الأربعاء، 2 سبتمبر 2015

ثقفني اون لاين : موعد سري مع صديق حميم

 

هل هناك عاشق يتخلف عن موعد سري مع معشوقه ؟ هل يعقل أن يفرط عاقل في أغنى وأجمل لحظات عمره ؟ سؤال يجيب على نفسه ، ولكن المدهش أن الكثير منا يفعل ذلك دون أن يشعر ! والأدهى أنه أيضا لا يعلم ! ما هو الموعد السري للعشق مع حبيب ساحر  نجهله! أو على الأقل يجهله كثير منا !

 

يتشابه البشر في الكثير من الأشياء ، فهم يولدون ، ويأكلون ، ويكبرون ويتزوجون ويسعون في تحصيل معاشهم ، ثم يموتون . لكنهم وهم متشابهون في كل هذا ، قد يحيون دون أن يحيوا فعلا !

 

إنني زوجة وأم لثلاثة أطفال ، وأشترك مع غالبية نساء العالم ، في أعمال الطهو ـ المحببة إلي  ـ والتنظيف والترتيب ورعاية شئون أطفالي وزوجي والتسوق والخروج من المنزل وكل الأعمال التي يقوم بها البشر في العالم . لكن لدي موعدا مع حبيب سري ، إن لم أحافظ عليه كل يوم فإنني أجد أن يومي قد ذهب دون أن أدرك أجمل ما فيه ، إنني فعلا قد تركت حبيبي ينتظر دون أن أهتم به، بل أهدرت أكثر الأوقات خصوصية وغنى لروحي وعقلي من بين ساعات يومي الأربعة والعشرين .

 

تلك الساعة التي استيقظ فيها مبكرا من بعد صلاة الفجر ، وبعد أن أقرأ حزبي من القرآن وأذكار الصباح ، أعد كوب الماء الدافئ بالعسل والليمون ، وأجلس مع صديقي الحميم الذي أكون بأشد الشوق لمجالسته : إنه كتابي .

 

كتابي  الورقي أو الإلكتروني يرحل بي إلى أماكن أجمل ، أماكن مختلفة ، أجد فيه قليلا من السلام في عالم يعج بالحروب ، قليل من العدل في عالم يغص بالظلم ، قليلا من الحلم في عالم يحطم الأحلام . أنفصل قليلا عن واقعي ثم أعود؛ لأعد فنجان قهوة ساخنا وربما آخر ، وأنا أحلق في تلك الفضاءات البديعة . أحيانا يقرع  ما أقرأ منفذ روحي بقوة فأفتح ، وأمسك بالقلم لأكتب ما تدفق علي من تلك المنافذ ، وأبدأ أتشكل دون أن أشعر بشكل جديد.

 

باختصار ، بيني وبين الكتاب  ذلك الحب ، فهو كنزي وشوقي الأبدي ، يغنيني عما سواه .

 

إنه شوق حقيقي وحب حقيقي بيني وبين الكتاب الذي أقرأ : أشعر بأن بين يدي كنزا هو خلاصة فكر وروح إنسان آخر ، في زمان ومكان آخر . تنشأ بيني وبينه صلة روحية فعلا ، وأحسب أن الله أراد لي قراءة هذه الكلمات في هذا الوقت والمكان لغاية ما ، كما كتبها كاتبها أيضا  لغاية ما .

 

تلك الغاية التي جعلت رب السماء والأرض يدعونا في أول خطاب له ، مع آخر نبي لبني آدم أن :  (اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم) . و لو تفكرنا قليلا في أول الآيات التي أنزلت ، ولماذا لم تحو الأمر بالصلاة أو الحج أو الزكاة ، ولماذا تعرضت بعد القراءة مباشرة لمفاهيم الخلق والعلم ؟

 

إن  القراءة هي التي تسهم في خلق ذلك الجوهر الإنساني النبيل ، الذي كان علقة، وبنفخة الروح والقراءة صار خليفة لله في الأرض!  كيف  ؟  بالعلم و بالقلم  الذي أمسك به فلان من الناس ، بتوفيق من الله ،  في يوم ما ، في مدينة ما ، بعد تجربة ما ، ليعطيك خلاصة فكره وروحه ورحلته في الحياة ، والتي بها ستضيف إلى حياتك ، حيوات أخرى كثيرة ، وستربطك بجوهرك الإنساني الفريد .

 

ذلك الجوهر ، الذي جعل الإنسان هو المختار بالتكريم ، وسجود الملائكة ، وحمل أمانة الاستخلاف في الأرض .

 

الجوهر الذي كانه أبونا آدم عندما علمه الله الأسماء كلها ، فعرفها هو وجهلتها الملائكة ، التي  تساءلت عن سر خلق الإنسان بأنه سيفسد في الأرض ويسفك الدماء . والحقيقة أن الله وهب الإنسان العقل وحرية الاختيار التي لا يمكن أن تكتمل ، إلا بالعلم و(اقرأ) والقلم ، وعلى أساسها جميعا حمله الأمانة ، وفضله على كل الكائنات.

 

الأمانة التي خافت من حملها الأرض والسماء ، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا . وإن خلاص البشر الفردي والجماعي من الظلم والجهل لا يكون إلا عبر (اقرأ) . النجاح في اختبار الوجود لا يمر إلا عبر اقرأ ، اقرأ يعني أن تفتح عقلك وقلبك وروحك لتتعلم العلم من الكتب ومن الواقع ، ومن مزيجهما معا في الحياة الدنيا ، تتحقق حقيقة الحياة  فننجح في اختبار الوجود . وجودنا كبشر في هذا العالم ، مسئولين عن جعله مكانا أفضل للحياة .

 

عندما  ينحصر اهتمام الإنسان بتأمين الحاجات الضرورية لوجوده ، يكون شبيها بالكائنات الأقل مكانة منه والتي تشاركه الوجود على هذا الكوكب . لكن الله ميزه بالعقل وفضله به على كل تلك المخلوقات ، وحتى يرتقي فلا يكون كما يقول أحمد مطر ( خراف ربهم علف يقال بأنهم بشر ) فعليه أن يقرأ وأن يكتب وأن يكون .

 

ذلك الموعد السري مع الحبيب المنتظر هو موعد مع اقرأ ،  مع كينونة إنسان قرر يوما ما أن يكون ، وقرر أن يرسل لك دعوة كصديق لتكون معه ، سيقبل عليك لحظة تقبل عليه ، وسيبقى في انتظارك حتى تعيد الالتفات إليه ، وسيحقق لك الكثير ، فقط إن قررت الانفتاح عليه .

 

القراءة ستفتح  عقلك وروحك على بوابات للحلم والمستقبل ، بخبرة من مضى وما سيأتي ، وسيحلق بك في عوالم جديدة تجهلها ، لا يمكن أن يحيط بها فيلم ولا صورة ، فقط خياله وخيالك هما بُراقا ذلك الإسراء إلى سماوات بلا حدود ! ستنظر إلى واقعك بصورة مختلفة وتتعامل معه بأساليب أكثر رقيا ونماء ، وتحقق معه رويدا رويدا معنى الخلافة الصالحة في الأرض ، لجعلها مكانا أفضل وأرقى ، مع مرور الوقت وتراكم الخبرات .

 

فهل ستتخلف مجددا عن موعدك السري مع الحياة الحقيقية ، وستبقى تدور كما باقي الكائنات في دائرة الطعام والشراب والنوم وباقي الشهوات ، أم ستقرر غدا ألا تتأخر على موعدك السري ، وجنتك الروحية ، أجمل ساعات اليوم المسروقة من دوامة الحياة ؟!

 

The post موعد سري مع صديق حميم appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست