لقد صدق من قال: إن ذاكرة الشعوب ضعيفة؛ فالواقع أثبت أن الشعوب العربية لا تعد استثناء في هذا المضمار، فرغم أن الشعب العربي هو الشعب الوحيد الذي مازال يعيش تاريخه في الحاضر ورغم وجود مفكرين ومؤرخين وعباقرة عرب كبار، إلا أن الجميع سقط في نفس الفخ البدائي الغربي مرتين، وهو ما يذكرنا بنظرية ابن خلدون الشهيرة وبمقولة كارل ماكس “ان التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة”.
في سنة 2008م قام الصحفي الأمريكي الشهير “اليكس جونز” بإخراج الفيلم الوثائقي “خدعة أوباما” ووصف الصحفي الامريكي تولي الرئيس أوباما زمام السلطة في واشنطن بالخدعة القديمة الجديدة والتي يتم تمريرها على الأمريكيين كل أربع سنوات: حيث يتحدث الصحفي عن أن الدوائر الإعلامية في أمريكا تقوم في كل انتخابات رئاسية بخداع الشعب الأمريكي بشخصية جديدة تعد الشعب الأمريكي بالتغيير الجذري لكن الامريكيين يكتشفون في كل مرة أن شيئا لم يتغير وأن الأوضاع تزداد سوء كل مرة، وأوضح “اليكس جونز” أن انتخاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع ما رافق ذلك من بهرجة إعلامية حول انتخاب اول رئيس أسود لأمريكا لم يكن إلا حلقة صغيرة من سلسلة كبيرة من حلقات التضليل والخداع التي مارسها صناع القرار الامريكيون على شعبهم طيلة سنوات عديدة بنفس الكيفية مرارا وتكرارا.
وخدعة الربيع العربي لا تختلف كثيرا عن الخدعة التي تحدث عنها “اليكس جونز”، ففي سنة 1915م أرسل البريطانيون واحدا من جواسيسهم يُدعى توماس إدوارد لورنس (المعروف بلورنس العرب) في مهمة لتحريض العرب على الثورة ضد العثمانيين الأتراك، وبالفعل ففي سنة 1916م قامت الثورة العربية بتخطيط انجليزي تحت قيادة لورنس العرب وهكذا استطاع البريطانيين إحكام سيطرتهم بسهولة بالغة على منطقة الشرق الأوسط عن طريق ضرب الأتراك بالعرب.
وقد استطاع لورنس العرب خداع الناس وعمل على تحطيم قوى الجيش العثماني ونسف خط السكة الحديد المحملة بالذخائر والمؤن، وهو نفس خط سكة الحديد للحجاز الذي شيدها السلطان عبد الحميد الثاني في ظروف عصيبة لكي تسهل له ولجيوشه الإسلامية التركية التنقل السريع إلى المنطقة العربية وخاصة إلى الأماكن المقدسة في القدس ومكة والمدينة المنورة لحمايتها من المطامع الإنجليزية، ثم بعد اسقاط الحكم العثماني في المشرق العربي قامت السلطة الإنجليزية بعد ذلك بتقسيم المنطقة العربية التي كانت تابعة للعثمانيين إلى دويلات صغيرة من خلال صفقة مع الفرنسيين تُعرف تاريخيا باتفاقية “سايكس-بيكو”، وعلى هامش الأحداث الرئيسة خلال تلك الفترة أصدر البريطانيون وعد بلفور الذي أعطى أجزاء كبيرة من فلسطين لليهود.
ورغم وقوع العرب في المصيدة الغربية في القرن الماضي إلا أنهم لم يتعلموا الدرس الغربي جيدا، فالثورة العربية الاولى قامت في القرن السابق بنفس الشعارات البراقة التي قام عليها الربيع العربي اليوم كالإصلاح والتنمية والعدالة والحرية، ولكن هذه الشعارات لم تغير من الواقع العربي من شيء بل جعلته أسوأ مما كان، فالثورة العربية الأولى استبدلت بالنظام التركي الفاسد ـ تحت قيادة جمعية الاتحاد والترقي ـ أنظمة عربية ضعيفة أكثر فسادا من الأولى ولم تستطع هذه الدول العربية الدفاع عن أراضيها أمام الدويلة الإسرائيلية الوليدة التي لم يتجاوز عدد جنودها الثلاثين ألفا في عام النكبة، ولم تكن لهذه الدول العربية القدرة على إدارة وقيادة الحرب العربية-الإسرائيلية بنفسها، فقامت الدول العربية بانتداب الضابط البريطاني المشهور “غلوب باشا” قائدا عاما على القوات العربية في حرب 1948م وهو ما يصف حالة التدهور التي عرفتها الأنظمة العربية بعد الثورة العربية القومية الأولى.
وبالتالي فكما ساهم العرب في تقسيم أوطانهم إلى مناطق نفوذ بين الحلفاء وخضوع بلدانهم للاحتلال، فهاهم اليوم يعيدون نفس الخطأ ويسقطون في نفس الخدعة القديمة المزينة بشعارات الإصلاح والتقدم، فكما نسفوا خط السكة الحديد للحجاز في القرن الماضي يقومون اليوم بتدمير مؤسسات الدولة واستهدافها بدعوى الثورة والنضال، وهاهو سيناريو التقسيم والتفكيك يرجع من جديد الى المنطقة العربية في كل من ليبيا وسوريا واليمن والعراق ولبنان وقريبا في مصر.
لكن الغريب في الأمر أنه، وبالرغم من قوة الجهاز الاستخباراتي للأنظمة العربية إلا أنها لم تستطع إيقاف موجة الربيع العربي، فقد استغل الغرب فساد الأنظمة العربية ليثير سخط الناس منها واعتمد الغرب على استراتيجية جديدة لم يسبق للأنظمة العربية المتهالكة أن شهدت مثلها وهي “حروب الجيل الرابع المتقدمة”، وهي باختصار الحروب التي يكون طرفا الحرب فيها جيشا نظاميا في مقابل خلايا خفية مجهولة حيث تتميز هذه الحروب بعدم وجود قادة أو زعماء لهذه الحركات الثورية، وتستخدم هذه الأخيرة وسائل الاعلام الجديدة المتقدمة (شبكات التواصل الاجتماعي) بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني وفصائل من المعارضة التي تخدم الاجندة الغربية وذلك من أجل زعزعة استقرار الدول المستهدفة وإقامة حرب بالإكراه ضد النظام الحاكم ثم فرض واقع جديد يرضي المصالح الغربية.
ولم تنس الدوائر الغربية استخدام السلطة الدينية من أجل إثارة الثورات وإعطائها الشرعية الدينية باعتبارها ثورة ضد الفساد والظلم والديكتاتورية، وقد تم استغلال “ساسة الدين” أو “إقطاعيي الدين” بنجاح والذين قاموا بالمتاجرة بالدين الإسلامي في مقابل مصالح ومكاسب محدودة، فقد قام هؤلاء الشيوخ بإرسال الآلاف من الشباب إلى سوريا عن طريق استغلال العاطفة الدينية لهم تحت بند الجهاد وحثوهم على الانضمام إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة كتنظيم الدولة وجبهة النصرة بعتبارها تنظيمات مقاومة ضد النظام الطائفي الشيعي السوري في ذلك الوقت، ولكن بعد أشهر قليلة فقط قام نفس هؤلاء الشيوخ بالتبرؤ من الجهاديين واعتبروهم خوارج وإرهابيين وأصبحوا مطلوبين للدوائر الحكومية في بلدانهم الأصلية، وبالتالي فقد سقط آلاف الشباب العرب في نفس الفخ البدائي القديم الذي سقط فيه الشباب العرب في الثمانينات بأفغانستان وفي التسعينات بالبوسنة والشيشان.
بيد أن المستهدف الأول والأخير من الربيع العربي هو الدولة المصرية، فمصر هي الجائزة الكبرى وآخر حصن قوي في المنطقة العربية وسقوط مصر يعني سقوط المنظومة العربية بالكامل والدخول في عصور من الفوضى والنزاعات في كامل المنطقة لأن مصر هي الجسر الحيوي الاساسي بين الجانب الاسيوي والجانب الافريقي، فثورة يناير لم تؤت أكلها في إسقاط الدولة المصرية وبقيت الدولة المصرية العميقة قوية رغم استهداف الدوائر الحكومية والشخصيات القيادية فيها.
والوضع الحالي في مصر لا ينبئ بالخير فمصر محاصرة من الداخل والخارج بعوامل التفتيت والتقسيم والفوضى، فشرق سيناء بات تحت سيطرة تنظيم “ولاية سيناء” والجنوب النوبي بات يتململ نحو الانفصال والأقباط قاموا بإنشاء دويلة مسيحية قبطية داخل الدولة المصرية الأم وجماعة الإخوان تريد الرجوع إلى السلطة بأي ثمن بعد أن فشلت فشلا ذريعا في امتحان قيادة مصر، ناهيك عن الحدود المصرية الليبية الملتهبة والتي أصبحت طريقا حيويا لتمرير الأسلحة للداخل المصري وأزمة النيل الأخطبوطية والتي لم تستطع الأنظمة المصرية المتعاقبة حلها بالإضافة الى العدو الإسرائيلي المتربص من بعيد بمصر.
ورغم الفساد الكبير للجيش المصري إلا أنه بقى المؤسسة الوطنية الوحيدة القادرة على إدارة البلاد في هذه الظرفية الصعبة، وهو ما يفسر استهدافه من طرف “ولاية سيناء” و”جبهة العقاب الثوري” المقربة من جماعة الاخوان لإسقاط مفهوم الدولة من مصر لإدخالها في نفق مظلم من الفوضى والحروب والتي لن يستفيد منها إلا أعداء الأمة، والحرب الإعلامية على الجيش المصري دخلت مرحلة متقدمة جدا بحيث أصبح استهداف افراد الجيش المصري يعتبر مقاومة ونضالا في طريق الثورة المصرية المسلوبة، فالمخطط (اللورنسي) البريطاني القديم بتفتيت الدولة العثمانية بات يزحف إلى الجانب المصري بسرعة والوقائع والأحداث تشير إلى ثورة ثالثة بصيغة إخوانية خصوصا مع المحاكمات الصورية لرموز جماعة الاخوان المسلمين، وهذه الثورة لن تكون كسابقاتها لأنها ستحرق البيت المصري بمن فيه والكل يتحمل المسئولية وعلى رأسهم النظام الحاكم.
The post الربيع العربي: الخدعة القديمة الجديدة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست