ما أبشع أن تكون في بلد يسوده اللون الواحد، إنه حصاد يرهب الناس ويحقن الدم الفاسد، وما هو إلا كلاكيت طبق الأصل عن المجتمعات الشمولية الماضية، وما هو إلا إدارة الوضع الداخلي بالفوضى والفساد الذي يسوق التدهور، وأنا أؤمن بأن هذه السلطات أخطر من الجيوش الجرارة المتأهبة، ببساطة لأنها خلقت نظامًا أرستقراطيًا، شموليًا، بيروقراطيًا، ديمقراطيًا.
في بلد اللون الواحد تغيب سيادة القانون وتُشحن الفواحش السياسية، عليك أن تلبس وتأكل وتشرب لنفس اللون، الشيء المسموح له بالتعدد هو الزوجات فقط، وما عدا هذا المشروع سيكون صاحبه في عِداد المارقين والناكثين والخوارج، في بلد اللون الواحد هناك سلطة وطنية وصندوق مال وائتلاف متعاون وحمام زاجل، وعليك أن تحمل شعارات كل تلك المؤسسات وتؤمن برسالتها وإلا فلن يتم صرف شيء لبيتك، عليك حمل رقم انتمائي أو على الأقل تقديم قربان التزكية والرضا ثم الصمت.
قد تبرز هذه السلطات عضلاتها ما شاءت بعضَ الوقت، لكنها سوف تنقبِر ولسوف يحضر من سلِم شرها جنائزهم. لأنها سلطات بُنيت على أصل فاسد على نمط التفرد والنرجسية، لأنه حينما يحكم اللون الواحد وطننا الجلال، فلن يكون هناك من يخضع للمحاسبة ولن تكون هناك شفافية، ستساق هذه الأنظمة للهلاك وستفشل بالضرورة. وستكون تلك السلطة – بغض النظر عن مرجعها الديني والعلمي – بأجهزتها وثمارها آيلة للسقوط فور انتهاء موسمها.
يبقى على سلطات بلاد «اللون الواحد» أن تنظر أبعد لحل مشاكلها قبل وصول موجة الصحوة إلى أعتاب قصورها وبرلماناتها، تنجح هذه الأنظمة في إبراز التعددية إبرازًا صوريًا ليس إلا، وتعترف بالأحزاب المختلفة التي تشابهها في المهيع والتي تختلف معها بالعقيدة، وما هذا إلا تكوين مزيّف إعلامي تقوم به لحفظ لباقتها ولياقتها في سباق الحفاظ على سلطتها داخل القصور أكبر وقت ممكن.
تلك القصور تحوي نفس الآراء حول أسعار الخضار وحول نوعية الأفلام وحول طرق تنمية الاقتصاد، تلك القصور تحوي أنفسًا متشابهة وغالبًا ما تكون خاوية من أي تقدير وإنصاف واحترام، لذا فإن أنظمة كهذه ستفشل بالضرورة ولو بعد حين، هذا الفشل يكون نتاجًا نهائيًا لعملية الفوضى التي ترسمه يومًا بعد يوم وجيلًا بعد جيل وعبوسًا فوق عبوس على محيّا الناس والحقيقة البتول.
في بلاد «اللون الواحد» دائمًا ما يُستهدف المواطن، ويُحمّل مسؤولية أمور لا تقترن بأفعاله، تنتشر الصورة النمطية عن أخطاء يتسبب بها حاشية لمصلحة هذا النظام الفاسد بجذوره وبثماره، ينتشر عملاء هذه المؤسسة بين الناس لتذويب كل شيء قد يجني تأثيرًا سلبيًا على الفكرة الحاضنة الأساسية وهي فكرة اللون الذي لا يعترف بغيره.
تتعدد المحاكم بأنواعها وتكثر بهرجتها وترتفع سمعتها لتحسين صورتها الخارجية، بيد أنها تمثل محاكم عسكرية فاشية نازية شيوعية داعشية لا تقبل القسمة على أنصاف الحلول، والهدف منها قتل روح الناجعين من البشر الفارين من الضلال، وكبت حرية الفكر والتعبير وتقصّي كل حالات النقد ودحره مثنى وثلاث ورباع .
غالبًا السلطات التي تصر على تطبيق الديمقراطية وتثخن في مدحها وتبجيلها، غالبًا ما تكون منافقة بل تحرص في اتخاذ قراراتها على أن تكون نظامًا لسلطة قمعية، وفور اليوم الأول من الحُكم تبدأ بتجهيز وريثتها التي غالبًا تربطها بها قرابة الدم وحبل الفساد ذاته، حتى لا تخرج السلطة من بين يديها، فسلطات كهذه لا تقبل بأن يتحكم بها جهات من خارج القطيع، يحكُمها الشعار نفسه والولاء المطلق، لذا فهي غير كفيلة بأن تمْثل أمام الشعب في الحوارات والمناظرات، وتفضل إعطاء الشعب القرارات النهائية من قوائم الأسعار وأسماء النواب وترددات القنوات الوطنية، لأنها غير قادرة على البت فعليًا في قرار دونما دراسة ما مدى خطورة ذاك القرار على وجودها .
وفي تطورٍ مخيف فإن قدرة حزب اللون الواحد في التمويه والكذب كثيرًا ما تكون عالية، وما يعزز علو كعبها على الشارع غباء الشارع نفسه وقلة الإنارة فيه، ناهيك عن جهل الشعب لنص القانون بالعموم، إنها سلطات تنظِّم كل صغير وكبير لخدمة علمِها، تجند الإعلام لبث التفاؤل والرفاهية، وتبشر بالرخاء والازدهار للجميع، تهرع منظومتها الدعائية وحملاتها للعُملة بالتبشير حول أن شعب اللون الواحد هو أعظم شعب على وجه الأرض، مما طمأن الناس وجعلهم يضعون أموالهم في بنوك هذه السلطات ليوظفوا أجسادهم خلف المكاتب ساعات طويلة لخدمة مؤسساتها وخدمة السيولة في الأسواق. وفي المدارس الابتدائية يبدأ الطلبة بغناء النشيد الوطني نفسه سنة كاملة وإحياء نفس النص الإذاعي في الطابور الصباحي.
وكما قلنا فإن الولاء المطلق وتقديس أشخاص غير مقدسين لهو مآل يقوّض من حرية التعبير والنقد على حدٍ سواء، فأهل الفساد بارعون كل البراعة في تدشين أمر الحريات على أنها المآل الدائم بل ونراها تحرز تقدمًا ملحوظًا في الرياء، فتراها لا تقمع المظاهرات ولا تضرب الناس بل وتبتسم في وجه المنتقدين تبسم التفهم والاستيعاب، لكنها في الخفاء تشتري الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرها على النار .
The post وطن اللون الواحد appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست