كنت قد بدأت في المقال السابق الحديث عن الإنسان العربي وهويته الضائعة خلف التبعية الثقافية، وعن بعض آثارها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، واليوم أستكمل ما بدأت، فهيا بنا أعزائي:
غسل الوجدان!
هل أوصلنا انبهارنا بالغرب إلى درجة أيقنا معها عجزنا عن أن نأتي بما أتوا أو أن ننجز ما أنجزوا من علم ونهضة، واكتفينا أن نمثل دورنا الثانوي على مسرح الحياة ماديين مستهلكين لا نقوى على أن ننتج أقل احتياجاتنا ونحقق منها الاكتفاء الذاتي، فأصبحنا نستورد كل شيء كما يقولون من )الإبرة إلى الصاروخ).
أرانا وقد أصبح السواد الأعظم منا مسوخًا تَابِعين دون أدنى تفكير أو فكرة عن ما نحن مقبلون على الإيمان به واعتناقه من أفكار الصالحة منها أو الطالحة، بل صار البعض منا يستحسن كل فكرة وعمل ينتهجه الغرب، يذكر الدكتور «عبد العظيم الديب» في كتابه (التبعية الثقافية.. وسائلها ومظاهرها): «وذات يوم كان نقاش حول الخرافة، وأثرها في المجتمعات البدائية، وخطورة الأمية وتحالفها مع الخرافة، ومال بنا الحديث يمينًا وشمالًا، فذكرت لصاحبي موقفًا تعرضتُ له بسبب الخرافة، حين ركبت الطائرة من ميوينج إلى لندن وأخطأت في الجلوس في الصف المحدد لي؛ لأني عدد الصفوف بيدي وأنا أسير بين المقاعد، ولم أنظر إلى أعلى لأقرأ الأرقام، حيث إن الطائرة أسقطت رقم 13 لأنه يجلب النحس عندهم!
فما راعني إلا صاحبي الدكتور وقد علت نبرته في الدفاع عن شركة الطيران، وأن هذا ليس خرافة، وإنما من باب )الظرافة) و)الفكاهة) و(إمتاع الراكب) إلى آخر ما قال وهنا أخذت الأمر على مأخذ الجد وقلت له:
إن كل أطفال الغرب باتوا ليلة رأس السنة وهم ينتظرون الهدايا التي سيأتي بها لهم القديس بابا نويل، ويضعها تحت شجرة عيد الميلاد، استجابة للرسائل التي أرسلوها إليه من قبل، والأدعية التي وجهوها إليه.
فإذا بصاحبنا يدافع عن هذه الخرافة، ويجعلها فكاهة، ومتعة، وبهجة، وسعادة، إلى آخر ما قال، فأيقنت أن كل ما يفعله الغرب هو الصواب بعينه، وأن غسل الوجدان قد يصل بالإنسان «أن يرى حسنًا ما ليس بالحسن».
نفس الأمر ينطبق على الثقافة الاستهلاكية التي تحكمها وتتحكم بها الأفكار التي نؤمن بها فصارت هي الآمر الناهي لرغباتنا المنساقة خلف كل ما هو جديد في العالم المادي، حتى صارت المادة عند السواد الأعظم منا إلا من رحم ربي صارت هي الغاية بعد أن كانت الوسيلة، فصار ينطبق علينا قول عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» لما رأى رجلًا في السوق يكثر من الشراء فتعجب من حاله واستنكر«أو كلما أشتهيت اشتريت!» فلله در عمر ماذا يقول على حالنا في هذا الزمان.
أما آن الأوان..
إنى لأتساءل متألمة، فلا ينكر عاقل أن ما نعيشه اليوم هو واقع أليم نتاج تخاذل سنين طويلة، تخاذل وخذلان لتراثنا وثقافتنا وركضنا خلف الغرب نجمع فتات فكره الذي خلفه أثناء صعوده القمة، فما زلنا مع كل الأسف إلى يومنا هذا في القاع نجمع فتاته ظنًا أننا بذلك نلحق بركب الحضارة ونرقى لمستوى البشر، ويحضرني في هذا الموقف كلام لفضيلة الأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب نقلًا عن كلام للدكتور حسن حنفي في كتابه (مقدمة في علم الاستغراب): « نريد أن نجعل الغرب موضوعًا للدراسة، موضوعًا للعلم بدلًا من أن يظل دائمًا مصدرًا للعلم، لقد تحرَّرنا من الاستعمار، ولكن ما زلنا نعتمد عليه في الغذاء والكساء وفي السلاح، وفي الثقافة والعلم، حان الآن الوقت بعد أن مضى قرنان من الزمان (200 سنة) حان الآن أن ننتقل نقلة كيفية، أى نجعل الغرب موضوعًا للدراسة، بدلًا من الاكتفاء بالنقل والترجمة عنه». (من كتاب التبعية الثقافية وسائلها ومظاهرها).
أما آن الأوان لنحذو حذو القوم فيما فيه الخير لنا ولنهضة مجتمعنا العربي، محافظين على هويتنا العربية الأصيلة، نصونها ونحميها من كل دخيل ونَنْأى بها عن كل ما هو شائن معيب، أما آن لنا أن نُحيي تراثنا وننفض عنه غبار الزمن، ونصلح ما فعل إهمالنا به، أم إلى متى سنظل في غيبوبة التبعية العمياء؟!، فلنكن مُتَابِعين لا تَابِعين، ولنأخذ بزمام المبادرة؛ لنغير موقعنا من جملة العالم من المفعول إلى الفاعل، ولن يحدث هذا إلا إن تَبِعنا تراثنا ففيه ما يصلح حالنا، ويُعلى شأننا، فهل عَلا للغرب شأنٌ وارتفع لهم بناء إلا من بعد إطلاعهم على ذلك التراث الزاخر بالعلم والعلماء، فاستقوا منه وأخذوا وبنوا أسس حضارتهم التي يتشدقون بها الآن على ذلك التراث.
فيا ليت قومي يعلمون..
وفي الختام أترككم مع تصريحات الرئيس الفرنسي «ميتران» والتي عجبت لما قرأتها لأول مرة، غير مصدقة للحجم الذي وصلنا له من التبعية في حين أن شعبين من أبناء الدين الواحد أحدهما لا يقبل ثقافة الآخر لفسادها، أنقلها لكم كما ذكرها الدكتور «عبد العظيم الديب» في كتابه السابق ذكره، «لقد قال الرئيس الفرنسي ميتران: «إن السوق الأوروبية قد أقمناها من أجل حماية أوروبا من سموم الثقافة الأمريكية، ومن خطر الاختراعات اليابانية.
وكما أن هناك هواءً ملوثًا، وماء ملوثًا، فالجو الأوروبي ملوث بالثقافة الأمريكية، بالتلفزيون الأمريكي.
ولا بد من الوقوف والمواجهة والصمود… يجب أن ننقذ الإنسان الأوروبي من الانتحار الثقافي والعلمي».
وفي خبر أذاعه راديو صوت أمريكا في سنة 1990م، أن الرئيس (ميتران) انزعج انزعاجًا شديدًا، عندما علم ذات يوم بأن نسبة البرامج الأمريكية التي تُبَثُّ عبر التلفزيون الفرنسي تُمَثِل1:3)) من البرامج الفرنسية، الأمر الذي دعا الرئيس الفرنسي إلى المسارعة باعتماد مبلغ يزيد على ثلاثمائة مليون دولار أمريكي؛ للعمل على عكس هذه النسبة لصالح البرامج الفرنسية خلال خمس سنوات.
ونشرت الأهرام في 1992/4/25م تحقيقًا من باريس تحت عناوين منها: (الفرنسيون يشكون من غزو أمريكي)، (أمريكا قادمة في ثياب ميكى ماوس)، (أول مواجهة ثقافية بعد انتهاء الحرب الباردة)، وكان ذلك بمناسبة افتتاح مدينة ملهى على الطراز الأمريكي.
هذا مع أن الثقافتين الأمريكية والفرنسية من أسرة واحدة.
The post الإنسان العربي وأزمة الهوية (2) appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست