الأحد، 29 نوفمبر 2015

ثقفني اون لاين : نعم لم أُسافر!

 

ربما اسمي يحمل الإرهاب أو المكان الذي جئت منه، لكن على اختلاف الأسباب والمبررات التي منعتني من السفر، واختلاف أسماء المعابر المغلقة في وجهي والجهات التي خلفها، لا شيء ينفي حقيقة أن غزة مكان يتم التعامل معه بموجب اتفاق مبرم على إغلاقه الكامل، وتحويل جهاته الأربع لمقابر حدودية لمن يقترب. فالحقيقة المجردة أن هناك 1.9 مليون غزي فعلًا عالق وتبصقه الحدود الأربعة، ما لم يكن عنده تصريح!

لا أحد يفهم ما اعتدنا عليه في غزة أو طبيعة ما اختبرنا من ظروف، لا الفضائيات ولا مواقع الأخبار تحدثت باسمنا، لا الصور ولا مقاطع الفيديو حملت حقًا ما مررنا به من تجارب شخصية كبشر داخل الحروب، بعيدًا عن صراخ السياسة والوطنية.

ما عايشناه بين هذه الجدران الأسمنتية والأسلاك الشائكة، سيبقى لنا وحدنا، للأجيال القادمة منا فقط.

الجيش المصري يشق قنواته المائية في باطن الأرض جنوبًا، وأبراج المراقبة الإسرائيلية تمتد شرقًا وشمالًا، والسفن الحربية تصطف على امتداد شاطئ القطاع بحرًا، هذه حقيقة أكبر سجن في العالم، الحقيقة التي ما زالت غائبة عن “سلطتنا” الفلسطينية المستمرة في تلقين غزة درس السيادة.

حدود هذا السجن الجنوبية تغرق، وعمليات “حماية” الحدود التي يقوم بها الجيش المصري لا تنفك تقتل شبابنا الصغار على الحدود وداخل البحر، والتي كان آخرها قتل الطفل زكي إياد الهوبي 17 عامًا. أما جهات السجن الباقية مضاف إليها سماء السجن، فيدأب الجيش الإسرائيلي على “حمايتها” بأعتى ما تسلحت به الحكومات من أسلحة وطائرات وتقنيات مراقبة.

الجانب الشرقي لحدود القطاع يزرعه المزارعون بما توفر لهم من أسباب العيش، وينظفه الجيش الإسرائيلي من الفلسطينيين بما توفر لجنوده من روايات الهوس عن أهل غزة.

محاولتي البائسة للسفر لم تكن إلا إعادة تمثيل لآلاف محاولات من سبقوني، والثالثة في رصيدي كمواطن يحاول السفر منذ فرض الحصار الإسرائيلي- المصري الفلسطيني على قطاع غزة.

آخر محاولات السفر كانت قبل ما يقارب الشهر. كان المفترض بي التوجه وزوجتي لارا للولايات المتحدة بدعوة من جهة العمل التي أعمل لحسابها. أسابيع طويلة أمضيناها متنقلين نحمل الأوراق والوثائق والصور والأرقام. أسابيع طويلة ونحن نبحث ونحاول التقاط أرقام هواتف “القادة” لمحاولة إقناعهم بوضع “المعبر في جيبتنا” ليوم واحد، كما يفعلون لأبنائهم طوال أيام السنة. أسابيع طويلة ونحن نحاول أخذ إجازة من هذه الأسوار.

مضى عام ونصف على انتهاء الحرب، عام ونصف على الدرس الأقسى الذي أخذته أجسادنا وعقولنا في فهم طبيعة غزة، وما قد تؤول بكَ الحياة هناك. عام ونصف على الإيصاد المُحكم لمعبر رفح، والأطول في فترات إغلاقه منذ بداية فرض الحصار.

في الإعلام المحلي تذاب قضية إغلاق معبر رفح، تُصاغ وتُحور تجارب السفر البائسة إلى أخبار معتادة عن “إمكانية فتح المعبر والتخفيف من معاناة أهلنا في القطاع بعد تدخل سيادة الرئيس”.

المواربة وعدم نسب المسؤولية عن التقصير كل هذه السنوات في حل قضية المعابر، عن ضعف إعلامي في تناول القضية، أو بتوجيهات من الغرف الأمنية، سببه إعلام محلي متحزب بطابعه وتكوينه يتبنى رواية ورؤية صرافه الآلي، يستغبي الرأي العام ويضلله بأسباب سطحية خلافية ما بين شقي الانقسام، ويغرق مسامعه بالمؤامرات والشعارات التي لا تنتهي.

الواقع أن العالقين والمفترشين لبوابات المعابر، سيبقون عالقين ومفترشين لبوابات المعابر، وأن الإغلاق الفعلي للمعبر ليس وحده الأزمة، فالتعتيم والإغلاق المُحكم على آلاف قصص السفر الآملة بغد أفضل وكرامة أكثر، هو الكارثة!

هذا استسهال مصائر الناس، وهذا استسهال نضالهم اليومي للبقاء.

 

The post نعم لم أُسافر! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست