابد من رصدها– أن المراجعة وإن تضمنت النقد الذاتي للتيار الذي ينتمي إليه الكاتب، فإنها تجاهلت النقد الذاتي لموقف الكاتب نفسه من تلك الأحداث، وأقل ما يقال فيه قصوره عن إدراك تلك الحقائق التي يسردها قبل 3 يوليو، وبالتالي اندفاعه وراء هذا التيار في تجربته المتجددة في التحالف مع تلك الأنظمة ومساعدتها في الرجوع لقواعدها، ود. حمزاوي رأس في هذا التيار يحتزى به، لكنه للأسف لم يتبين الموقف ولم يبينه، ولم يضع أمام ناظريه وقتها ما يكتبه الآن، فساهم في تقويض نظام ما قبل 3 يوليو بدعوى التقويم، وهو يعلم توجهات النخب العلمانية وتحالفاتها ورغبتها على الانقضاض على الرئيس ذي التوجهات الإسلامية فقط لعداوات أيديولوجية، ولو أدى ذلك لتقويض النظام الديمقراطي الوليد وعودة الأنظمة الشمولية، إذ العلمانية مقدمة عندهم على الديمقراطية كما ذكرنا آنفًا، ومصالحهم الذاتية تتحصل عندما لا تمكن الأغلبية الشعبية، والنكاية في خصومهم مقدمة عندهم على مصالح الشعب، فلماذا لم تنتبه سيدي الكاتب لكل هذا، ألم يكن هذا التقصير منك يستحق جملة في تلك المراجعة المتميزة؟! لا نقول هذا من باب المعاتبة، وإنما من باب الاستعداد لما هو قادم، فإن الغمة لا شك ستزول يومًا وسنحصل جميعًا على فرصة أخرى، ولن نكون وقتها في ترف إهدارها، فعلينا أن نتفهم من الآن واجباتنا تجاه الحفاظ على التجارب الديمقراطية الوليدة وحمايتها، وأنها –على أخطائها– أفضل بعشرات المراحل من غواية الأنظمة الشمولية وغلوائها.

(9)

على كل حال خالص الشكر لك د. عمرو حمزاوي ولكتاباتك الهامة، والتي تبقى على أهميتها رغم القطع الناقصة.

The post القطع الثلاث الناقصة في مراجعة د. حمزاوي المتميزة appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست