عندما أغلق أي كتاب بعد قراءته أشعر أن عقلي زاد ثقلًا، كم جديدًا من المعلومات تمت إضافته ربما ليختبر قناعاتي أو يبددها أو يقويها، لكنه حتمًا تحديث جديد لا يجعل العقل كما كان، لكنني لم أسأل يومًا ماذا بعد أن أغلق فيس بوك كل يوم؟ ماذا يطرأ على عقلي؟ لسنا بصدد وعظ أخلاقي حول أهمية القراءة وضرورة تقليل ساعات التواصل الافتراضي، لكن خطر هذا التساؤل الذكي على رسام أجنبي ليخرج لنا الكاريكاتير التالي، و فيه يصور بشرًا طبيعيين يدخلون فيس بوك كأنه بوابة لكنهم يخرجون من الجانب الآخر يرتدون معاطف قضاة ويحملون هراوة فرض النظام في المحكمة!
بوجه عام لا ينتهي أي بوست على الكوكب الأزرق إلا بحكم نهائي على الوطن باعتباره وطن العفن أو على شخص أو جهة سياسية بأنها عظيمة أو حقيرة، عشرات الأحكام المتطايرة على كافة الجبهات من أشخاص لا يطرحون الأحداث للنقاش إنما يطلقون الأحكام في صيغة نهائية لا تقبل الجدل وربما تكون صيغة استفزازية لاستجلاب المعارضين وبدء قتال إلكتروني وتنتهي سلسلة الأحكام النهائية برضا تام للفرد عن ذاته باعتباره صب اللعنات وعبر عن رأيه في واقعه، لم يدرك الفرد ربما أنه جزء من المنظومة التي أطلق حكمه النهائي عليها وأن استمداد الذات لقيمتها من إدانة الغير / الواقع / المجتمع يجعلنا أنصاف آلهة متعالية عن الواقع نرى خلاصنا الفردي من الدراما البشرية لا يكون بلعب دور الرجل الطيب أو الفاعل وإنما بتقمص شخصية الإله أو القاضي الذي سنحتكم له في النهاية في كل صراعاتنا، ربما لأنه الطرف الوحيد البعيد عن المساءلة.
كان مجتمع المسيح فاقد الإيمان في أي خلاص يقدمه المعبد لأن همّ كهنة المعبد الدائم هو إصدار الأحكام وليس علاج الواقع فالدين يقول اكره المعصية وليس العاصي لكنهم كرهوا العاصي وأحبوا المعصية لأنها جعلت عملهم رائجًا، كانت كل طائفة تلعن الأخرى وتراها أقل تدينًا وأكثر تهاونًا في الطقوس، كان المسيح يدرك أن علاج هذا المجتمع هو ردهم لمملكتهم الداخلية “الضمير” وإصلاحها وليس أن يكتسب كل فرد الرضا عن نفسه باعتباره ينتمي لطائفة أفضل من الأخرى، أو هو الشريف لكثرة الزناة وهو البريء لكثرة الخطاة، لذا جالس المسيح كل الطوائف (العشارين / الفقراء / الفريسيين) مما جعله مثار تساؤل الجميع لأنه يمتلك جنة داخلية لا تجعله يرضى عن نفسه لأنه هناك شخصًا سيئًا هو أفضل منه، حاول قومه دومًا دفعه لحافة الإفتاء وإطلاق الأحكام واللعنات لأنها اللغة التي يفهموها جيدًا.
سأله أحدهم أن يأمر أخيه بتقاسم الإرث فرد عليه “أيها الإنسان من أقامني عليكم قاضيًا أو حسيبًا”، و كان الفخ المحكم يوم ساقوا له امرأة بائسة وأتخيل وقتها حواجبهم معقودة وأوداجهم منتفخة ورضاهم عن ذاتهم طال السماء وهم يرون أنفسهم أطهارًا ينقون المدينة من زانية وهذا وحده ما يجعلهم الأفضل والأروع، هم لا يريدون إصلاح مجتمع محتل جعل تلك المرأة زانية بل أن يتعالوا على واقعهم ويلعبوا دور نصف الإله الذي يحكم على المجتمعات ولا يصلحها، وكأنهم ليسوا جزءًا من منظومة العفن التي جعلت تلك المرأة زانية.
نعود للفخ حيث سألوه عن حكمه ولو أدانها المسيح سيكون مثلهم ولو رفض إدانتها سيخالف شريعة موسى ويصير زنديقًا دينيًا يقتاتون عليه ليرضوا عن أنفسهم أكثر، فكان رده مصداق رسالته وجوهرها “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر” كان القول بمثابة رد وضع الأمور في نصابها فجردهم المسيح من مناصبهم كأنصاف آلهة متعالين عن واقعهم وردهم لإنسانيتهم مرة أخرى بأن ذكرهم بخطاياهم وأنهم كالزانية، أنهم جزء من المنظومة، لذا لا بد أن يكونوا جزءًا من الحل ولا يتقمصوا دور الحكم لأنهم جناة كذلك.
كلما زادت أحكامنا النهائية والسوداوية على الواقع والغير أشعر دومًا أننا نبتعد عن المسيح ونقترب من نفسية هؤلاء البؤساء الذين في حقيقتهم هم هاربون من مأساة عصرهم ومجتمعهم ليتقمصوا دور آلهة، هل ينجح مجتمع بتلك النفسية في مراجعة آخطائه والتخلص منها؟
أبدًا، لقد وصلت معدلات الشير حدًا جنونيًا على سبيل المثال في نقد شخصيات هزلية حالية مثل الخليل كوميدي وهو كوميديان سمج لا ترتقي أعماله حد الكوميديا الطفولية وكذلك في السخرية والاحتقار لأحمد التباع بطل مكالمة جنسية خاصة مسربة وبعد أن مسح كل فرد في أشخاص كهؤلاء كل خطاياه وتطهر من أخطائه ورماها على هؤلاء كما رمى الكهنة حجر أخطائهم على الزانية، صار الخليل وأحمد التباع مشاهير تستضيفهم البرامج ويحققون النجاح رغم قبح ما قدموه، هاجم تلك الأمثلة وتحدث عنها كثيرًا وانشرها في كل مكان كبرهان أنك أفضل منها وأنك عظيم لوجود هذه النوعيات في مجتمعك وفي النهاية ستجد أنك ساهمت في شهرتها ونشرها وأنك خدع
تهم وأنهم استغلوا هروبك لنقد الواقع بدلًا من التعامل معه والاهتمام بما يستحق الاهتمام وتجاهل ما يجب تجاهله ليصيروا كائنات شهيرة وناجحة.
هكذا حولنا الكوكب الأزرق الافتراضي لكائنات تحارب كل ما تكره بالشير وتضرب بهراوة النظم الافتراضية على الجميع لتثبت أنها أفضل، لم يجد الرجال أمام المسيح حجرًا يقذفون به الزانية وانسحبوا خائبين ليفكر كل منهم في أوزاره ووجدنا حاليًا ألف حجر نقذفه على الجميع لنؤكد أننا بلا أوزار ولم تغير تلك النفسية شيئًا، من يبدأ بإصلاح مجتمع ثلاثة أرباع سكانه قضاة، إذًا من الخطاة؟ لا أؤمن بمبدأ “قوم نحرق هالمدينة ونبني واحدة أشرف” لأنني أعلم أنها لو احترقت سنحترق معها.
The post كهنة الفيس بوك appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست