الأحد، 3 يناير 2016

ثقفني اون لاين : كيف نجحت الدولة العثمانية في الانتشار والقوة في شرق أوروبا وفشل المسلمون في الحفاظ على الأندلس (1)

سوف نتكلم خلال جزئين عن معركتي فتح القسطنطينية التي فتح خلالها السلطان محمد سلطان الدولة العثمانية القسطنطينية خلال عام 1453 ونتائج تلك المعركة على قوة الدولة الإسلامية وانتشارها في أوروبا والمشرق العربي الإسلامي وإفريقيا وآسيا.

وفي الجزء الثاني سوف نتكلم عن كيف سقطت الأندلس من السيطرة الإسلامية على يد ملوك الاسبان والبرتغال عام 1492 بعد هزيمة ملك قشتالة مملكة بني الأحمر بآخر معاقل المسلمين بغرناطة.

فشتان الفارق بين معركتين وقعتا في حقبة واحدة من التاريخ الإسلامي والغربي وبنيت عليهما تحولات ضخمة وشديدة في التاريخ الاقتصادي والتنموي والعسكري العالمي.

فمعركة فتح القسطنطينية التي وقعت عام 1453 ميلاديًّا، والتي انتصر خلالها السلطان محمد الفاتح على جيوش الإمبراطورية الرومانية، وخلالها فتح المسلمون الأتراك مدينة القسطنطينية عاصمة دولة الروم، والتي تم تغيير اسمها فيما بعد إلى إسلام بول، ثم إسطانبول، والتي تم بعدها تحولات خطيرة من بينها، تحول الدولة العثمانية إلى إمبراطورية عظيمة بعد فتحها لعدد كبير من إمارات شرق أوروبا وإمارات البلقان، بل واتجهوا إلى دول وسط أوروبا حتى فيينا وجنوبًا دول العراق والشام والأردن ومصر والسودان واليمن وشبة الجزيرة العربية ودول عديدة في قارة آسيا، حتى أصبحت أكبر إمبراطورية في القرن السادس عشر هي الإمبراطورية العثمانية، وذلك كان نتيجة حتمية لفتح القسطنطينية، تم على إثرها تطور كبير في فنون القتال والزراعة والصناعة والتجارة والعلوم وظلت الدولة العثمانية قائمة على أثر فتح القسطنطينية حتى أصابها الوهن والضعف مع نهاية القرن الثامن عشر مع بدء الحملات الفرنسية والإنجليزية لاحتلال دول وممالك الدولة العثمانية، حتى تم القضاء على الدولة العثمانية عام 1924 ميلاديًّا، وأعقبها إعدام السلطان العثماني آخر سلاطين الدولة العثمانية على يد أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية.

وفي الاتجاه الآخر ومع ظهور قوة الدولة العثمانية والدولة الإسلامية في الشرق الأوروبي، أصاب الدولة الإسلامية في غرب أوروبا “الأندلس أو شبة جزيرة أيبريا” الضعف والهوان، وجمعت القوات الإسبانية نفسها واستطاعت أن تهزم دولة الموحدين ثم تم هزيمة بني الأحمر في آخر معاقلهم “غرناطة” في الأندلس أو شبه جزيرة أيبريا “عام 1492 وأعقب ذلك أن تحولت ممالك الإسبان والبرتغال، التي كانت خاضعة تحت الحكم الإسلامي العربي لأكثر من 7 قرون إلى مملكتين عظيمتين عقب هزيمتهم لدولة الموحدين الوريث لمملكة الأندلس، تم خلالها تأسيس إمبراطوريتين كبيرتين، تمكنوا خلالها من تأسيس قوة اقتصادية وتجارية وعسكرية كبيرة خلال القرن الخامس عشر، تمكنوا خلالها من اكتشاف طريق جديد للتجارة العالمية (وهو طريق رأس الرجاء الصالح، جنوب قارة إفريقيا) والذي غير مفهوم التجارة العالمية تمامًا خلال تلك الفترة من الزمان.

كما تمكن الإسبان والبرتغاليون من اكتشاف قارتي أمريكا الجنوبية والشمالية وقارة أستراليا من خلال تمويل مملكة إسبانيا لكريستوفر كلومبز لرحلتة لاكتشاف العالم الآخر.

ولذلك نجد أنه رغم قوة الدولة العثمانية الإسلامية في الشرق الأوروبي إلا أن ممالك الإسبان والبرتغال لم تستطع مواجهته نظرًا لانشغالهم بمعاركهم مع مملكة الموحدين بالأندلس، وكانت تلك هي معركتهم الأهم لاسترداد الأندلس، حسب مفهومهم، من المسلمين العرب.

كما لم يستطع المسلمون العثمانيون نجدة أشقائهم بدولة الموحدين في مملكة الأندلس نظرًا لانشغالهم بحروبهم مع ممالك الغرب في شرق أوروبا ودولة الصفويين في إيران جنوب الدولة العثمانية بالإضافة إلى حروبهم مع ممالك روسيا لأكثر من 5 قرون شمال الدولة العثمانية، إلا أن الأسطول البحري العثماني قام منذ عام 1500 ميلادي بعدد من الغزوات ضد ممالك الإسبان والفرنسيين والإنجليز والإيطاليين، وفتحوا مدينة قرطبة ولكن الإسبان أعادوها مرة أخرى، ووصل المقاتلون العثمانيون والمجهادون شمال إفريقيا إلى أيرلندا وإنجلترا، ولكنهم لم يستمروا، ظلوا يحاولون استرجاع الأندلس أكثر من مائتي عام بعد ضياعها.

وهنا نجد أنه دائما لا قوة مطلقة بالكون، فدائما توجد دول قوية وإمبراطوريات قوية تخاف بعضها، وظلت الدولة العثمانية قوية مترامية الأطراف، حتى ظهرت قوتان أخرتان، هما فرنسا وإنجلترا واللتان حكمتا العالم على أنقاض الدولة العثمانية وممالك الإسبان والبرتغال في قارات آسيا وإفريقيا والأمريكتين، منذ نهاية القرن الثامن عشر، وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية.

ولذلك سوف نسرد ملامح المعركتين الفاصلتين لتكوين الإمبراطورية العثمانية، ومعارك خسارة المسلمين للأندلس، وتكوين قوة ممالك الإسبان والبرتغال.

القسطنطينية

كانت القسطنطينية عاصمة الدولة الرومانية الشرقية التي تعتبر من أقوى وأكبر الإمبراطوريات التي ظهرت في شرق وغرب أوروبا، وغرب آسيا وشمال إفريقيا. مؤسس هذه المدينة هو قسطنطين الكبير عام 330م، وأطلق عليها اسم روما الجديدة، وقد بنيت على مضيق البسفور عند نقطة التقاء قارة آسيا بقارة أوروبا، وللمدينة شكل مثلث، وهي محاطة بالبحر من ثلاث جهات: بحر مرمرة (جنوب-شرق)، البسفور (شمال-شرق)، القرن الذهبي (شمال). وأحاطها قسطنطين بسور ضخم جدًا من جهة الغرب، يتكون من أربعة حواجز وهي: 1- الخندق. 2-المتراس. 3-السور الخارجي. 4-السور الداخلي.،

كما أن المدينة ألحق بها سور كبير أيضًا يحيط بها من جهات البحر الثلاثة، وكانت للمدينة عدة بوابات على امتداد السور. يتوج فتح القسطنطينية إنجازات السلطان محمد الثاني والجيش العثماني، بل يبدأ عهده بهذا الفتح الذي منحه لقب محمد الفاتح في التاريخ.

وكان فتح هذه العاصمة الرومانية العتيدة هدف المسلمين منذ العهد الأموي، ثم غاية العثمانيين منذ أن عبروا بحر مرمرة إلى الشاطئ الأوروبي.

حيث ظلت القسطنطينية عاصمة الروم منذ أن قبل الأباطرة الروم الدخول في تبعية العثمانيين في عهد مراد الأول، وبعد معركة ماريتزا الفاصلة في 1371 م على وجه التحديد، بيد أن بعض هؤلاء الأباطرة ظلوا يكيدون للعثمانيين بتأليب الدول النصرانية والبابا عليها آنًا، وبإغراء أمراء قرمان في الأناضول الجنوبي بالثورة على الحكم العثماني آنًا آخر.

وقد بشر الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – أمته بفتح القسطنطينية، فقال: “لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش”، رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده.

 

فتح القسطنطينية

كما أنهم كانوا يحمون بعض الأمراء العثمانيين الفارين إليهم، ويحرضون هؤلاء الأدعياء في العرش العثماني على إثارة القلاقل في وجه السلاطين العثمانيين، أو يتلاعبون مع بعض هؤلاء السلاطين بمطالبة الأموال لقاء الاحتفاظ بهؤلاء الأدعياء.

وكان مراد الثاني والد الفاتح قد قرر إزاء هذه المؤامرات أن ينهي هذه المشكلة في أول عهده، فحاصر القسطنطينية في 1422 م بجنود قليلة، ولكنه انصرف عن إتمام الفتح لمشاكل جديدة في الأناضول من جهة، ولخضوع الإمبراطور الرومي له وتعهداته من جهة أخرى … وكذلك حالت سياسته السلمية دون إنهاء هذه المشكلة رغم تصميمه على ذلك عقب معركة فارنا، والتي كان الإمبراطور الرومي يوحنا الثامن قد لعب دور المحرض فيها، ولكنه قبل اعتذارات الإمبراطور وعفا عنه مرة أخرى.

أما السلطان محمد الثاني، فقد كان من طراز آخر، ولا يؤمن بأنصاف الحلول. أراد السلطان محمد الثاني – في البداية – أن يجنب الروم ويلات الحرب مع العثمانيين، فطالب الإمبراطور قسطنطين الأخير أن يتنازل له عنها، ويعيش في أمان مع جميع رعاياه، ولكن الإمبراطور رفض، فقرر عندها فتحها بالقوة. ومما جعل محمد الفاتح يتخذ هذا القرار أيضًا تحريض الإمبراطور لإبراهيم أمير قرمان عليه، ومطالبته السلطان بمضاعفة مرتب الأمير العثماني أورخان، وإلا فإن أورخان سوف يتمرد وسيمده الإمبراطور بالجنود ضد الفاتح.

 

الاعداد للحصار

بدأ العثمانيون ببناء قلعة منيعة في أضيق موضع من مضيق البسفور على الشاطئ الأوروبي، إزاء القلعة الصغيرة التي بناها بايزيد الأول على الشاطئ الآسيوي من هذا المضيق، والتي تعرف بأناضولو حصار، وعرفت هذه القلعة الجديدة بروملي حصار. وبنيت على شكل مثلث، وتم بناؤها في أواخر أغسطس سنة 1452 م، ونصبت على أبراجها القوية المدافع الضخمة وتركت فيها حامية من الجنود. وهكذا تم إغلاق هذا المضيق من جهة الشرق في وجه الإمدادات التي يحتمل مجيؤها من ناحية البحر الأسود، كما وضعت قوة بحرية أخرى في بحر مرمرة في الغرب لمنع الإمدادات للعدو من جهة بحر إيجه.

مدفع سلطاني عثماني مماثل للمدفع الذي استخدم عند حصار القسطنطينية. تمّ صب هذا المدفع عام 1464، وهو الآن موجود في متحف الترسانة الملكية البريطانية.

كما أن الفاتح أعد أضخم قوة مدفعية لإتمام هذه المهمة التي عجز عنها كثير من الفاتحين فيما سبق.

وكان هذا السلاح حديث العهد بالاختراع، وكان الأتراك بدأوا يصنعون بعض المدافع في الأناضول، ووصل في هذه الأثناء أحد مهندسي المدفعية المجريين “واسمه أوروبان”، إلى بلاط الفاتح، حيث لقي الترحيب.

وصنع هذا المهندس بطلب من السلطان عددًا من المدافع الضخمة، ومنها المدفع السلطاني أو المحمدية في المصادر الغربية، الذي كان أضخم مدفع عرفه التاريخ في ذلك العصر، وزنه 700 طن، وزن قذيفته 12 ألف رطل، ومرماه ميل واحد، ويجره 60 ثورًا أو أكثر.

وهكذا بعد تأهب واستعداد تام بدأ الحصار.

 

الحصـــــار

وبدأ الحصار يوم الخميس 26 ربيع الأول 857هـ / 6 أبريل 1453م.

بدأ الحصار من جهة البر الأوروبي، حيث أقام الفاتح معسكره أمام الأبواب الثلاثة الكبرى للمدينة، ولم يكن يتجاوز عدد القوات العثمانية بشتى أنواعها وتحت أي مسمى وأي شكل من الأشكال ثمانين ألف مقاتل (ستين ألف فارس، وعشرين ألف من المشاة) وفقًا للمؤرخ اليوناني فيليلفوس الذي عاصر الحصار.

أما المدافعون عن القسطنطينية، فيقدرهم المؤرخ التركي ضياء شاكر بما لا يقل عن 60 ألف مقاتل، أما الرشيدي فيقدر عددهم بـ 40 ألف مقاتل، والغالب أنهم كانوا حوالي 50 ألف مقاتل.

وكان البيزنطيون يعتمدون في الدفاع على الموقع الحصين الفريد لعاصمتهم ومناعة أسوارها المزدوجة الضخمة، والخندق العميق أمام السور الخارجي الممتد لـ6 أميال، ولكنهم مع ذلك وصفوا بالجبن وفقًا لفليلفوس المذكور آنفًا. وعلاوة على ذلك، فإن الإمبراطور قسطنطين، بعد توحيد الكنيستين الشرقية والغربية في احتفال رسمي بالقسطنطينية في ديسمبر 1452م، كان متأكدًا من العون من البابا نيقولا الخامس، ومن الدول النصرانية الأخرى بوساطته، وأتى بعض هذا المدد، ولكن ليس في المستوى الذي كان يرجوه الإمبراطور الخائف أمام استعدادات الفاتح، وبعد كثير من القلق والذعر.

والحقيقة أن البابا كان قد تنبأ، رغم اتحاد الكنيستين، ببصيرته السياسية أن خراب القسطنطينية آت لا محالة، فاكتفى بإرسال مبعوثه الديني “كاردينال إيسدور” في بعثة، ثم بعض القوات البحرية المكونة من جنوده وجنود جنوا والبندقية، والأسلحة والمواد التموينية بعد بدء الحصار بأسبوعين. أما الدول المسيحية الأخرى فكانت مشغولة بالخلافات بينها خاصة انجلتر وفرنسا، فقد أنهكتها حروبهم ضد بعضهم البعض، وقضت على قوتهما، ثم إنها جربت القتال مرارًا مع العثمانيين، ولقيت الهزائم الساحقة والمخزية على أيديهم.

ومن بداية الحصار إلى 20 أبريل 1453م ظلت المدافع العثمانية تضرب أسوار المدينة طيلة هذين الأسبوعين، ولكنها لم تنل فوائد ذات بال من هذه الأسوار السميكة، والتي كان المدافعون يصلحون الثغرات المحدثة فيها بكل همة ونشاط تحت قيادة جستنياني والإمبراطور نفسه، إذ كان دوي المدافع أكبر من أثرها التدميري. وعندما حاول الأتراك عبور الخندق بعد ملئه بالحطب والأحجار، ودخول السور من ثغرة صغيرة في اليوم الثامن عشر، تعرضوا للنار والحديد من السهام المحرقة والنار الإغريقية، وقذائف المدافع الرومية، كما لم يتمكنوا من تحطيم السلسلة الحديدية الضخمة التي أغلق بها مدخل خليج القرن الذهبي أمام السفن العثمانية الرابضة في بحر مرمرة.

وعندما حل تاريخ 20 أبريل 1453م، وصلت خمس سفن حربية من جهة البابا بالإضافة إلى ثلاث سفن تحمل العتاد الحربي والمؤن، وحدثت معركة بحرية بين الطرفين، حيث كان عدد السفن الحربية العثمانية 12 فقط بحسب الرشيدي. خسرت البحرية العثمانية التي كان يقودها بلطه أوغلي، ولم تستطع منع هذه السفن الحربية الكبيرة من العبور إلى ميناء القرن الذهبي، وكان الفاتح يراقب بنفسه هذه المعركة من الشاطئ، حيث أمر قائد البحرية أن يغرق هذه السفن بأي شكل من الأشكال، ولكنه لم يفعل، فكان جزاء بلطه أوغلي أن عزل من منصبه.

ارتفعت بهذا الانتصار معنويات الروم وحلفائهم، وأخذ بعض الجنود العثمانيين – الذين بدأت روحهم المعنوية تتأثر – بالانسحاب من أرض المعركة. استغل الإمبراطور الروماني هذا الموقف وعرض على السلطان السلام. العرض لقي ترحيبًا من الصدر الأعظم خليل باشا –والذي ثبتت فيما بعد خيانته – إلا أنه لقي الرفض القاطع من السلطان محمد، وهكذا واصلت المدافع عملها.

ليلة 21 أبريل 1453م

أثمرت عبقرية الفاتح خطة فريدة لم تستعمل من قبل أبدًا، ولم ير أحدٌ مثلها قط، وهي أنه قرر إدخال السفن العثمانية من ميناء بشكطاش العثماني (حاليًا يدعى دولمه باغجه) في مضيق البسفور إلى القرن الذهبي عن طريق البر، وركبت في سبعين سفينة عجلات صغيرة، وفرشت مسافة 3 أميال بالألواح الخشبية، ودهنت هذه الألواح بالشحم، وهكذا جرت هذه السفن عبر التل من جانب غلطه إلى قاسم باشا في خليج القرن الذهبي تجاه الميناء الرومي، ونشير هنا إلى أن الأسطول العثماني بحسب الرشيدي كان يقدر بـ 250-350 سفينة منها 12 سفينة حربية والبقية عبارة عن قوارب وسفن دعم. وطيلة الليل استمرت المدافع بالضرب الشديد على أسوار المدينة، بغية إشغال الأعداء من الوقوف على هذه العملية المفاجئة.

صباح 22 أبريل 1453م

فوجئ الروم وحلفاؤهم بمنظر السفن العثمانية في القرن الذهبي، فدب وهب في قلوبهم الذعر، وهكذا بدأ العثمانيون يهاجمون المدينة من ناحية البحر بالإضافة إلى قصفهم لها من ناحية البر.

28 أبريل 1453م

كان من حوادث الحصار الهامة إقامة الأتراك جسرًا عائمًا من البراميل يصل بين بر الغلطة وبر ميناء القرن الذهبي، وإحباط محاولتين للعدو لإحراق السفن العثمانية في هذا الخليج.

وقدم السلطان محمد الفاتح عرضًا على الإمبراطور بأن يستسلم الإمبراطور استسلامًا غيرمشروط، فإذا هو استسلم فإنه بوسعه أن يذهب حيث يشاء، ويحفظ بذلك أرواح شعبه وممتلكاتهم. الإمبراطور رفض العرض.

من 28 أبريل وحتى 24 مايو 1453م

استبسل المسلمون العثمانيون بما يوصف أنه من أروع ما عرف عن البطولة في التاريخ، ولكن فشلهم في إيجاد ثغرة واسعة في سور المدينة، ومتانة التحصينات التي تتمتع بها القسطنطينية، بالإضافة إلى الخونة الموجودين في الجيش العثماني، والذين كانوا يوصلون للروم باستمرار معلومات تحرك العثمانيين (ومن بين الذين ثبتت عليهم تهمة الخيانة وأعدموا فيما بعد خليل باشا الصدر الأعظم للدولة).

وأدى إلى فشل المحاولات المستمرة لاختراق المدينة. بنتيجة ذلك، نصح الوزير الأكبر خليل باشا – الخائن – السلطان محمد الفاتح برفع الحصار، إلا أن السلطان محمد الفاتح لم يكن ذاك الذي يستسلم للغدر والأعداء، فقرر الاستمرار في الحصار ومضاعفة الجهود، ووافقه القادة المخلصون أمثال زاغنوس باشا وغيره.

ولجأ الفاتح إلى عمليات عسكرية أخرى كحفر أنفاق تحت الأسوار، وإدخال جنوده الأبطال من هذه الأنفاق المحفورة في عدة مواضع. ولكن المعلومات كانت تصل للبيزنطيين – عن طريق الخونة – وعندما وصل بعض الجنود إلى الطرف الآخر فوجئوا بالزيت المغلي والنار المحرقة تُصب في الأنفاق، واستشهد المئات منهم على إثر ذلك.

كما لجأ الفاتح إلى تدبير آخر لتسلق جنوده السور، فأمر ببناء برج خشبي ضخم ذي ثلاثة طوابق، يجلس فيه الجنود، ويحملون أسلحتهم والسلالم، كما غطى هذه القلعة المتحركة على العجلات بجلود سميكة مبللة كي لاتؤثر فيها نيران العدو، وقرب هذا البرج إلى إحدى البوابات، ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل أيضًا، إذ احترق البرج أخيرًا بقذائف الروم المحرقة، والنار الإغريقية، التي كان يرمي بها العدو من فوق الأسوار بشكل متواصل.

 

وقفة تأمل

مما لا بد منه أن يقف القارئ هنا وقفة تأمل، لما قدمه جنود الفاتح من عظيم التضحيات، دون أن يفت ذلك كله من عضدهم شيئًا. لقد كان السلطان محمد الثاني بطلًا بلا شك واستحق لقب الفاتح عن جدارة، ولكن مما يجب ألا ينسى أن جنوده – أصحاب هذا العزم وهذا الإصرار وهذه التضحيات السخية – هم أيضًا أبطال بلا شك، واستحقوا لقب الفاتحين، وثناء الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – عليهم: “ولنعم الجيش ذلك الجيش”.

25 مايو 1453م

أرسل الفاتح صهره إسماعيل إسفنديار إلى الإمبراطور، يعرض عليه تسليم المدينة للمرة الأخيرة، ووفقًا لهذا العرض فإن بوسع الإمبراطور وأتباعه أن يأخذوا أموالهم ويرحلوا إلى حيث يشاؤون. وبالنسبة لمن يريد من شعبه أن يبقى فله الحق في ذلك وتصان أمواله وأملاكه وحرياته. الإمبراطور رفض العرض مرة أخرى.

26 مايو 1453م

وصلت للعثمانيين معلومات تفيد بأن الجيوش الأوروبية وبشكل خاص الهنغارية سوف تحرك قواتها وجيوشها لمساعدة الرومان ما لم يوقف العثمانيون الحصار فورًا. عقد السلطان مجلسًا استشاريًا، وكالعادة فقد بادر خليل باشا وجماعته إلى التمسك بموقفهم السابق، وهو إنهاء الحصار، لكن السلطان الفاتح، وزاغنوس باشا، ومعلمه آق شمس الدين، وآخرون تمسكوا بمبدأ “إما نحن وإما القسطنطينية” لقد اتخذوا موقفًا شجاعًا وقرروا مواصلة الحرب. طلب من زاغانوس باشا تولي قيادة الاستعدادات العامة.

 

نتائج فتح القسطنطينية

إن الاستيلاء على القسطنطينية واحد من أعظم حوادث التاريخ في العالم لأن سقوطها ترتب عليه عدة نتائج مهمة:

  • هاب العالم كله السلطان محمد الفاتح وهابوا الجندي العثماني.
  • تحسن الوضع الاستراتيجي للدولة العثمانية وتوحيد إمبراطورتيهم المترامية الاطراف في آسيا و أوروبا.
  • فتحت مدينة القسطنطينية للعثمانيين الطريق لأن يصبحوا قوة بحرية هائلة وبناء الأساطيل.
  • وكان سقوط مدينة القسطنطينية إيذانًا بنهاية العصور الوسطى وبداية التاريخ الحديث.
  • استيلاء العثمانيين على القسطنطينية جعلهم أكثر استقرارًا بعد حياة البدوية.
  • وكانت من نتائج فتح القسطنطينية أن سمحت بدراسة بعض الحكومات الأوروبية فنون القتال العثمانية من نظام الانكشارية وقوات المشاة الخفيفة.
  • كان سقوط القسطنطينية بمثابة سقوط الحاجز بين الحضارتين الأوروبية و الإسلامية، أصبحت الأولى وجها لوجه بعاداتها وتقاليدها.
  • وبسقوط القسطنطينية سقط حلم تمناه جميع أسلافه وكل من كانت تتوق نفسه أن يكون في الجيش الذي على يده ستسقط تلك الحضارة البيزنطية.
  • كما أن سقوط القسطنطينية أدى إلى انتهاء إحدى المؤسسات التي كان العثمانيون يخشونها والتي كانت تحمي الخارجين عنها.
  • وأدى سقوط القسطنطينية إلى تزويد الإمبراطورية العثمانية النامية بعاصمة مركزية قوية ومركز تجاري من أعظم المراكز التجارية في العالم.
  • أيضًا أدى استيلاء العثمانيين على القسطنطينية إلى استقرار الإسلام و انتشاره في أوروبا.

وقام السلطان محمد الفاتح بالسيطرة على مدينة بيرا المجاورة للقسطنطينية وأرسل القنصل الجنوي أنجلو جيوفاني لوميللينو رسالة للسلطان لتذكيره بالمعاهدات السابقة ويطلب تجديدها وأنه أرسل أيضًا الهدايا ولكن السلطان محمد الفاتح لم يرد وبعد يومين قام السلطان بإرسال رسالة يطلب فيها بتسليم المدينة له وأنه لا ينوي اقتحامها إلا لو رفضوا تسليمها له ففتحوا له أبوابها خوفًا منه.

 

The post كيف نجحت الدولة العثمانية في الانتشار والقوة في شرق أوروبا وفشل المسلمون في الحفاظ على الأندلس (1) appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست