أعلم أنني بفتح هذا الملف ربما يغضب مني الكثير من القراء الأعزاء، ولكن لله وللتاريخ أقول هذا الرأي، وأكتب هذا المقال، حتى لا تغرق الحقيقة في بحر الآلام والأوجاع التي نحياها بعد هذه المذبحة المروعة.
ولا أُنصّب نفسي قاضيا على أشخاص أحسب أنهم خير من ملء الأرض من أمثالي، فمنهم الشهيد والمحكوم عليه بالإعدام أو المؤبد، ولكن إن كانوا لنا أحبة فإن الحق لنا أحب، ولا أحاكم بل أُقيّم قرارات اتُخذت في أوقات عصيبة، واجتهادات خاطئة أدت إلى كوارث كان يمكن تجنبها.
فالدول المحترمة سواء المنتصرة أو المنهزمة تقوم بعد كل حرب بتشكيل لجنة تقييم للأداء وتصدر تقريرا وافيا حول الأخطاء ومسئولية كل شخص عنها.
وكباحث ومؤرخ لجماعة الإخوان، أعلم أن قرارات عديدة وخاطئة في مراحل فاصلة بتاريخ الجماعة ضُرب عنها الذكر صفحا ولم يتم تدارسها وأخذ العبر منها، وتأصيل نقد الرأي والقرار لأشخاص وإن علا كعبهم في الجماعة، فقد أدى ذلك إلى تكرار نفس الأخطاء بشكل كارثي، ولعل تجربة التعاون مع عسكر يوليو لم يتم نقدها وتقييمها بالشكل الكافي فأدت لتكرار الكارثة مع عسكر يناير بل وأشد.
لقد كان اختيار ميدان رابعة العدوية مكانا للاعتصام خطأ فادحا من وجهة نظري التي سأستعرضها في المحاور التالية:
مكان الاعتصام بعيد عن الهدف من الاعتصام،
كان الغرض والهدف من الاعتصام مساندة ودعم الشرعية، المتمثلة في شخص الرئيس محمد مرسي، ولم تكن هناك قوة يُخشى منها على الرئيس وسلامته إلا الجيش والحرس الجمهوري.
تبين ذلك في أحداث الاتحادية، وقد أُرسلت إشارات عديدة أن الجيش لا يقف في صف الرئيس، ففي بيانه التحذيري الأول قبل أسبوعين من انقلاب 3 يوليو والذي أطلقه منفردا باسم المجلس العسكري، ذكر كلمة أن الإنذار لحل الأزمة السياسية موجه (للجميع)، وكان البيان التحذيري الثاني قبل يومين تعاطفا مع تظاهرات 30 يونيو، وذكر بأن الشعب لم يجد من يحنو عليه، لمزا برئيس الجمهورية، وبالتالي كانت حماية شخص الرئيس من الجيش نفسه هو الأولوية القصوى في حماية الشرعية.
وقد حدث بعد الانقلاب بيومين فقط عندما علمت إدارة الاعتصام أن الدكتور محمد مرسي موجود بنادي الحرس الجمهوري على بعد أمتار من ميدان رابعة، بادرت بمحاولة الاعتصام حوله، ولكن هيهات فقد تم إجلاء الرئيس فورا، وبعد يومين حدثت مذبحة الحرس الجمهوري.
لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا
لكان الأولى أن ينتقل الاعتصام الى قصر الاتحادية، أو الأفضل منه قصر القبة، لوجود الرئيس في قصره وأنصاره من حوله وشرعيته الشعبية والدستورية باقية ليصدر بيانا رئاسيا مقابل البيان العسكري ولتحتشد المعارضة أينما شاءت فالموالاة محتشدة حول الرئيس الشرعي ويكون القصر حاميا لظهور المعتصمين وموئلًا لهم.
وربما يصدر الرئيس الشرعى قرارا جمهوريا بإنشاء حرس ثوري في القاهرة والمحافظات، ليمتلك المدافعون عن الشرعية السلاح بقوة القانون، وليقوموا بحماية الرئيس الشرعي بالشوكة والسنان، وتكون المؤسسات (الشرطة والجيش ) التي تمتلك سلاح الدولة مُتعرية من شرعية القانون على الأقل (وإن كان ذلك لا يعنيهم كثيرا).
ولكان العالم الغربى (أمريكا والاتحاد الأوربي) ليسارع لحلحلة الأزمة، وإجراء مصالحات بين الطرفين طبقا لموازيين القوى على الأرض، خشية من انفلات الأوضاع من أيديهم.
نعم ربما أدى ذلك لتبعات المواجهة المسلحة، ولكن كان ذلك ليؤدى في النهاية إلى توازن قوى، لتنشأ على أثرها نقطة التقاء وتفاوض تعيد تموضع المؤسسات والجماهير، وتحدث تنازلات متبادلة تجنب البلاد والعباد ما صرنا إليه من تجبر سلاح الدولة على قطاعات واسعة من الشعب بدون رادع من دين أو وطنية أو قانون.
ولكن أن تتجرد القوى المؤيدة للشرعية من رئيس شرعي وسلاح شرعي، إذن فلن تلجأ القوى المناوئة له والتي تملك القوة والسلاح وحاضنة شعبية نسبية إلى التفاوض، لأنه لا يوجد قوة تجبرها على ذلك، ولو حمل أنصار الشرعية السلاح بدون غطاء قانوني، لوصموا بالإرهاب ولخسروا بالفعل كل شيء وقتها.
الاعتصام في وكر الذئاب
وكان الأدهى من عدم الاعتصام حول الرئيس الشرعي، هو اختيار مكان يعتبر بكل المقاييس وكرا للذئاب، فلو نظرنا لموقع الاعتصام سنجده أشبة بالثكنة العسكرية، فعلى جوانب الاعتصام توجد المباني الآتية والتابعة للقوات المسلحة (جهاز الأمن الحربي – قوات الدفاع الشعبي- الإدارة العامة المالية للقوات المسلحة) وعلى مقربة منه مبنى وزارة الدفاع بشارع الطيران.
وبالتالى كان المعتصمون في فم الذئب وتحت سيطرته وتحت مراقبته بكاميرات المراقبة على مدار الساعة، وبالفعل أثناء الفض كانت هذه المباني مرتقى للقناصة وللمراقبة والتوجيه من داخل الميدان لمساعدة قوات الاقتحام من الشرطة.
غياب الحاضنة الشعبية الحامية بالمكان
المنطقة المحيطة بميدان رابعة، تتميز بأنها من الأحياء الراقية بالقاهرة، وطبيعة هذه الأحياء عدم وجود رابط قبلي أو عائلي أو توجه فكري، يجمعهم كما أن مؤشرات جميع الانتخابات بمدينة نصر لم تعبر عن تأييد كبير للإخوان على الرغم من قوة التيار الإسلامى ونشاطه في مدينة نصر.
ولم يكن جميع السكان مرحبين بالمعتصمين، وحدثت بالفعل مناوشات كثيرة بين السكان والمعتصمين، تم حلها فورا من إدارة الاعتصام، وإخلاء العديد من الأماكن لصالح السكان.
وللحق وللتاريخ كان لبعض السكان المحيطين بميدان رابعة العدوية، وخاصة داخل حدود الاعتصام الحق في التذمر، حيث لم يكن يسمح لأحد بالدخول إلى منزله مرورا بالاعتصام إلا بعد التفتيش، وكانت الهتافات المدوية من المعتصمين ومن المنصة التي لا تتوقف ليلا ونهارا تقلق راحة السكان، وكان منهم المؤيد والمعارض والذى يراقب ولا ينحاز.
ربما يتفهم أصحاب القضية الأمر، ويقدموا التضحيات لكن طبيعة الأشياء أن كل الناس ليسوا أصحاب قضية وبالتالى ليس كلهم على استعداد للتضحية.
انقطاع إمكانيات المناورة والكر والفر
وضعية المكان لا تسمح بمجال للهروب والمناورة، فالاعتصام عبارة عن شارعين متقاطعين هما (( شارع الطيران وشارع النصر (الأتوستراد) )) ولا تسمح لمن بداخله إلا اعتماد خطة دفاعية، تعتمد في إستراتيجيتها على صمود الصفوف الأولى من خطوط الدفاع، إذ ليس مسموحا بالتراجع وإلا صار العدو بقلب الميدان.
مسافة 300 متر فقط جنوبا هي التي تفصل المنصة التي تعتبر قلب الاعتصام عن أقرب نقطة تمركز دفاعية في شارع الطيران، وبالتالي كانت أشد نقاط الصدام في الميدان هي خط الدفاع في شارع الطيران، أو ما عُرف بعمارة المنايفة (لتمركز إخوان المنوفية عند هذه النقطة واستخدامهم لعمارة تحت الإنشاء في نفس الشارع).
والذي مر بتجربة الثورة يوم جمعة الغضب ومن بعدها أحداث (محمد محمود ) و(مجلس الوزراء) ومارس الاشتباك الثوري، يعلم أن ميدان التحرير بكثرة منافذه واتساعه ودائرية تكوينه كان مكانا مثاليا للكر والفر والإنهاك لقوات الشرطة.
أما اعتصام رابعة، فقد أجبر المكان المعتصمين على إستراتيجية الثبات والصمود وفقط، إذ ليس لهم خيار آخر وهذه كارثة في علم قواعد الاشتباك. بالفعل ربما لم يكن أحد يتوقع في أسوء كوابيسه أن يقوم الجيش المصري والشرطة، بشن حرب إبادة كالتي حدثت في مذبحة الفض، أو أن الرهان كان على عدم إمكانية تحمل المجتمع المصري والدولي لسقوط ضحايا بهذا العدد الضخم، ولكن الانقلاب العسكري أرسل إشارتين قويتين أنه على استعداد لذلك، بمذبحتين سبقتا مذبحة الفض.
في الصراعات الضخمة ليس من الحكمة الاعتماد على الردع الذاتي للخصم وورعه، أو الاعتماد على توازنات ليس لك فيها من الأمر شيء.
وتبقى رابعة في القلب
وبالرغم من كل ما سبق، فقد كان المكان له سحر روحاني وإيماني منقطع النظير، التأم فيه مجتمع رائع في سلوكياته الرفيعة وتراحمه وتعاطفه وإيثاره قلّ أن يوجد في نفس الزمان والمكان، بهذا العدد من البشر الصائمين نهارا القائمين ليلا بين يدي الله.
وأسقط النموذج الطوباوي للمجتمع على أرض الواقع وضرب أروع الأمثلة في التضحية والفداء والثبات والصمود في مذبحة الحرس الجمهوري ومذبحة المنصة وأخيرا المذبحة الكبرى في يوم الفض، إذ يكفى شباب المعتصمين بطولة صمودهم عشر ساعات كاملة بصدور عارية وعصي وخوذات بلاستيكية أمام مئات البنادق الآلية والمدرعات والقناصة والجرافات.
لقد سطرت ملحمة رابعة خطا فاصلا في تاريخ الحركة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين سيكون له ما بعده.
وأنا على يقين أنه سيأتي اليوم الذي سيقتص فيه المظلومون من الظالمين، وينتصر المُستضعفون على المُتجبرين، وسيشفي الله صدور قوم مؤمنين
(( وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا ((
The post اعتصام رابعة العدوية، مسئولية المكان الخطأ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست