الثلاثاء، 28 يونيو 2016

ثقفني اون لاين : المجتمعات الافتراضية.. رؤية وتحليل!

مدخل

إن من المضحك المبكي أن يتحول الواقع المحسوس من واقع إلى مجرد حوادث افتراضية، يتعامل معها الإنسان كشيء افتراضي لا وجود له، بينما يتعامل مع المجتمعات الافتراضية كواقع محسوس وملموس ومشاهد، منعزل هو على نفسه في قوقعته التي نسجها من خيالاته في غفلة من اليأس والضياع الذي ينهش أحلامه بلا رحمة، فتسأل أحدهم عن حادثة ما قد هزت الواقع من قسوتها فتجده واجمًا تائهًا ذائبًا يقول «ها ها» وكأنه خارجٌ لتوه من كهف مظلم أو بئر سحيق ولا يلام على ذلك فهو يائس مخدر هارب من واقعه الذي قد اختلطت فيه المفاهيم واضطربت فيه الحقائق فحل الهولوجرام محل الواقع فصرنا نعيش بداخل لعبة ثلاثية الأبعاد مهمتنا فيها أن نفاجأ بما يحدث من حولنا، بينما غيرنا يشارك في صناعة الحدث وبقوة.

المجتمعات الافتراضية – Virtual Communities

المجتمع الافتراضي هو عبارة عن شبكة اجتماعية لمجموعة من الأفراد الذين يتفاعلون فيما بينهم باستخدام وسيلة تواصل ما، متجاوزين كل الحواجز الجغرافية والسياسية سعيًا وراء الاهتمامات والأهداف المشتركة.

وقد حظيت المجتمعات الافتراضيّة بكثير من الاهتمام البحثي في الغرب، لكنّ معالجاتها في الوطن العربي تظلُّ رهينة الترجمة عن الفكر الغربي، فتبقى المصطلحات غريبة نافرة غير مستساغة من قبيل «المرقمن» و«الرقمنة» – في ترجمة digital وdigitalizatio – والنظريّة «السايبريّة» – في ترجمة مصطلح cybertheory – وتبقى الأنساق والأطر النظريّة غير قادرة على استيعاب مفردات الثقافة العربيّة الإسلاميّة

وظهر المصطلح – المجتمعات الافتراضيّة – في صورته الإنجليزية عنوانًا لكتاب هووارد راينجولد Rheingold (1993) ويعني جماعة من البشر تربطهم اهتمامات مشتركة، ولا تربطهم بالضرورة حدود جغرافيّة أو أواصر عرقيّة أو قبليّة أو سياسيّة أو دينيّة، يتفاعلون عبر وسائل الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي الحديثة، ويطوّرون فيما بينهم شروط الانتساب إلى الجماعة وقواعد الدخول والخروج وآليات التعامل والقواعد والأخلاقيات التي ينبغي مراعاتها. وبتعبير دي موور ووايجاند de Moor and Weigand (2007) المجتمع الافتراضي هو «نظام اجتماعي تكنولوجي».

وأوضح ساليب وديفولاس (Saleeb and Dafoulas)  أن المجتمع الافتراضي يشير إلى المحادثة والحوار المبني على الكمبيوتر، وهو يشير إلى أن الحوار مهما كان نوعه مبني على التفاعلية بين العديد من المتصلين والمستخدمين.

كما استخدم محمد محيي الدين مفهوم المجتمعات المتخيلة الافتراضية بوصفه استعارة تشير إلى تلك الأنماط المتمفصلة من العلاقات والأدوار والمعايير والنظم واللغات التي تطور بوساطة الأفراد خلال عمليات الاتصال المباشر على الخط.

المجتمعات الافتراضية هل هي واقع بديل؟!

يشير عدد من الباحثين إلى أنه بظهور الإنترنت كوسيط اتصالي أصبحنا نعيش في مجتمعين أو عالمين، أحدهما أطلق عليه «المجتمع الواقعي» أو «مجتمع خارج الإنترنت»، و هو المجتمع القائم على التواصل عبر الاتصال الشخصي بين الأفراد والآخر يطلق عليه «المجتمع الافتراضي»، أو «مجتمع الإنترنت»، وهو المجتمع القائم على التواصل بين الأفراد عن بعد عبر الإنترنت. وقد حاول عدد من الباحثين تحديد ماهية العلاقة بين هذين المجتمعين الواقعي والافتراضي، وكيف يمكن أن يؤثر كل مجتمع من هذين المجتمعين على الآخر، وقد انقسمت آراء الباحثين إلى ثلاثة آراء حول هذا الصدد، الرأي الأول: الذي يتبناه مجموعة من الباحثين أمثال «ايليكنز»، يرى أنه من الطبيعي مع هذا التطور التكنولوجي أن ينشأ المجتمع الافتراضي الذي يعتبر فرعًا صغيرًا من المجتمع الواقعي ولا يغني عنه. أما الرأي الثاني: الذي يتبناه مجموعة من الباحثين أمثال ألكسندر   Alexander، ولوكارد Locard ويرى أن انغماس الفرد في مجتمع الفرد يجعله أكثر بعدًا عن الآخرين في المجتمع الواقعي، ويجعله محصورًا مكانيًا في مكان تواجد الإنترنت، ويخلق نوعًا من الفردية مع ذاتهم عبر الإنترنت (Solitary Mode)، مما يجعل الأفراد أكثر تركيزًا مع ذاتهم عبر الإنترنت، ويصبح التواصل بين الأفراد مرتبطًا بالشخصية والذات أكثر من التواجد بالجسد. الرأي الثالث: الذي يتبناه باحثون أمثال ويليمان  Welman و  دامر  Damir ويرى أن المجتمع الواقعي، والمجتمع الافتراضي مجتمعان مكملان لبعضهما البعض، وهناك تفاعل واعتمادية بينهما، فالفرد يمكنه أن يتعرف على أشخاص جدد عبر الإنترنت، ويطور هذه العلاقات في المجتمع الواقعي، والعكس صحيح، حيث يساعد مجتمع الإنترنت في تقوية العلاقات بين الأفراد في المجتمع الواقعي.

ويفسر  البعض وجود هذه المجتمعات بفقدان القدرة على التواصل الحياتي عبر العلاقات الشخصية غير الرسمية…، كما قد يفسر بمحاولات البحث عن عوالم غامضة تفك الإنسان من قيود مجتمعه، إلى عوالم مجهولة يجد فيها ذاته وخصوصيته. كما أن هناك ثقافة خاصة يمارسها الأفراد داخل المجتمعات الافتراضية تحمل من الخصائص والسمات الفريدة ما جعل العاملين في العلوم الاجتماعية يطلقون عليها (ثقافة الإنترنت). حيث تخلصت هذه الثقافة من قيود الزمان والمكان، وقيود الجنس (ذكر – أنثى)، أو اللون، أوالفوارق الاجتماعية لتطلق يد الفرد في إقامة شبكة على نطاق واسع من العالم وهذا هو الجانب المشرق للظاهرة، أما الجانب السلبي فقد يكون الفرد عرضة للخداع، والتنكر، وإمكان استغلاله لأغراض غير مشروعة أو غير أخلاقية. ولقد أثبتت الأبحاث ان الأفراد الذين ينتمون إلى هذه المجتمعات لديهم أنظمة قيمية قد تكون مختلفة عن قيم المجتمع الحقيقي الذي يعيشون فيه، وهناك لغات مستحدثة تستخدم من قبل أعضاء مجتمع افتراضي معين، لغة مكونة من الحروف والأرقام الإنجليزية. ومن المشكلات الشائعة بين أفراد المجتمعات الافتراضية، هي حالة الإدمان على المجتمعات الافتراضية، فالبعض يرغب بالاستمرارية داخل مجتمعه الافتراضي حسب علاقاته أو واجباته في المجتمع الحقيقي.

في المجتمعات الافتراضية تتحقق عدد من الغايات الإنسانية التي  يوازيها في مجتمعاتنا الواقعية ما يشابهها فهل هذا يجعل من المجتمعات الافتراضية واقعا بديلا أم عالما موازيا؟!

من هذه الغايات

  • غايات دينيّة أخلاقيّة religious and moral، من خلال الدعوة وتبادل النصيحة والمواد الدينيّة المسموعة والمرئيّة والمكتوبة. على أن التمحيص واجب والحذر ضروري لأنّ الأفكار التي يتبادلها من يرتادون تلك الفضاءات الإلكترونيّة ليست بريئة من الهوى أو الغرض. لا بدّ أنّ كل من له بريد إلكتروني قد وصلته رسالة أو رسائل فيها أحاديث نبويّة أو أحاديث قدسيّة أو أدعية وفيها إلحاح على ضرورة إعادة إرسالها حتى ينال المرسل الأجر والثواب. هنا ينبغي الحذر فليس كل ما تحمل هذه الرسائل يصمد أمام الجرح والتعديل. بعض ما تحمل هذه الرسائل مستفزّ وبعضها فيه استخفاف بمُستَقبِلها – «انشرها إذا كنت مسلمًا» أو «إذا لم تنشرها فأنت لا تحب الرسول صلى الله عليه وسلم».
  • غايات تجاريّة commercial، من خلال التسويق والإعلان والترويج، ويصدق على هذه الغايات في المجتمعات الافتراضيّة ما يصدق عليها في الواقع من تحايل ومبالغة. تتراوح الغايات التجاريّة الافتراضيّة بين التجارة النظيفة البريئة وبين غسيل الأموال والاحتيال، حيث تمتلئ صناديق البريد الإلكتروني برسائل من دول إفريقية تعرض على المُستَقبِل المجهول أموالًا طائلة في مقابل مساعدة مرسليها في نقلها إلى حساباتهم. وهذا غيض من فيض صنوف الاحتيال الإلكتروني. وقد لفتت الظاهرة نظر كثير من الكتّاب، على سبيل المثال، البلوشي.
  • غايات سياسيّة political من خلال الدِّعاية والتحريض والتجييش. وقد عاين العالم العربي ما كان لمواقع التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك وتويتر من تأثير بالغ في انتقال الثورات من بلد عربي إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى. كذلك كانت صفحات المرشَّحين في انتخابات المجلس الوطني في الإمارات العربية المتّحدة وانتخابات مجلس الشعب في مصر (2011) على فيس بوك وتويتر أداة بالغة التأثير والأهمِّية.
  • غايات تعليميّة educational من خلال تبادل الأفكار والمواد التعليمية وتبادل الأخبار والمعلومات والخبرات. ليست مواقع التواصل الاجتماعي والمجتمعات الافتراضيّة شرًّا كلها بطبيعة الحال ما لم تغادر التثقيف والإثراء إلى التسخيف والإلهاء. هناك عدد متزايد من الدراسات والأبحاث التي تتناول مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها على التحصيل الدراسي بين طلاب وطالبات الجامعة. لم تتوصل تلك الدراسات إلى فروق نهائية أو حاسمة في الإنجاز والتحصيل الأكاديمي بين الطلاب الذين يستخدمون كتاب الوجوه وبين أولئك الذين لا يستخدمونه، غير أنَّ الدراسات تشير إلى أنَّ الطلاب الجامعيين يميلون إلى استخدام كتاب الوجوه وغيره من المواقع الاجتماعية لغايات اجتماعية على حساب استخدامها لغايات تعليمية وأنّ الطلاب والطالبات الذين يستخدمون كتاب الوجوه ينخرطون في النشاطات اللاصفيّة في كلِّياتهم وجامعاتهم أكثر ممن لا يستخدمونه.
  • غايات ترفيهيّة recreational من خلال تبادل الموسيقى والصور والمقاطع المصّورة وما إلى ذلك. وسوف نلاحظ في جزء لاحق من هذه الدراسة أنّ «الأصنام» والنجوم التي تسكن عالمنا الواقعي تظلّ تمارس نفوذها وتأثيرها في المجتمعات الافتراضيّة.
  • غايات أدبيّة literary/ aesthetic من خلال تبادل الكتابات الأدبية وتبادل الآراء حولها. لقد أتاحت المجتمعات الافتراضيّة فرصًا لا حصر لها لنشر الكتابات الأدبيّة التي تتراوح ما بين كتابات بالغة الرداءة وبين كتابات تستحق المتابعة والاحتفاء النقدي.
  • غايات نفسيّة اجتماعيّة social-pyschological خروجًا من العزلة وسعيا إلى بناء علاقات اجتماعية تشبع حاجات البشر بوصفهم كائنات اجتماعيّة. وسوف نلاحظ لاحقًا أنَّ مواقع التواصل الاجتماعي تتيح الفرصة لمن لا يجيدون التعامل مع الآخرين في الواقع لأنّها تجنبهم حرج التواصل وجها لوجه.

 

السؤال

هل تحقق مثل هذه الغايات يجعلها بديلًا عن هذا الواقع؟!

المجتمعات الافتراضية والمشاعر الإنسانية

إن الجمادات لا تحسن نقل المشاعر مثل ماهي بالواقع، فمشاعر الحزن والفرح والحنين والاشتياق والسعادة ومشاعرنا ككل تصبح حبيسة هذه الجمادات وإن انطلقت فهي إما ناقصة أو زائفة مشوهة، أنا لا أنكر ما تقدمه لنا هذه المجتمعات الافتراضية من تقارب وتواصل وتبادل للأفكار وتلاقح للرؤى، ولكن علينا أن نقترب أكثر ونتفهم بعضنا بعضًا وألا يقتصر التلاقي على كيبورد وشاشة أو على تعليق وإعجاب، بل اجعلوها الانطلاقة الكبرى.

المجتمعات الافتراضية تماما كالسوق

مثل ناقل الفكرة فيها أو حامل المعلومة لغيره كمثل التاجر يحسن عرض بضاعته فمن ساء ساءت بضاعته ومن فَسُد فسدت بضاعته، فمن حمل الخبيث دل ذلك على خبثه والعكس فأحسن النقل كما تحسن العرض كما تهتم بعرض الفكرة أحسن النقل وإن أشد أنواع الغش غش العقول وإن أقسى أنواع التجاهل تجاهل العقول بعرض كل غث وضحل فمن احترم عقلك عرض عليك النافع ومن عرض عليك كل غث وضحل فقد أهانك، وانظر يرعاك الله إلى التاجر الذي يغش الناس بإظهار ما ظاهره حسن وباطنه كل خبيث وهكذا يفعل البعض يأتيك بما ظاهره حسن وباطنه العذاب واعلم أن من أخسر الناس من أبعد ناصحيه وقرب مادحيه، كن جادا مترفعا ولا تكن هازلًا مائعًا كن أنت ليس غيرك في ثياب أنت.

وهمستي إليك

– المجتمعات الافتراضية كبحر إذا أردت أن تلجه فأبق رأسك خارجه حتى تستطيع أن تُبصر جيدًا ما حولك، فإنك إن انغمست فيه بكلك هلكت وإن قاومت للحظات.

– كن مشاركًا في صناعة الحدث لا تكن مجرد رد فعل لحدث صنعوه، بل كن الفعل لا تكن مفعولًا به.

– هناك من يستخدم هذه المجتمعات لإشعال فتنة أو لبحث خلف شهوة فلا تكن منهم كن جادًا، صاحب هدف، ولا تكن أنت الهدف.

ويمكن أن نلخص ما سبق أن المجتمعات الافتراضية هي اختزال للمجتمعات الحقيقة وسلب بعض غاياته وأنشطته، وكلما ازداد الواحد منا ولوجًا بها كلما ازداد انفصالًا عن الواقع المعاش وضعفًا في المشاركة الفعالة في مجتمعه، والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو مستقبل التفاعلات المجتمعية؟ هل ستتحول من لقاء يجمعنا إلى مجرد شبكة من العلاقات الافتراضية، وقد حدثني أحد طلابي بالمدرسة أن أسرته تتعامل عن طريق (واتساب) فالأب إذا ما أراد شيئًا أرسل رسالة لزوجته عبر واتساب وهكذا باقي الأسرة، ويقسم لي أن التحدث بينهم يكاد يكون منعدمًا، فهل مثل هذه الظاهرة هو قتل للعلاقات الإنسانية أم تعزيز لها في ظل حضارة جديدة متطورة.

The post المجتمعات الافتراضية.. رؤية وتحليل! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست