كنت قد كتبت سابقًا مقالًا بعنوان «جريمة شغف» أشرت بأصابع الاتهام العشرة إلى صاحب كل حلم قتل حلمه، وإلى صاحب كل هدف تخلى عن هدفه، وإلى كل شخص ترك حياته لغيره كي يقرر عنه ويخطط له حياته أيًّا كان هذا الشخص.
إلا أنه ومن تجربتي الشخصية البسيطة، لا أستطيع أن أشير بأصابع الاتهام العشرة إلى صاحب كل حلم تخلى عنه، أو قتله، إنني وإن أردت أن أنصفه فعلًا، فسأشير بخمسة أصابع إليه، أما الخمسة الأخرى فستتقسم على غيره.
جزء من أصابع الاتهام سأوجهها إلى المجتمع، مجتمعنا العربي الذي ما زال ينتقص من أي فكرة وليدة، وما زال يقلل من أهمية أي شاب أو فتاة يكوّن حلمه بنفسه، وما زال في الوقت ذاته يرفع القبعة احترامًا لأي مشروع أو مبادرة مهما كانت صغيرة أو حتى «تافهة» إن كانت قادمة من دول الغرب.
كم أصبع من الخمسة المتبقية سأوجهها للمجتمع؟ لا أكاد أعلم الإجابة. إلا أنني أدرك جيدًا أن مجتمعنا قاتل الأحلام، ومغتصب الهمم.
يقوم بهذه الجرائم الكبرى التي لا يحاسب عليها القانون ثم يقول «لماذا لا نتطور؟» و«لماذا لا نتقدم؟»، يطعن بخنجر مسموم كل شاب أو فتاة حملوا حلمًا وقاتلوا من أجله، قد لا تكون هذه الطعنة قوية بالحد الذي يقتلهم، وقد تكون هناك أصابع أخرى متبقية إما تنقذهم وإما تقتلهم.
لن أوجّه أصابع الاتهام إلى الأهل هذه المرة، فهم وإن كانوا قد قتلوا حلمًا لدى ابنهم إلا أنهم وفي الأغلب إن رأوا منه سعادة أو نجاحًا فسيقفون بجانبه. ثلاثة أصابع من هذه الخمسة سأوجهها لكل مسؤول، ولكل مدير. لكل شخص وقعت بيده ورقة فخط عليها قائلًا «لا أوافق». لكل من كان بيده القرار ليوافق أن تنجح فكرة فاختار الرفض.
كثيرة هي الأفكار الشبابية، كبيرة بحجم السماء التي ننظر إليها كل صباح، لكن! كم واحدة منها حُكم عليها بالإعدام في شهورها الأولى، كم فكرة أو مشروع قيل لها قفي في آخر الكهف المظلم فلا مكان لك في فوهة الكهف التي تحمل بصيصًا من أمل أو قليلًا من شعاع.
كثير من المسؤولين يحملون شعارات تدعم الشباب وتدعم الأوطان، تدعم النجاح، وتنادي للهمة والعزيمة، تفتخر بسواعد شبابها وتناديهم في كل آن وحين، لكن ما أن يحين وقت الجد حتى ترمي بكل الشعارات تلك أرضًا، وتنساها. يكشّرون عن أنيابهم، ويضعون على جبهتهم رقم «88» ويمضون.
ثم ننادي لماذا الشباب يختار الهجرة؟ لماذا إحدى الدول الأجنبية القريبة منا بدأت تستقطب الشباب وحتى الفتيات للدراسة والعمل، وما أن يصلها حتى كأن طاقة الفرج والنجاح تحققت.
الجواب ببساطة، لأنك سيادة المسؤول لم تنظر لذاك الشاب أو الفتاة على أنهم أبناؤك، أو أنهم جزء من مسؤوليتك، نجاحهم من نجاح مسؤوليتك، وتقدمهم لوطنهم وبوطنهم شيء يضاف لقائمة إنجازاتك.
علمتني الأيام أن «جريمة الشغف» هي أصعب أنواع الجرائم وأقساها، وأشدها عقوبة لأنها تحكم على مرتكبها بالموت حيًّا.
لكن، علمتني أيضًا أنها ليست بيد شخص واحد، ليست بيد ذاك الذي هاجمته سابقًا وحده، قد لا يكون أمامه إلا أن يختار أن يجرم بحق نفسه، ويقتل شغفه، لأن الكون كله وقف ضده، وخذله بدلًا من أن ينصفه، وكسره بدلًا من أن يقوّمه.
أحاول أن أعبر أكثر لكنني لا أجد الكلمات المناسبة، فمن خذل ابن بلده، سواء كان المجتمع أم المسؤول، لا أعتقد أن كلماتي ستؤثر فيه، لا أعتقد أنها ستشكل له رعبًا. لكن فليدرك كلاهما أن الرعب الحقيقي هو إن اختزل صاحب الحلم حقده وكرهه في قلبه، حينها لن يرحم وطنه ولا أهله ولا مجتمعه.
The post جريمة شغف (2) appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست