أبدع برادلي كوبر في أداء الدور واقتباسه وحتى التبحر في جوانب شخصية القناص الأمريكي وانعكاستها.
الفيلم جملة وتفصيلًا جميل جدًا، وهو واحد من أنجح الأفلام الحربية من بعدBLACK HOCK DOWN من ناحية مشاهد الأكشن والحرب والصوت والحبكات، فلن تشعر للحظة واحدة حتى بأنك في مكان آخر غير الذي أرادك المخرج أن تكون فيه.
فقد كان جليًا وواضحًا الفهم العميق لدى المخرج لطبيعة العراق الاجتماعية، الإقليمية، البنية التحتية، وأخيرًا المناخية، حيث استطاع تسخيرها بطريقة كانت من أجمل ما رأيت خاصة في نهاية الفيلم لحبس أنفاس المشاهدين في واحد من أجمل مشاهد الإثارة والتشويق عندما حاول البطل والمجموعة الهروب في نهاية الفيلم.
انتقاء المشاهد والتنويع في ما بينها والانتقال ما بين الجولات في العراق والحياة الهادئة في أمريكا، وأنواع اللقطات التي اختارها المخرج كانت مؤثرة وهادفة وتخدم محتوى الفيلم بشكل رائع.
فاللقطة التي اختارها المخرج على الكاميرا المحمولة لتكون بداية للمشاهد الأخيرة عند الجولة الرابعة من أعلى المدينة حملت في تفاصيلها كمية من الخراب والخوف والتحضير للأسوأ والتأهب للفصل الأخير.
صوتيًا كان الصوت والمؤثرات التي تم استخدامها في الفيلم ساعدت على رفع درجة الواقعية والتصديق لدى المشاهد لما يراه من أحداث بكل بساطة وتسليم.
الطريقة التي استعملها المخرج وساقنا بها للشخصية وورطنا في تفاصيلها كانت سلسة جدًا وذكية، فبداية الفيلم كانت حول تلك الطفولة ونزعة القوة والحماية منذ الصغر (والتي كانت هي البذرة الأولى التي زرعها المخرج في عقل المشاهد من المراحل الأولى للفيلم) عن طريق الانتقال من ميدان المعركة وعاد بالزمن ليروي لنا قصة أحداث الطفولة، فهذه النقلة ما بين الواقع و زمن الطفولة كانت رشيقة وذات تأثير كبير فيما بعد، ثم ليعود بنا إلى أرض المعركة والقتال والبحث المكثف للوصول إلى روؤساء تلك العصابات المناهضة للغزو الأمريكي وكانت على اتصال مع القاعدة.
ثم يتابع المخرج بنا الرحلة تلك ليشهد القناص فيها إجرام العصابات في حق العراقيين أو حتى في حق عناصر الجيش الأمريكي على عدة أوجه من خلال فترة خدمته في العراق، و كيف أن هذا الإجرام من قبل العصابات بشكل عام والقناص العراقي على وجه التخصيص، أثر سلبًا في جوانب شخصيته وكون لديه حقدًا كان عائقًا بينه وبين الشخص القديم الذي اعتاد أن يكونه، حيث ساعد هذا الحقد على توسيع هذا الشرخ ما بين شخصيته قبل الحرب وما بعدها وتحديدًا فيما بعد المرحلة التي لم يستطع فيها حماية الطفل والعائلة العراقية التي وعدهم بحمايته الكاملة من ذلك القناص والقاعدة.
ليعود في كل مرة إلى العراق وإصراره يزداد مرة بعد مرة على إيجاد ذلك القناص وذلك المجرم الذي كان يروع الحي والأهالي في المنطقة التي كانوا يجرون فيها أبحاثهم عن الزرقاوي وأتباعه (التي لن تفهم من خلالها كيف أن الحكومة والجيش الأمريكي قرروا البحث عن الزرقاوي في كل حارة وكل دخلة وكل منزل وكل مكان في جميع مدن العراق بطريقة مكلفة للوقت والأرواح والمعدات، أو إنه مبرر آخر لبقائهم في العراق لوقت أطول).
لم يقتصر الموضوع فقط على التأثير النفسي السلبي لشخصية القناص، بل وكيف كان هذا التأثير على عائلته وزوجته وبيئته المحيطة، وكيف كانت كل هذه الأوهام تتحول إلى منغصات وهلوسات في حياته وهي كانت من البذور الأخرى التي كان يقوم المخرج بزرعها في عقل المشاهد واللا وعي بكل بساطة كي يزداد تعاطف المشاهد مع البطل،
يعود بنا المخرج مرة أخرى لمهارة ذلك القناص في باقي الجولات التي قام فيها القناص الأمريكي في العراق ليزيد لدينا كمية الاحتدام تجاه ذلك القناص الآخر ومن خلفه من أتباع القاعدة.
تتتابع الأحداث وما كان يجري في الجولات الأربعة التي كان فيها البطل في العراق والأخيرة التي كانت الأصعب، والتي استطاع فيها المخرج وبكل ذكاء وحنكة تسخير واستخدام العوامل الجوية الفريدة في منطقة الخليج العربي وهي رياح الخماسين (الطوز أو العجاج) في نهاية الفيلم ليقوم بحبس أنفاس المشاهدين لمدة تزيد عن 4 دقائق متتالية من الانتباه والتأهب بطريقة لا توصف وهذا ما ندر في هذه الأيام في الأفلام العالمية بهذه الطريقة الجميلة.
املة في العراق، ومن ثم ليعود لأرض الوطن بنفس الروح التي عهدها قبل أن يدخل الجيش الأمريكي.
ننتهي هنا من الفصول الإخراجية والحبكات والتفاصيل، إذًا ما كنا نتكلم عن الفيلم كإخراج وسيناريو وقصة وصوت، إلخ، ولكن الجزء الأهم الذي يجب أن نتكلم عنه وهو ما دون ذلك كله، إنما هي الرسالة والتي تم إحكامها وتغليفها ليتم إيصالها ونجح المخرج في ذلك الأمر بمنتهى الذكاء.
فبداية، اسم الفيلم القناص الأمريكي: هكذا تمت تسميته بعد أن قام بإسقاط أكبر عدد من الأعداء في التاريخ الأمريكي على يد قناص واحد وهذه الحقيقة لا خلاف عليها.
لكن لماذا لم يتم تسمية الفيلم بالقناص فقط أو القناص الفذ، أو العين الماهرة، أو البندقية التي لا تخطئ، أو بطل من هذا الزمان، إلخ، إنما القناص الأمريكي، فذلك لرفع مؤشر الوطنية وتجهيز المشاهد الأمريكي وجذبه إلى دور السينما، ورفع علامة الاستفهام عند غير الأمريكي (على حساب أن الفيلم موجه إلى المشاهد الأمريكي وغيره) بشكل مباشر أو غير مباشر.
الفيلم جملة وتفصيلًا يروي لنا قصة من وجهة نظر واحدة، لا مجال للنقاش فيها واستطاع المخرج من خلالها إيصال هذه النظرة والرسالة بكل نجاح، وتفاصيلها كانت في:
النقطة الأولى: البذرة الأولى التي زرعها في قصة الطفولة والحماية، ليعطي الدافع للمشاهد للتعاطف والسماح له بتبرير جميع أفعال ذلك القناص من أعمال القتل وأيضًا ليبرر فيما بعد هذه الجملة والتي سأله إياها الطبيب النفسي حينما قال له: ماذا سيكون موقفك أمام الله يوم القيامة؟ فأجاب: بأنه مرتاح كليًا فقد كان يقوم بعملية حماية أفراد الجيش وكتيبته ولم ير في ذلك خطأ.
النقطة الثانية: كمية الخراب في المدن التي تم زرعها في الفيلم، فالمخرج لم يرِك في الفيلم إلا مدنًا لم تصل إليها الحضارة بعد، وإظهار البدائية في البنية التحتية والحياة في العراق والتهميش التام للعمران والمدن الكبرى واختيار مدينة صغيرة كأنها حتى لم تصل إليها الحضارة لا بشوارعها ولا أزقتها ولا أبنيتها، كان في ذلك كله دوره الكبير في التأثير على عقل المشاهد في اللا وعي الخاص به، لتعزيز وزيادة درجة الإقناع والتبرير (فيما يخص الضغط النفسي الذي يعانيه الجنود في أرض المعركة).
النقطة الثالثة: نقطة مهمة، وهي طريقة إظهار المخرج لمن تضامن من الشعب مع القاعدة في محاربة الجيش الأمريكي سواء بسبب الخوف أو عمدًا، فإذا ما كان الجميع يحارب الأمريكيين، فهو تبرير بشكل مباشر أو غير مباشر لتصرفات العرب الهمجية الإرهابية، وسبب آخر ليكره الشعب الأمريكي الشعوب العربية.
النقطة الرابعة: جميع من في الفيلم يتكلم العربية بطلاقة ولهجة عراقية محلية بحتة، وحتى المترجمين في الجيش الأمريكي، إنما هذه لما تكن عبثًا أو لرفع درجة حرفية الفيلم، إنما ببساطة كانت رسالة موجهة للشعب العربي، في محاولة لتغيير تفكيرهم تجاه الاحتلال الأمريكي ووجودهم في العراق.
النقطة الخامسة والأخيرة: وهي رسالة الفيلم بكل بساطة طريقة أخرى لتجييش العواطف وتحريكها تجاه الجيش الأمريكي والغزو الأمريكي للعراق وغيرها من البلدان، ولكن الأهم من هذا وذاك تبرير للغزو غير المبرر في المقام الأول.
The post القناص الأمريكي appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست