تعددت الرؤى التي تحكي عن خط سير الإمام البنا وكيف كان يخطط للوصول لغايته؛ فمنهم من رآه رجل سياسة وكانت تلك هي سبيله في الوصول لتحقيق المراحل التي حددها والتي تنتهي بأستاذية العالم، ومنهم من رأى فيه المفكر والمربي الذي يسعى للتغيير عن طريق الإصلاح، ومنهم من رآه في صور أخرى غير تلك.
إلا أن المتتبع لتاريخ الرجل وخطواته يكتشف أنه كان شيئًا آخر مميزًا؛ لقد كان الإمام يفهم أنه في صراع عنيف مع الغرب وأذنابه وأن هذا الصراع له أدوات محددة لحسمه، فسعى لتحقيقها وحيدًا جاد الخطى إذ هو في النهاية رجل من الأمة لكنه كان بحق رجلًا بأمة.
والحقيقة أن الإمام حسن البنا قد سار في مسارين متوازيين من أجل تغيير الوضع لا إصلاحه والعيش تحت ظله، وهنا محل بيانهما مع عرض سريع لمسار الدعوة من بعده لبيان مدى قربها من مساره الأول. ونبدأ بمسارات الإمام البنا أولًا وكان العمل كما أسلفت على مسارين هما:
- مسار المجتمع «تربية ودعوة»:
فسعى في هذا الجانب لتربية الرجل المسلم والبيت المسلم والدعوة مع المجتمع ليكون نسيجه صالحًا يحوي حاضنة شعبية داعمة للتغيير.
- ومسار الدولة «ضغط ومقاومة»:
* فتحرك علنًا في شكل جماعة ضغط تسعى للتأثير في الوضع السياسي القائم بعيدًا عن الشكل الحزبي رافضًا له.
* ثم تحرك سرًّا في تكوين جيشين؛ أحدهما من مجموعة ضباط داخل الجيش نفسه، والثاني هو التنظيم الخاص، كما تحرك في صفوف الشرطة وكون فرقة للواحدات داخلها. وقد استفاد في هذا الجزء من الصاغ محمود لبيب الذي كان ضابطًا في الجيش العثماني وله خبرة عسكرية واسعة وأسند له مسؤولية إخوان الجيش.
سار البنا على ما يرام مدة 20 سنة في مرحلتي التعريف والتكوين من 1928-1948 حتى جاءت حرب فلسطين فانكشفت قوته، وحينها كان يجب تغيير المسار العلني تمامًا لأنه أصبح مرصودًا والاكتفاء بالعناية بالجيشين السريين من بعيد دون ظهور منه، مع استمرار أعمال الاستنزاف ضد الإنجليز واندماج جزء من الأفراد غير العسكريين في العمل العسكري، وجزء منهم في كيانات دعوية عامة كالجمعية الشرعية مثلًا لاستكمال العمل الدعوي مع بقاء الجلسات التربوية لهؤلاء المدنيين لحين الانقضاض على النظام عبر الجيشين الآخرين حين يكتمل إعدادهما وتتصاعد جهودهما.
لكنه للأسف حاول أن يمتص الضربة التي أدت لحل الجماعة عن طريق المناورة ومخاطبة النظام الذي لم يمهله كثيرًا، وقُتل شهيدًا عظيمًا تاركًا بناءً ضخمًا ورؤية هامة للتغيير، وهذا ما عمل على استكمال جهوده بعد ذلك النظام الخاص كما بين محمود الصباغ في كتابه «التصويب الأمين» (انظر التعليقات) إذ كان للنظام الخاص دور هام في الضغط على النظام في ثلاث سنوات بعد مقتل البنا منذ 1949م وفي ظل عدم وجود مرشد حتى عام 1951 حتى جاءت لحظة مواتية بعدها بسنة واحدة، لكن الغرب حين أحس بقرب سقوط فاروق وقيام ثورة يقودها إسلاميون تدخل بالتعاون مع جمال لسرقة جهود الإخوان، وكان حسن الهضيبي رجلًا بعيدًا عن الملابسات والتفاصيل فضاع ما بناه الإمام في السجون.
كانت المحنة شديدة في السجن على صعيد الفكر لا سيما وهناك جناح داخل الإخوان يرى ضرورة التخلي عن المقاومة والسير بجناح واحد فقط، خاصة بعد علو نبرة المفاصلة في كتابات سيد قطب وأراد هذا الجناح دفع تلك النبرة والسير عكس الاتجاه السابق في ركاب الاندماج والتشارك مع النظام القائم (انظر التعليقات)، وهذا الجناح بقيادة التلمساني هو الذي قاد الإخوان منذ السبيعنيات وبدأ التيه منذ عام 1975 وحتى الآن، في حوالي 40 سنة هي عمر الجيل وإن لم يخل الأمر من أوجه خير بذلت لكنها بعيدة عن الخط الأول وعن تحقيق تغيير حقيقي، فضاعت خلالها فرص هامة منها ما أعقب معاهدة كامب ديفيد التي لم يستغلها التنظيم جيدًا مع أنه كانت هناك موجات تصعيد ميدانية، وكذلك حدث في فترات تصعيد لاحقة من جهة الجماعة الإسلامية الأمر الذي أكده تصريح إبراهيم منير منذ أيام إذ أبان فيه أن الإخوان رفضوا المشاركة في إسقاط النظام رغم ضعفه حينها (انظر التعليقات). وأخيرًا عند الانسحاب من التحرير في 11 فبراير وعدم استغلال الزخم الثوري في الإجهاز على النظام، وتابع لذلك طبعًا ضياع لحظتي الانقلاب وفض رابعة بوصفها لحظات ثورة مواتية لنفس الهدف. وهكذا كانت تلك الفترة (40 عامًا) عبارة عن نجاحات جزئية ولكنها على الهامش بعيدة عن صلب التغيير.
ليأتي مؤخرًا مع جيل جديد الداعون للتغيير الساعون للعودة للأصول الأولى للعمل، بإحياء شقه المقاوم إلى جانب حاضنته المؤيدة مع اهتمام بالكفاءات وتفعيل للشورى داخل الصف، في ظل ظرف حاشد قريب العهد من موجة الثورة الأولى في يناير 2011 ومع ارتفاع في منسوب الوعي بحقيقة الصراع وأهم أدوات حسمه. ولكن عليهم الاستفادة من أسباب الإخفاق السابق ذكرها في المرحلة الأولى والابتعاد عن شكل المرحلة الثانية المغاير للخط الأول للجماعة إن أرادوا حقًا تأسيسًا ثالثًا قويًا وناجزًا. وللأمر سوابق كما في قصة الجيل الذي ابتلي بالتيه من بني إسرائيل ثم جاء بعد أربعين سنة جيل جديد على خطى موسى عليه السلام وجاهد بعد أن رفض ذلك جيل التيه، فانتصر الجيل المجاهد وقامت دولة الإسلام قادها داود ثم سليمان عليهما السلام. والله المستعان.
The post الطريق المأمول.. بين مسار البنا ومسارات خلفائه appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست