الخميس، 28 أبريل 2016

ثقفني اون لاين : بيرني ساندرز والقضية الفلسطينية: على غير خطى اللوبي الإسرائيلي (الجزء 1)

«أوليس بيرني ساندرز مؤيدًا للصهيونية؟». هكذا علّق أحد الأصدقاء، مستفسرًا، على محتوى نُشر على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) أشار إلى بعض أوجه الشبه – رغم الاختلافات الجوهرية والهائلة – بين الحالة التي أحدثها ترشح بيرني ساندرز، أحد مرشحي الحزب الديموقراطي للرئاسة الأمريكية، بين صفوف الشباب الأمريكي منذ تدشين حملته الانتخابية في مايو 2015، وتلك الحالة التي أحدثها محمد البرادعي، المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة النووية، بين أوساط الشباب المصري، لفترة، عند عودته إلى مصر في فبراير 2010.

كلاهما، كما يرى البعض، سياسي كهل، ظهر على الساحة السياسية في بلاده بشكل مفاجئ من اللامكان. كلاهما أشعل حماس قطاعات واسعة من الشباب وصغار السن. كلاهما دعا إلى تغييرات سياسية جذرية تعزز الممارسة الديموقراطية وتعيد توزيع الثروة وترد الحقوق وتطلق الحريات. كلاهما بشّر بالتغيير السلمي وحث الجماهير على الالتحاق بركبه. وكلاهما تعرّض، ولا يزال، لتغطية إعلامية غير نزيهة وسلبية في مجملها.

بعيدًا عن هذا التناظر، يبقى التعليق الذي جاء في صيغة سؤال عن موقف بيرني ساندرز من الصهيونية ملحًا ودالًا. ليس فقط لأن الأمة العربية وبالأخص الوطن الفلسطيني قد أكتوى، ولا يزال، بجرائم تلك الحركة الاستعمارية التي احتلت الأرض وقتلت الإنسان. لكن لأنه رغم كونه استفهامًا هامًا ومشروعًا إلا أن طبيعته الاختزالية وصياغته المغلقة لا تفسح المجال للإجابات التفصيلية أو المركبة القائمة على تفاصيل متنوعة ومعلومات دقيقة ووجهات نظر متعددة. تلك الإجابات غير السطحية وحدها هي ما سيقودنا إلى طرح أسئلة أكثر واقعية وأهمية ليس لفلسطين وحدها بل للأمة العربية على اتساعها. كالسؤال عن ماهية الطريقة التي سيتعاطى بها الرئيس ساندرز مع فلسطين والاحتلال الإسرائيلي لأراضيها؟ أو كيف يرى هذا الرئيس المحتمل طبيعة الدور الأمريكي في العالم والشرق الأوسط على وجه التحديد؟

ومع ذلك، لا يمكن لأحد الزعم بقدرته على القطع بالكيفية التي ستتعامل بها إدارة أمريكية يرأسها يهودي – وهو أمر غير مسبوق في التاريخ – مع فلسطين، لذا غاية ما يطمح إليه هذا التقرير هو محاولة تقديم رصد شامل، على درجة غير قليلة من الدقة والتفصيل وتنوع المصادر، لعلاقة بيرني ساندرز بالقضية الفلسطينية. وذلك في سياق لا يغفل دور المرشحة المنافسة فيما يتعلق بذات القضية، ويأخذ بعين الاعتبار طبيعة النظام السياسي الأمريكي ونفوذ اللوبي الإسرائيلي داخله.

بين تراث يهودي وتجربة شيوعية-  صهيونية

ولد بيرني (بيرنارد) ساندرز في عام 1941، في مدينة نيويورك، لأبوين يهود من أصل بولندي. فقد هاجر إلياس ساندرز، والد بيرني، إلى الولايات المتحدة وهو في السابعة عشر من عمره هربًا من المصير الذي أودى بحياة بعض أفراد عائلته على أيدي النازيين إبان الحرب العالمية الثانية في أوروبا. عندما سؤل ساندرز في إحدى المناظرات الانتخابية عما إذا كان يتجنب الحديث عن ديانته، أجاب بأنه «فخور للغاية كونه يهودي» وأن «يهوديته تمثل ملمحًا مهمًا مما أصبح عليه كإنسان»، لاري ساندرز، الأكاديمي والسياسي البريطاني والشقيق الأكبر لبيرني، أشار إلى أنه وأخيه لم يتشككا أبدًا عندما كانا صغيرين في كونهما يهوديان. على الجانب الآخر، يؤكد ساندرز أنه «غير ممارس لأي شعائر دينية» وأن إيمانه بالله «ليس بالضرورة تقليديًا» كما تقتضي اليهودية.

حياة بيرني وممارساته تدفع كذلك بأنه غير متدين أو أن يهوديته لا تعدو كونها – كما وصفها بنفسه – رافدًا ثقافيًا وأخلاقيًا ساهم في تشكيل شخصيته. في يوم رأس السنة العبرية، والذي يعتبره معظم اليهود يومًا مقدسًا للصلاة والاحتفال، فضل بيرني أن يواصل حملته الانتخابية بجامعة الحرية المسيحية بولاية فيرجينيا. ولعل إجابة ساندرز هذه، والتي كررها في أكثر من لقاء ومناظرة، تشي بطبيعة عقيدته الروحية؛ «أنا أؤمن بما يدعو إليه جوهر المسيحية والإسلام واليهودية والبوذية وهو أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك. ما آمنت به طوال حياتي هو أن على الجميع التآخي والتضامن. يجب أن نشعر بالأطفال الجوعى والعجائز بلا مأوى. عندما نفعل الصواب تجاه غيرنا، وعندما نعامل الناس باحترام وكرامة، فأننا نصير بذلك أكثر إنسانية. هذا ديني وهذا ما أؤمن به». لذلك، لم يكن مستغربًا أن يصف البعض بيرني بأنه المرشح الأكثر مسيحيةً في التاريخ.

في كل الأحوال بقيت إجابة المرشح الرئاسي عن يهوديته مباشرة وسريعة وواضحة. اختلف ذلك تمامًا عندما تغير السؤال، في مقابلة مع عِذرا كلاين من موقع ڤوكث الإخباري، إلى «هل ترى في نفسك صهيونيًا؟». لم يجب بيرني مباشرة بل سأل – بشيء من الدهشة – «صهيوني؟! ما معنى ذلك؟ هل لك أن تُعرّف هذه الكلمة؟» وذلك قبل أن يرد بالإيجاب على السؤال الذي صاغه بطريقة مختلفة ليصبح «هل يعتقد أن لإسرائيل الحق في الوجود؟». وأعقب ساندرز ذلك مباشرة بأنه كذلك يعتقد أن على الولايات المتحدة أن تكون وسيطًا عادلًا في التعامل مع الفلسطينيين. ورغم أن كلمة صهيوني لا تحمل في الغرب، وبخاصة بين اليهود، ذات الدلالات الكريهة ومعاني الخسة والانحطاط التي تحملها بين العرب والمسلمين، إلا أن تردد ساندرز في الإجابة على السؤال لربما كان نابعًا من قلقه أن يُفهم رده المباشر بالإيجاب على أنه موافقة على الممارسات اليمينية المتطرفة للحكومة الإسرائيلية الحالية وحلفائها الأصوليين الدينيين والتي صارت، لدى كثيرين، مرادفًا للصهيونية.

يفخر ساندرز بأنه المرشح الذي تربطه علاقات شخصية بإسرائيل وأن له أقارب يعيشون هناك. إلا أن بعض تفاصيل تلك العلاقات يشوبه الغموض والتعقيد أيضًا. فمن المعروف أن بيرني، في العشرينيات من عمره، قد زار فلسطين التاريخية – إسرائيل – لعدة أشهر بين عامي 1963 و1964، وعاش في أحد الكيبوتزات المحلية التي كانت، للبعض آنذاك، تجسيدًا عمليًا للحياة على الطريقة الشيوعية. لكن بيرني وحملته الانتخابية قد رفضوا باستمرار الإفصاح عن اسم هذا الكيبوتز أو مكانه. الأمر الذي دفع بجرائد يهودية مثل فوروارد وإسرائيلية مثل جيروزاليم بوست وهاآريتس إلى البحث المحموم خلف هذا اللغز. إلى أن عثرت الأخيرة في أرشيفها على ما كشف النقاب عن الكيبوتز الغامض. كان مقالًا قديمًا، نشر عام 1990، أفاد بأن ساندرز بعد قضائه عدة أشهر بكيبوتز بوابة الوديان «قد فقد اتصاله بإسرائيل والصهيونية واليهودية». في تعقيب لها على هذا الكشف، شنت مجلة فرانت بيدج، اليمينية المتطرفة والمعادية للإسلام، هجومًا حادًا على بيرني ساندرز ووصفت بوابة الوديان بأنه «كيبوتز ماركسي ستاليني» وزعمت أن أحد مؤسسيه، وهو آهارون كوهين، كان عروبيًا ومعارضًا لإسرائيل والذي قبض عليه، بحسب المجلة، في الخمسينيات من القرن الماضي بتهمة التجسس لصالح الاتحاد السوفيتي.

كانت زيارة الستينيات تلك هي المرة الأخيرة التي تطأ فيها قدم بيرني إسرائيل، لكن علاقتهما لم تنته. فقد كان الصراع العربي – الإسرائيلي، من آنٍ لآخر، حاضرًا في تصريحات وأنشطة السياسي الأمريكي والذي بدأ مشواره عمدةً لمدينة بيرلينجتون، بولاية فيرمونت، منذ 1981 وحتى عام 1989. ثم عضوًا بمجلس النواب منذ 1991 وحتى 2007، وعضوًا بمجلس الشيوخ منذ 2007 وحتى اليوم، ممثلًا لولاية فيرمونت في كلا المجلسين.

فلسطين في خطاب ساندرز وسياساته

منذ بداية سبعينيات القرن الماضي كان بيرني ساندرز عضوًا بحزب محلي بولاية فيرمونت يدعى حزب «اتحاد الحرية» والذي يعرِّفه موقعه على الإنترنت بأنه حزب قائم على مبادئ الاشتراكية واللاعنف. خاض بيرني مرشحًا للحزب 4 حملات انتخابية خسرها جميعًا، ليستقيل منه في 1977. يُنسب إلى بيتر دايموندستون – أحد مؤسسي الحزب – أن ساندرز أعلن خلال حملته الانتخابية الأولى في 1971 أنه يدعم «قطع الأسلحة عن إسرائيل». أورد أكثر من مصدر، مختلف الاتجاهات والانتماءات، هذه المعلومة لكن من دون ذكر السياق الذي يوضح أسباب ذلك التصريح. لكن تصريحات أخرى أدلى بها ساندرز ترجح أنه كان، يومًا ما، ناقدًا طلقًا لبعض سياسات وممارسات الكيان الصهيوني.

ففي عام 1988، خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وقت أن كان عمدةً مستقلًا لمدينة بيرلينجتون، انتقد بعنف جرائم الاحتلال الإسرائيلي من تكسير لأيدي وأرجل العرب وحصار وإغلاق البلدات الفلسطينية. كان سياق الحديث هو دعم بيرني للمرشح الديموقراطي للرئاسة آنذاك جيسي جاكسون. إلا أن ردود بيرني غير المتوقعة أثارت فضول الصحفيين فتابعوا توجيه الأسئلة للعمدة الذي واصل انتقاده لإسرائيل بعدما أدان كذلك ما وصفه بالخطاب العربي المتعصب الداعي لتدمير إسرائيل، وهو أحد الانتقادات النمطية المحفوظة للساسة الأمريكيين. وذلك قبل أن يختتم حديثه بدعوة الولايات المتحدة لـ «قطع الأسلحة عن دول الشرق الأوسط» إذا لم يجلسوا سويًا للحوار والتفاوض. لم يستثنِ بيرني إسرائيل من ذلك.

ورغم أن بيرني لم يكن أول الداعين إلى إقامة وطن فلسطيني إلا أنه قد تبنى تلك الفكرة منذ 1990 في زمان كانت لا تزال إقامة دولة للفلسطينيين أطروحة مثيرة للجدل وربما غير مقبولة في الأوساط السياسية الأمريكية. في السنوات التالية، سجَّل تاريخ بيرني التصويتي في الكونجرس الأمريكي له ظهورًا معارضًا لإسرائيل. ففي عام 1991، صوت بيرني لصالح تعطيل 82.5 مليون دولار من المعونة الأمريكية لإسرائيل، إذا لم تلتزم الأخيرة بتجميد نشاطها الاستيطاني في الضفة وغزة. وخلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، في 2001، كان بيرني ساندرز النائب اليهودي الوحيد الذي لم يؤيد مشروع قرار يُلقي باللائمة على العنف الفلسطيني في تأجيج الأحداث! وفي 2004، صوت ضد مشروع قانون يدعم بناء جدار الفصل العنصري الإسرائيلي، والذي اعتبرته محكمة العدل الدولية جدارًا «غير مشروع». وكذلك، في 2014، رفض – ضمن 21 سيناتور آخرين – التوقيع على مشروع قرار يعلن الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل خلال حربها على غزة.

ذلك كان جانبًا مشرقًا من تاريخ بيرني ساندرز، لكنه ليس الوحيد. فقد كان الرجل مناصرًا ومدافعًا عن إسرائيل كذلك في بعض الأحيان. لكنها كانت اللحظات التي يظهر فيها، بحسب رأي البعض، وكأنه يدافع عن شيء لأنه مضطر لذلك. وكان أبرزها في 2014، عندما صرخ في أحد منتقديه من معارضي اسرائيل ليصمت وإلا استدعى له البوليس. وكان ذلك عندما حاول، ضمنيًا، توجيه اللوم إلى قذائف حماس على إسرائيل. وذلك رغم أنه أدان الهجمات الإسرائيلية على أبنية الأمم المتحدة وأبدى حزنه لسقوط ضحايا من المدنيين. ساندرز، كذلك، كان دائم الحديث عن حق إسرائيل في الوجود وحقها في الدفاع عن نفسها ضد أي تهديد.

The post بيرني ساندرز والقضية الفلسطينية: على غير خطى اللوبي الإسرائيلي (الجزء 1) appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست