على مدار التاريخ صنف المؤرخون العصور والأزمنة بحسب إنجازات من عايشوها، وشمل تصنيفهم عصورًا ذهبية وأخرى فضيَّة، وعصورا وسطى بين هذا وذاك، وعصورا هي عصور نهضة وحداثة .. وهنا يخرج علينا سؤالٌ يطرح ذاته، ترى أي التصنيفات يحمل عصرنا؟ القاعدة تقول بأن المؤرخين يبدؤون بدراسة العصور عندما تنقضي أجيالها، وبما أن في عصرنا هذا بات كل شيءٍ مُباحا ولا بأس في الخروج عن القواعد والقوانين من باب أنهُ –خالِف تُعرف- فلا ضرر من أن نُحاول تصنيف عصرنا ونحنُ ما زلنا على قيد زمانه!
من خلال قراءتي رأيتُ أن التصنيف الأمثل لهذا العصر وضعه تشارلز ديكينز في قصة مدينتين عندما وصف الوضع قائلًا:
“لقد كانت هذه أفضل الأوقات، لقد كانت هذه أسوأ الأوقات، كان عصر الحكمة، كان عصر الحماقة، كان عهدًا من الإيمان، وعهدا من الشك، كان موسمًا للضياء، كان موسمًا للظلمة، كان ربيع الأمل وشتاء اليأس، لقد امتلكنا كل شيء، ولم نمتلك أي شيء، اتجهنا مباشرة صوب الجنة، اتجهنا جميعًا للجهة الأخرى”.
تمرد عصرنا حتى على قوالب المعاني، ولم يرضخ لِمُسمى أو وصف محدد، فقد أوتينا فيه من كُل بستانٍ زهرة أو قنبلة! أيهما أقرب. ثورةٌ على المألوف، أفكارٌ –تشطح بأصحابها- أصدقاء يحدثونني صباحًا ومساءً ليخبرونني بإصرارهم على الخروج من صناديق مُغلقة نحو بحور طموحٍ أو علمٍ أو خلافه!
وحتى الصامتين، الملازمين للزوايا والغُرف المغلقة، حتى هؤلاء تستمر أفكارهم في التفاعُل ببطء بانتظار أن يفتح أحدهم الباب ويدخل جزيء أكسجينٍ مُنتظرا أن يُفجر حينها كل شيء ويُخرجه للعلن!
في زمن أضحى الانتماء فيه إلى أي فكرة كبرى سلوكا عواقبه غير محمودة، أو هو في أحسن الأحوال نوع من الرومانسية الوردية، هذا الزمن الذي وصفه أحدهم بزمن الأشخاص الصغار والأهداف الصغيرة، كنت أصر كما أصر بعض من هم حولي على لعب دور “دونكيشوت” في مسرحية فقدت متابعيها.
كان أبي كمعظم الأباء لا يمل من أن يحكي لي عن الشمعة التي درس على شعلتها محاولًا أن ينجح، أو عن عودته من الغرب ورفضه الزواج من شقراء بعيونٍ زمرديّة، ليُثبت رغبة في نفس يعقوب تتمثل في تأصيل نجاحه بجانب جذوره العربيّة التي هرب من نارها الكثيرون، أو أن يحكي عن تذوقه المر والحامض وصنوف السخرية التي امتصها من أبناء بلده قبل سخرية الغربيين، الذين كانو يرون فيه فارسًا يريد أن يجتاز العالم على صهوة حصانٍ عجوز! مرورا بحكاياته عن مطعمٍ غسل فيه الصحون قبل أن يُصبح شخصا ذو مركزٍ فكري وهَيبة.
كلاسيكيات والدي مرت كثيرا على الآذان من أشخاصٍ صدقوا ماعاهدو أنفسهم عليه، فمنهم من اجتاز الممر بنجاح، ومنهم من ينتظر! ورغم تكرار تلك الحكايا إلا أنني أبقى سعيدة حين أسمعها كمن وجد كنزا، فهي تثبت لي عدم عبثية الأفكار الكبرى وأن هناك من يجسد أفكاره أفعالا.
لم ترتبط ثوراتنا بالسياسة والتحرك جراء الشعور بالظلم فحسب، بل ارتبطت برغبتنا في أن نصعد سُلمًا أنّت أخشابه من طول هجرها دون أن يصعد عليها أحد، وسكنها عنكبوت ينظر إلينا نظرة تعجب، فهمناها فيما بعد عندما عجبنا نحنُ أنفسنا من حال فتحنا عيوننا عليه، وقررنا في لحظة صفاءٍ مع النفس أنّ التغيير واجب، وأن رحلتنا إليه قدر لا بد منه ونهايتها، وإن لم نر فيها شروق فسوف يراه من هم بعدنا، ويشيرون إليه بالبنان.
” تكريس النفس لإنتاج الجمال والاستمتاع به من شأنه أن يكون عملًا جدّيًّا وهو ليس وسيلة للهروب من الواقع، بل وسيلة للتمسّك بما هو حقيقي في عالم ينهار فيه كل شيء“. إليزابيث جيلبرت
بيننا الخائفون، المتعثرون في أكمام الحلم الطويلة، الْمُحدقين جاهدين محاولين أن يلتمسوا قبس نور يهديهم لأي طريق، من يؤلمهم جرحُ فيداوونه بالإصرارٍ على الفكرة.. المجدُ لهؤلاء، صناع هذا العصر الذي ثار على المُسميات، واكتفى بأن يكون نفسه.
The post كلاسيكيات أبي فى عصر متمرد appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست