ما بين الانضواء تحت جناح السلطة والدخول في حرب مفتوحة معها مساحة واسعة تحتوي أنماطًا متنوعة من المعارضة لكل منها مسار بحسب طبيعتها ومنهجيتها. وبنظرة سطحية تظهر لنا أربعة أنماط رئيسية للمعارضة السياسية بشكل عام: الأيديولوجية، الموضوعية، الروتينية، الشكلية.
والمعارضة الشكلية أصيلة وذائعة في التركيبة السياسية المصرية، وأداؤها الركيك معتاد على المسرح السياسي المصري حيث المعارضة التي تزعق لتصم الآذان في المساحات التي تسمح بها السلطة ثم تسكت سكوت القبور في المواقف الكاشفة أو تظهر معدنها الحقيقي وتتحول إلى صف المصفقين للسلطة وقت الاصطفاف كمن صدعونا في عصر مبارك بشعارات رنانة حول الكرامة والحقوق الإنسانية، ثم صدعونا ثانية بسخافات المؤامرات الداخلية والدولية وسفالات الطعن في أعراض الناس والمزايدات الفارغة.
وإن كان لهؤلاء قدرة على التأثير في الرأي العام بالخداع وترويج الأكاذيب تجعل التصدي لكشفهم ضرورة إلا أن قدرتهم هذه مرتبطة بالمساحات الإعلامية التي يحتلونها والتي تقل يومًا بعد يوم بطبيعة الحال فلم نعد في الستينيات فلا أجد الانشغال بهم أولوية فكفى بهم لأنفسهم عدوًا.
وقريب من هذا النمط توجد المعارضة الروتينية والتي وإن كانت تتشابه مع الشكلية في “حجز” مقاعد المعارضة مزاحمة للأنماط الأخرى من المعارضين أحيانًا بدون استحقاق إلا أنها في أغلب الأحيان معارضة حقيقة وليست مصطنعة، وإن كانت في بعض الأحيان تظهر كأنها مجرد دفاع عن السمت والهوية السياسية وغاية نشاطاتها الظهور كمعارضة للنظام دون سلوك منهج واضح يظهر أهدافها وبلا اتخاذ خطوات فعالة في اتجاه تحقيقها باستبدال النظام الذي ترفضه بحسم، فكثيرًا ما ينظر لها كأداة للتنفيس وللإيهام بأن هناك مساحة حرية متاحة للمعارضة؛ مما يجعل هذا النمط يندرج تحت تصنيف المعارضة غير الفعالة على الرغم من دور هذا النمط الهام في إزكاء الرفض ومقاومة اعتياد الاستبداد وقدرة أفرادخ على التواصل مع فئات واسعة غير مرتبطة بأيديولوجية.
أما المعارضة الموضوعية ذات السلوك البراجماتي المستندة على أسس مصلحية طبقية وفئوية وعامة ويطلق عليها التوجه الإصلاحي فهي الأكثر مرونة وقدرة على التواصل الفعال مع السلطة (أيًّا ما كانت) والقوى الاجتماعية المختلفة وتجد دورها في دفع السلطة في اتجاه العمل الإصلاحي أكثر من محاولاتها إزاحتها واستبدالها ولكنها تواجه ضغوطًا متعددة وسهام النقد من الجميع بين الاتهام بموالاة السلطة من معارضيها والاتهام بالازدواجية والنفاق من مؤيديها، فلا هي تنجو من بطش السلطة ولا من ازدراء المعارضين.
بالإضافة لذلك يجد المنتمون لهذا النمط من المعارضة أنفسهم في حرج أخلاقي بالغ جراء تجاوز انتهاكات السلطة الحد الذي يمكن غض الطرف عنه، أو حتى عدم الوقوف عنده كعلامة فارقة تستدعي الاصطفاف فيجدون أنفسهم يتعرضون للضغوط الداخلية والخارجية والتي تؤدي بهم في كثير من الأحيان للانسحاب من المشهد السياسي برمته.
وأخيرًا فالنمط الأكثر شيوعًا والذي يعد قوام المعارضة المصرية المعارضة الأيديولوجية أو بالأحرى المبدئية حيث الصراع يتحول من صراع على مقاعد السلطة إلى صراع وجودي، فالتناقض المبدئي الحاد يغلق الباب أمام الحلول الوسط ويجعل هؤلاء المعارضين يرون مجرد استحسان فعل من أفعال السلطة خيانة مما يوقعهم في صدام مع المعارضين البراجماتيين من ناحية ومع قطاعات شعبية عريضة يصرون على أن يجعلوهم يختارون فسطاطًا وينحازون إليه انحيازًا تامًا.
وبينما يواجه المعارضون بشكل عام تحديات شتى، فالمعارضة المصرية في هذا الوقت تواجه بالإضافة لهذه التحديات تحديات أخرى متشابكة فرضها الواقع ويحدد التعامل معها بدرجة كبيرة المسارات التي يمكن أن تتخذها المعارضة المصرية ومآلاتها.
وبينما تكاد تنحصر التحديات التي تواجه المعارضة عامة في إشكاليات التنظيم والإستراتيجية في المدى الزمني القصير، يواجه المعارض المصري تراكمات إشكالات عدة تجعل تصوير الصراع السياسي بأنه مجرد صراع مع السلطة (حتى وإن تجاوز هذا التصور الأفراد إلى البنية السياسية ذاتها) غاية في السطحية.
فبداية تبدو فكرة المعارضة على أساس مجابهة الاستبداد في حين القبول بالاستبداد وازدراء الديمقراطية عاملًا مشتركًا بين السلطة وجناح كبير من معارضيها غير مستساغة، وازدراء الديمقراطية وحصرها في آلية الصندوق الانتخابي تارة والترويج أنها حكم الأغلبية السفيهة تارة أخرى واعتبارها من مقتضيات مرحلة الاستضعاف عند الإسلاميين خاصة، وإن لم يكن هذا حكرًا عليهم يمثل مفارقة تفسير الكثير من السلوكيات الشاذة للمعارضة بداية من تبادل أطرافها المزايدات البائسة والمعارك الكلامية المثيرة للإشفاق إلى الدعاوى غير العقلانية إلى التوحد بإزاء العدو المشترك “العسكر” بدلًا من الدعوة المنطقية التي لم تحدث أبدًا لميثاق للعمل السياسي في ظل التعددية يمثل أساسًا لعقد اجتماعي غاب عن الواقع المصري الذي خرج من عباءة الاحتلال لقبضة الاستبداد والنظرة إلى قوة التنظيم باعتبار قلة خلافاته الداخلية وضعف تأثيرها وليست بحسب قدرته على التواصل والتنسيق مع شرائح جماهيرية عريضة لا تتبنى أيديولوجيته.
وأخيرًا فذلك القبول بالاستبداد بل والتوق إليه أحيانًا كان عاملًا حاسمًا في استدعاء شرائح عريضة من عامة الشعب غير المؤدلجة للمؤسسة العسكرية لتحسم صراعًا وضعت القوة كمعيار له بدلًا من التوافق ووجدت فيه خطرًا على وحدة وطنها (بغض النظر عن صحة قناعات هذه الجموع الذي دفعتها للتحرك وقتها من عدمها).
وبينما ترى المعارضة أن خروج المؤسسة العسكرية من الميدان السياسي هو الحل يتغافلون عن حقيقة أنها أهم فاعل سياسي على الساحة، وفي تصريح مدير الكلية الحربية أن طلابه يعرفون أنهم قادة المستقبل من وزراء وسفراء ومحافظين ورؤساء جمهورية تعبير واضح عن الدور الذي تلعبه المؤسسة العسكرية في الواقع السياسي ليس اليوم فحسب بل ومستقبلًا حيث يكون أبناؤها هم أهل الثقة وممثلي (الدولة المصرية) شبه الحصريين في ازدراء تام لكل من على الساحة السياسية في ظل قبول القوى الاجتماعية الرجعية التي تقبل بالقيام بأدوار داعمة للمؤسسة مقابل إسباغها الحماية عليها وضمان مصالحها في ظل انعدام المنافسة الحقيقية على القيادة السياسية للمجتمع.
ومن الناحية التنظيمية تبدو الساحة السياسية المصرية خالية! وبينما النموذج الطبيعي أن تكون لقوى المعارضة علاقات وثيقة بفئات وطبقات هامة في المجتمع وظهير شعبي قوي تستند عليه تبدو التنظيمات الحزبية في مصر كسراب! ولا يجد أفراد المعارضة تنظيمات ملائمة لهم تجمعهم وتنظم أنشطتهم!
وفي ظل التباس الهوية الثقافية للمجتمع نشهد انهيارًا قيميًّا واسعًا تطل علينا الطائفية فيه كثعبان الهيدرا الأسطوري متعدد الرؤوس، وقد أضيف على الطائفية الدينية الطائفية المؤسسية والطائفية الطبقية والثقافية في نماذج جديدة ونادرة للسلوكيات الحادة في تطرفها وتعصبها.
وتبدو المعارضة المصرية في مفترق طرق تبعًا لموقفها من جملة بسيطة: لا يبدو في الأفق القريب إمكانية إحداث تغيير جذري في النظام القائم. فإما أن ترفض هذا العبارة ويستمر من يريد في نطح الجدار برؤوسهم على أمل إسقاطه. وإما أن تقبل وترسم إستراتيجياتها طويلة ومتوسطة الأمد على هذا الأساس، وتتراجع فكرة تقسيم المجتمع إلى فسطاطين متقابلين وما استتبعها إلى الاعتراف بضرورة قبول التعددية والاعتراف بالسلطة القائمة وضرورة التعامل معها.
ويتحول النشاط من التمركز حول الهجوم على السلطة إلى محاولة اقتناص إصلاحات، وتمهيد الطرق لتكوين نظام سياسي بديل بداية من التوصل لتفاهمات مع السلطة لضمان قسط من الحرية في العمل العام إلى التوجه لتغيير الثقافة السياسية السائدة، وتكوين التنظيمات، وفتح مساحات إعلامية وشعبية لكوادرها، والتصدي للإشكالات الطبقية والثقافية المعقدة التي جعلت المجتمع هشًّا في مواجهة أي نظام يستقوي عليه ويستطيع من خلالها تحريض شرائح من المجتمع على بعضها كما حدث مرارًا وتكرارًا.
أي اختصارًا العودة إلى تكتيكات وإستراتيجيات ما قبل يناير 2011، ولكن بعيون فتحتها آلام التجربة. وتبقى مسئولية المعارض في اتخاذ هذه الخطوة أو غيرها حسبما يرى، فليست المعارضة مجرد لعن السلطة القائمة فحسب، وحالة الجمود السلبي التي نعيشها لا تنتج إلا ضياع سنوات وفرص منا ومن مستقبل الأجيال القادمة.
The post مسارات المعارضة المصرية إالى أين appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست