الأربعاء، 27 أبريل 2016

ثقفني اون لاين : «مي فتيحة».. البوعزيزية المغربية!

«الحݣرة»* هي القطرة التي أفاضت الكأس بتونس  سنة 2010، وهي حجر الأساس الذي دشن لربيع عربي بلغ من العمر عتيًّا بعد 5 سنوات من التمردات والانتفاضات والانتكاسات، وأيضًا من الأمل الذي -ربما- ما زال قائمًا لدى الشعوب الثائرة بغد أفضل يضمن حياة كريمة على الأقل إن لم يكن لهم فللأجيال القادمة.

مشهد البوعزيزي الشاب الذي اختار النار لجسده على المهانة التي كانت تطارده في كل مكان كان أكثر من كافٍ ليُحَرك فطرة الكرامة عند الملايين وتنطلق شرارة ثورة الياسمين متخطية حدود تونس، لتفتح كوة أمل في سياج شوكي أحاط بنا لعقود، وتطرد الخوف من قلوب الشعوب، وتزرعه في قصور الحكام والملوك.

«البوعزيزية» الظاهرة لم يكُن من السهل إيقافها بعد أن اتخذ منها كثيرون من بعد «طارق» تقليدًا وشكلًا قاسيًا من أشكال الاحتجاج، تكرر في أكثر من مشهد مأساوي لشاب عاطل ولرجل مظلوم وآخر مقموع، غير أن هذه المرة كان السيناريو بمدينة القنيطرة المغربية أكثر تطابقـًا لما حصل بسيدي بوزيد التونسية باستثناء أن المعن بالأمر هذه المرة امرأة.

«فتيحة» أو «أمي فتيحة» كما كان يحلو لمعارفها مناداتها، وكما اختار أن يسميها كل من اطلع على قضيتها، أرملة في الأربعينيات من عمرها، تسكن أحد الأحياء الهامشية بالقنيطرة، اختارت بعد وفاة زوجها ألا تنتظر يد تحسن إليها، ولا دولة تأخذ لا تعطي، ولا أن تموت جوعًا، بل قررت أن ترعى أباها المكفوف وابنتها الوحيدة بعرق جبينها، اشتغلت وانتقلت في البداية بين مهن مختلفة إلى أن استقرت على تحضير بعض أنواع الحلويات الشعبية في منزلها وتعرضها للبيع على عربتها بشوارع المدينة وأحيائها، فاستطاعت بعملها هذا أن تكسب قوت يومها، وتضمن دخلًا لها رغم هزالتِهِ إلا أنه على الأقل يَسُدُ حاجيات أسرتها الصغيرة.

كغيرها من الباعة المتجولين المنتشرين على هوامش الأسواق وفي الأزقة لم تكن تسلم «فتيحة» هي الأخرى من الحملات التي تشنها القوات المساعدة بين الفينة والأخرى في شكل مطاردات وملاحقات أسوأ ما قد تنتهي به حجر على السلع التي يرتزق بها هؤلاء الباعة، حتى أضحى الأمر عند عديد منهم اعتياديًا واحتمالًا يَضعونُه نصب أعينهم طوال الوقت وتَجِدهُم في حالة تأهب دائمة.

ما حصل يوم السبت -9 أبريل- كان في بدايته عاديًا كسائر الأيام قبل أن تتطور الأمور بسبب حجز اثنين من أعوان السلطة لما كانت تملك «فتيحة» من حلويات، تلاها سلبها المال الذي كان بحوزتها،  لكن ذلك لم يزد إلا من إصرارها على استعادة ما سلب منها، ومعه زاد بطش المسؤولين في جعلها عرضة لمختلف أساليب الإهانة الحاطة للكرامة أمام جموع الناس، الذين أفادوا أنها تعرضت للصفع والضرب من طرف القائد بعد أن التحق بقواتهِ.

استمر تجبر وتسلط المسؤولين في حق فتيحة حتى أضرمت نيران الغيظ في قلبها، وبدأت ترى حقها وأملها في حياة كريمة يضيع وينهار أمامها، حتى وصلت إلى حالة إغلاق فقدت فيها الراحلة نفسها وحرية إرادتها لتقرر بكل بساطة أن تنهي هذا الكابوس من الظلم المستمر بمشهد مفزع  معه أنهت حياتها بعد يومين من المعاناة.

 

«مي فتيحة» قبل أن تكتوي بلهيب النيران اكتوت بلهيب الظلم، بلهيب «الحݣرة»، بلهيب الشطط في استعمال السلطة، بلهيب الحرمان والحاجة والفقر، بلهيب الذل الذي عاشته وسط دور الصفيح التي لم تستطيع الخروج من غياهبه إلا بشق الأنفس، ربما هي لم تكن تعلم أن من فصول الدستور الذي صوتت عليه ما يجرم ويمقت معاناتها ويضمن لها العيش الكريم، لكنها كانت على يقين بأن لها حقًّا في هذا الوطن ستصله يومًا ما وكفاحها لخير قائل بذلك.

«مي فتيحة» موجودة في كل مدينة، وفي كل حي، وفي كل زنقة، وما مُورسَ عليها من ظلم وتسلط هو أضعفُ ما يُمارسُ على غيرها من البسطاء الساعين وراء لقمة الحياة في ربوع هذا الوطن، مع أنهم لا يسعون إلى جاه، ولا إلى مال يغنيهم، أقصى أمانيهم قوت يضمنون به حياتهم وحياة ذويهم وكرامة أهدرت على يد من وُجدوا في الأصل لحمايتها!

وما الحادثة إلا مناسبة جديدة لطرح عدد لا متناهي من الأسئلة المتراكمة، هل هذا هو مغرب الاستثناء الذي صدع به بنكران رؤوسنا؟ وأين رئيس الحكومة هذا الذي لم يحرك ساكنـًا هو وحكومته أم أنه «مَفرسوشْ»؟ هل هذا هو المفهوم الجديد للسلطة؟ أم أنها بداية العودة إلى زمن «جنان الكرمة» وأعوان السلطة؟ وبعد كل هذا أين هم أولئك الحقوقيون وجمعياتهم وأولئك المناضلون ونضالاتهم أم أن عملهم يقتصر على المرأة ومعايير لباسها؟

ومن المفارقات التي لا تجتمع إلا عندنا أن «فتيحة» كانت من بين النساء اللاتي شاركن مؤخرًا في مسيرة الرباط، التي أتت للرد والاحتجاج على تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة «بان كيمون» غير المحايدة بخصوص قضية الصحراء، وما الغرابة إلا في كون من دق باب الراحلة وطلب منها تلبية نداء الداخلية هم أنفسهم رجال السلطة وأعوانهم ممن اعتدوا عليها!

—————–

*الحكرة: التعرض للظلم والتسلط

The post «مي فتيحة».. البوعزيزية المغربية! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست