عزيزتي المهندسة والشاعرة والكاتبة والصحفية الأستاذة فاطمة ناعوت، رائدة التنوير في مصر، والسائرة على درب ابن رشد، وابن خلدون، وابن سينا، وابن حيان، والفارابي، وابن بارم ديله.
تحية طيبة وبعد
الكلمات التالية ليست كلماتي، وإنما هي مقتطفات من كلمات سيادتك، التي كتبتها نصًا في يناير 2013 كمقدمة لرواية “سجينة طهران”، التي للأسف لم تتح لي الفرصة لقراءتها إلا قريبًا، والمبنية على قصة حقيقية للسيرة الذاتية للإيرانية “مارينا نعمت”، السجينة السياسية في سجون الملالي، بعد استبدال بعض الأسماء بشبيهاتها في مصر، كاستبدال “مارينا نعمت ” بـ “محمود محمد أحمد” ، و”سجن أيفين” بـ “سجن العقرب”، و”الثورة الإيرانية” بـ”الثورة المصرية”، و”نظام الخوميني” بـ”نظام السيسي”.
أنقل إليك بعضًا من كلماتك كما هي نصًا، حتى أصدمك بحقيقة مواقفك السياسية المتناقضة، حتى تكون لك ذكرى، لعل الذكرى تنفع المؤمنين.
“هذه الرواية هي حكاية جيل الثورة المصرية بكل أوجاعها وجراحها وعصير ثمرها المر، والأحلام الموءودة لجيل من الشباب شاخ قبل الأوان، هي الجزء غير المروي من حكاية طويلة تناولتها الألسن والفضائيات والصحف والمجلدات وكتب التاريخ على نحو إعلامي منقوص، على نهج انتقائي غير موضوعي، هي الشطر المسكوت عنه من بيت شعري نازف، لا يعرف العالم عنه إلا ما أراد له الشاعر الفاشي أن يعرفه من قصيدته الملحمية الدامية، قصة جيل الشباب، ممن بدأ تشكُّل وعيهم بالحياة مع الأمل في صوغ مصر أجمل وأرقى وأكثر تحضُّرًا، تظللها الحرية والديمقراطية والسلام؛ فإذا بهم يقعون فرائس سهلة تحت أنياب التعذيب ومقاصل القتل والاغتصاب وسحق الكرامة، أنها كواليس القصة التي راقبها العالم في صمت، أما عن جهل بما يدور في الغرف الخلفية المغلقة، أو عن خوف من سماع أنين المعذبين وراء قضبان السجون و ظلامها، أو ربما عن عدم اكتراث بأرواح بريئة غصة تزهق كل ساعة خلف جدران سجن العقرب العالية، رواية تكشف النقاب عن آلية سحق الأرواح باسم حماية الوطن وأمنه، وتحت مسمى الاستقرار.
بعد الثورة المصرية الشريفة التي قام بها اليساريون والليبراليون والعلمانيون والمثقفون والعلماء والمدنيون في مصر، ونجحت في الإطاحة بديكتاتور مصر المستبد مبارك، أملاً في بناء مصر أكثر تحررًا وديموقراطية وتصديرًا للعلم، قفز العسكر على الثورة، كالعادة، وجاء السيسي ليركل بقدمه الديموقراطية التي أجلسته على الكرسي، مثل منديل ورقي بالٍ أدى وظيفته، وما عاد له إلا صندوق القمامة، وحل محلها حكم الفرد، والتحدث باسم الوطن، والتغلغل المتسارع في مفاصل الدولة، ثم التصفية الجسدية للانتفاضات الشعبية العديدة التي ثارت على القمع، ثم دهس القانون بالقدم، بعد إقصاء المعارضة، بل اعتقالها وتعذيبها وقتلها في أحد أبشع السجون في العالم، سجن العقرب، الذي لا تقل بشاعته عن الباستيل الفرنسي، وأبو غريب العراقي، وباجرام الأفغاني، ومعتقل جوانتانامو الأمريكي في كوبا، وانقسمت مصر إلى شرائح ثلاث بمجرد أن أحكم العسكر قبضتهم:
- الجهلاء يطيعون السيسي طاعة عمياء دون تفكير ليصبحوا من المواطنين الشرفاء.
- المثقفون التزموا الصمت خوفـًا من التعذيب أو الاعتقال.
- الانتهازيون كانوا يكرهون السيسي، لكنهم يؤيدونه طمعًا في المناصب.
و جاء جهاز الأمن الوطني وشرع في اعتقال كل من تسول له نفسه أن يمارس حقه الذي فطر عليه في التفكير والتعبير والاعتراض، لدرجة تورُّطهم في اعتقال الصِّبية الصغار بالمدارس إذا ارتدوا حتى مجرد “تيشرت” يعبرون فيه عن حلمهم بوطن بلا تعذيب، وامتلأت سجون مصر بمئات الآلاف من المواطنين المعارضين للنظام بحجة أنهم إخوان، يجلدون بالسياط، وتوضع العصيان الغليظة في أدبارهم، ويعذبون ويقتلون على مدار الساعة، الطريف في الأمر، أن الجلاد القاتل من جنود النظام كان يقتل مجاهرًا بأنه يسدي معروفـًا للوطن بقتل أعداء النظام ومعارضيه على غرار “أحمد سبع الليل”.
بطل حكايتنا كان أحد ضحايا تلك الخطيئة السياسية، أن تقول “لا” حين خنع الناس واطمأنوا بقول “نعم”، حين بحث عن المنطق، وقت ساد العبث وانعدم المنطق، تجرَّأ الصَّبي الصغير تلميذ الثانوي محمود محمد أحمد، ذو الثمانية عشر ربيعًا، واعترض على التعذيب في وطنه، وعبر عن رأيه في صمت، عندما ارتدى مع صديقه إسلام طلعت عبد المقصود (21 سنة) “تيشرت” كتب عليه جملة “وطن بلا تعذيب”، خلال أحداث الذكرى الثالثة للثورة 25 يناير 2014، فتم اعتقالهم، ووجهت النيابة لهم اتهامات بـ “الانتماء إلى جماعة إرهابية، حيازة مفرقعات ومولتوف، والتحريض على أعمال عنف”، و بالرغم من مرور ما يقرب من عامين على اعتقالهم، إلا أنه حتى الآن ما يزال محمود وصديقه بالحبس الاحتياطي بدون محاكمة”
The post دراسة في الفقه الناعوتي appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست