“أود قول شيء عن الخوف، إنه خصم الحياة الوحيد وحده الخوف يمكن أن يهزم الحياة”، فيلم (Life of Pi) .
الخوف مثله مثل الغضب واليأس شعور قوي يمكن أن يكبلك تماما لو تركت له حرية التوغل داخل عقلك، ولم تردعه ولم تتخذ الإجراءات النفسية الكافية لحصره وقتله. ليس هناك أحد في الدنيا لا يراوده ذلك الشعور لأنه مرتبط بالعجز والضعف الذي هو صفة الخلق؛ أنت تخاف من المستقبل، من الخيالات في الظلمة، من الحشرات الصغيرة التي تملك أكثر من رجلين، من الأصوات التي لا تراها، نحن محدودون بحواسنا الخمسة التي لا تخبرنا بالقدر الكافي من المعلومات كي نشعر بالأمان، عقلنا يتصور لكن أعيننا لا ترى ونقع في الحيرة ما بين أن تصدق عقلك الذي ارتسم فيه الأشباح بكامل هيئتها٬ وما بين عينيك التي لا ترصد سوى ظلام ساكن.
لكن العقل كما هو مبدع وفنان هو أيضا قادر أن يدرك الفارق ما بين الحقيقة والرسم، سأحكي لك تجربة عملية بسيطة خبرتها مع ذلك الشعور الذي كرست له الوقت وانتبهت إليه كأكبر عدو لي أبغضه لأنه يؤلمني ويجعلني أحيانا كثيرة أبكي، وأحب وجوده لأنه يحركني كالزنبرك في الاتجاه المقابل له. حينما يخبرني ألا أجرب البالون الطائر أعزم على فعل ذلك اليوم التالي، حينما يحذرني من خوض طريق جديد مجهول في حياتى أجد الأمر ممتعا أكثر ومفعما بالأمل، وكأنه فقاعة كبيرة مستفزة تضايقك وتجعلك تنهض وتدفعها بكل قوة في عمق الشعور السيء، في روحه ووجوده ينبع المعنى القوي للحياة.
المرحلة الأولى
“إنه ينقض على نقاط ضعفك التي لا يجد صعوبة في رصدها، يبدأ دائما من عقلك ثم يأتي متنكرا في هيئة شكوك صغيرة ويتسلل كالجاسوس”.
كنت أسير نحو شاطىء البحر عند منتصف الليل، في تلك الليلة كان الهدوء والظلام معتما إلا من أضواء القرية الساحلية خلفي، كلما اقتربت كانت النجوم تزداد في السماء وتتشكل في دوائر واسعة تشعر أن لها معنى غامضا، مشهد لا يمكن أن تفوته مهما كانت الأفكار والتحذيرات في رأسك، أخذت أقترب من البحر وأرى الزبد الأبيض يرسل نداءات ساحرة تسحبني بلا وعي، لكن وعيي في تلك اللحظة كان يعمل بقوة وأخذت ألتفت بحثا عن خوف جديد ظهر لي في الليلة الماضية (الكابوريا).
قد يبدو الأمر مضحكا لكن الخوف للرائي المحايد يبدو دائما كذلك، فاجأني الليلة الماضية اثنتان منهم لكن ليس بصورة واضحة، كانتا قريبتين جدا وظهرتا من تحت الرمال فجأة، شيء يتحرك بسرعة شديدة ولا يترك لك الفرصة كي تدرس دروعه، كل ما أعرفه أنه يملك كلابات حادة لو لمسته بغير حذر لمزقك كما يفعل مقص مجنون بالضبط. لا أعرف أكنت أخاف من لحظة التمزق؟ أم أفزعني مشاهدة أرجل كثيرة تجري لا أقدر على تكهن حركتها القادمة؟ ظللت أتلفت بحثا عن كائن فجائي وجعلني ذلك أجلس عند منتصف الشاطئ أولا، لكن السماء كانت ساحرة وقلت لن أسمح لذلك الهراء أن يمنعني من التمتع بتلك اللحظات، توغلت بإصرار أكثر حتى جلست قبالة البحر؛ البحر مظلم تماما فبدأ يرتسم في عقلي كائنات سوداء تخرج من بين الموج الأبيض، ولص يتسلل خلفي ليذبحني، وقبيلة من الجن تطير حولي، انقضت الأفكار من كل جانب وأنا أجلس في هدوء ويكاد قلبي ينتفض عند أول حركة غير طبيعية، أعجزني ذلك عن الشعور بجمال المشهد رغم كوني أدرك روعته لشخص عقله صاف.
المرحلة الثانية
“يلتقي الشك بعدم التصديق (المنطق)، سيحاول المنطق طرد الشك، لكن المنطق هو جندي مشاة يفتقر إلى العتاد المناسب، الشك يقضي عليه بسهولة، رغم التكتيكات المتفوقة وبعض الانتصارات التي حققتها سرعان ما ينهزم عقلك، يتسلل الوهن إليك، تتذبذب، يتضخم خوفك إلى حدود مروعة”.
بدأت أرتكز لنقطة الوعي عندي، لا يوجد شيء، إنني أدرك الآن أن الخوف فكرة وليس حقيقة، يتكلم المنطق بشكل متعقل جدا لكنه يهمس للحظة ثم أعود لأتساءل، وما الذي يمنع تلك الفكرة من التحقق؟! أنظر للنجوم التي أتيت من أجلها حتى جمالها غير قادر على محو الخيالات المخيفة بالداخل، أعود للحكمة الأولى التي شعرت بها حقا في تلك اللحظة (وحده الخوف يمكنه أن يهزم الحياة).
المرحلة الثالثة
“تتخذ قرارات متسرعة تطرد أسرع حليفين لك؛ الأمل والثقة. وهكذا تكون قد هزمت نفسك بنفسك، ويكون الخوف الذي هو ليس أكثر من شعور قد انتصر عليك”.
بالطبع فكرت في الهرب، وفكرت ما فائدة الجلوس والمقاومة على أية حال. صغرت في نظري المعاني الكبيرة والهدف الذي أتيت من أجله وكبر الخوف وحده، سأنتظر.. لن أنتظر.. هي الفكرة الوحيدة التي أخذت تتردد بعقلي وهي معركة لو ركزت في ذاتها لوجدتها سخيفة تتساوى مع انتظار المصعد أو المواصلات، الخوف سخّف كل المعاني، فكان لا بد أن أخرج من تلك الدوامة حتى لا أندم، ربما أستطيع القدوم في ليلة أخرى أكون أكثر هدوءا وصفاء، لكن لم يعد الأمر سماء ونجوم ورذاذ بحر منعش، بل معركة نتائجها ستحدد من أنا فعلا.
المرحلة الرابعة
“عليك أن تكافح كي تعبر عنه، عليك أن تكافح كي تجعل ضوء الكلمات يشع عليه، لأنك لو لم تفعل ذلك فإنك تعرض نفسك إلى غارات أخرى من الخوف”.
ما لاحظته أن التفكير الصامت يجسد الخيالات أكثر، ويضيف للصورة كائنات أكثر بشاعة، لكن التعبير بالكلمات والصوت العالي يبعثر الأوهام وكأن الصوت يخيفها، أخذت أكلم الله عز وجل بصوت عالٍ، العجيب أن ذكر الله في القلب يطمئن وكأن أي ظلام غير قادر على الاجتماع بنور الله في مكان واحد. الله هو الكلمة والشعور والفكرة التي تجعلني أقف وأقاوم وأثق بالنجاة، مجرد نسيانه أو بعده عن نقطة الوعي في عقلي يجعل دفاعاتي النفسية تنهار كلها.
لا صديق ولا كلمة ولا أي فكرة منطقية يمكن أن تطمئن، لا يمكنك الوثوق حتى بالتفكير العقلاني لأنك تشك أحيانا في عقلك ذاته، ماذا لو كان الأمان وهما؟ ماذا لو كانت السعادة التي تنتظرها مجرد حلم كاذب؟ أخذت أنظر للبحر وأتخيل أني أغرق بين الموج الذي لا يرحم، غير قادرة على أن أتنفس والظلام شديد، في تلك اللحظة لم أتخيلها أمواج من ماء بل من ظلام هادر يدفنك حتى ينساك العالم، وحده الله عز وجل هو من يرى يدك ويسمع نداءك رغم أنك ذرة يمكن أن يسحقها أو لا يبالي بها. روادتني أفكار عن الوهم وهل الله موجود بالفعل؛ أخذت أتحدث بالعقل والصوت العالي وأسأل من الذي خلق الدنيا؟ لماذا لا يطرد البحر سكانه مثلا؟
لماذا لا تقرر نجمة أن تسقط علينا؟ لماذا لا يحدث شيء فجائي يدل على صراع الآلهة أو حتى اختلافهم في الحكم؟ لماذا لا ينخلع جزء في السماء من مكانه، أو تُقذف الأرض ككرة بين إله وآخر؟ لماذا الكون يسير بهدوء وسلام لدرجة أن أجلس بحجمي الضئيل هذا أمام البحر دون أن يؤذيني شيء؟!
لكن لماذا لا يرينا الله نفسه؟ تخيل لو كانت الناس ترى الله عز وجل وهي تروح وتجيء، هو فوقها وهي تأكل وتضحك وتتشاجر وتسكر، تخيل أن ينسى الناس وجوده وهو فوقهم، والناس تنسى نعم الله عليها رغم كونهم يعيشون فيها بالفعل فكيف لا ينسون الله ذاته، الله أجل وأعظم من أن يرضى لنفسه بهذا، من المنطقي ألا يرى الله عز وجل إلا من أحب وتمنى لقاءه، الذين كان الله في قلوبهم طوال حياتهم.
أخذت أفكر ما الذي يمكن أن يوصل لذلك الهدف، الله عز وجل أجاب: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، هو العمل الصالح، ليس البحث والتفكير ولا الحب القلبي، الله يريد منا دلائل تشهد يوم القيامة أننا أحببناه وبذلنا مجهودا كي نقابله، لربما شفع لنا ما في قلوبنا لكن لا يتساوى مع من كان حبا صادقا قويا فعلا لدرجة أن تحركاته في الحياة موجهة لمن يحب، مثلما أنت تحب حبيبتك وتهديها الورد وتفكر كيف تسعدها وتفاجئها وتضحي من أجلها. الله خالق الحب يعلم كيف يكون وما دلالة صدقه، لذلك أخبرنا في كل آية أن من يستحق جنته والقرب من عرشه العظيم هم (الذين آمنوا وعملوا الصالحات).
لست بحاجة أن أخبرك أن اندماجي في الكلام مع الله قد أنساني الخوف تماما٬ وحوله من إحساس مفزع أحاط بي إلى مجرد مخلوق آخر ليس بقادر أن يطفىء نور الله.
The post كيف تهزم الخوف في ٤ خطوات؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست