يلعن الجميع الإرهاب، يسردون المبررات: تقصير أمني، تمويل خارجي، مؤامرة جديدة، الأمر لا يمت للإسلام بصلة، أتركهم وأشاهد الصور، مربكة صور الموتي، مربكة حد الوجع، السلطات تعلن أن العمليات الإرهابية نتيجة نجاح الضربات الأمنية، أترك كل هذا وأدندن «متحرموش الصادقين من صدقهم»، ترن الجملة في أذني كأني أسمعها لأول مرة، مشاهد تلوح أمام عيني مع كل حرف، استغاثة علي الحجار تأكيد أن قول الحقيقة بات ضرورة.
الحقيقة، تلك الجملة التي لم يستطع «محمود» نطقها وهو يُسأل: هل أحمد عرابي ثائر أم عاص؟ الحقيقة تساوي موته، المحكمة التي يتكون أعضاؤها من أتراك ومصريين خانوا وطنهم، محكمة لا ترحم ، الأمر عندها أبيض أو أسود، لا منطقة رمادية، ولا أنصاف للحلول، نطق عضو المحكمة كيف ترى عرابي، بصوت يرفض أن يخرج قال «عاص»، داسوا على الجرح أكثر ،حركة عرابي ثورة أم هوجة، أكمل محمود بنبرة صوت تشبه لحظات الوفاة، أو ربما وفاة حقًا «لم تكن ثورة .. كانت هوجة»!
قال كلماته ومشى، خرج مسخ يبحث عن ذاته، عن حلمه، صوت رفاقه الذين رفضوا الخضوع يرن في أذنه، كيف تحول إلى ناكر للحقيقة، عاش نصف جبان كما كتب بهاء طاهر ونطقها خالد النبوي في «واحة الغروب»، لم يكن الضابط الذي حارب الإنجليز يطمح في أكثر من قول الحقيقة، لن يثور أو يتمرد أو يخرب، ولن ينضم لجماعة إرهابية، لكن من حقه أن يقول الحقيقة، كبني آدم له الحق في الشعور بأنه موجود، الخوف يحولنا لمسخ، يخفي صوتنا، يُرعش أيادينا ويجعل الأرض تموج بنا، لا يمكن أن نكون مواطنين صالحين ونحن كاذبين، لا يمكن أن نحمى الوطن ونحن خائفين.
لم يكن حلم «محمود» سوى أن يقول كلمته ويمشي، أن لا يحولوه إلى مسخ، أن يظل قويًا، يحلم بالنصر ويرفض نبرة الهزيمة التي ترددت حوله فرحة بقدوم الإنجليز لاحتلال البلاد، كان بإمكانهم بعد هزيمة التل الكبير أن ينكلوا بمن شاءوا دون أن يسألوه، لهم ذلك، ولن يناقشهم أحد، لكنهم لم يريدوا ذلك، لابد أن يقتنع الجميع إنها لم تكن ثورة، لابد أن يقسم الجميع إنها «هوجة»، وأن ما حدث ما هو إلا تخريب في البلاد.
أرادوا كسره في مشهد تواطأ فيه الجميع دون أن يدروا، نبرات الهزيمة، دع الخلق للخالق، الحقيقة التي رفضها الكثيرون، الخيانة التي لم تصبح حكرًا على الكبار فقط، بل اشترك فيها الصغار، الكل ينفض من حوله وهو إنسان، يريد أن يعيش، يحب وطنه، لكن يحب الحياة، يتشبث بها حتى لو كانت فقيرة مملة مليئة بالقمع والقهر، لذلك قال لهم ما يريدون، نعم هوجة، قام بها مخربون، نعم عرابي عاص، وفيه كل الصفات التي تريدوني أن أقولها، قولوا ما شئتم وسأرددها وراءكم.
انتهى الأمر وقال ما يريدوه، ماذا كسبوا هم، أية منفعة جاءت لهم، وهي تحول الواحد تلو الآخر إلى مسخ، هل اطمأنوا إنهم بذلك قضوا على أية ثورة داخل أي نفس، ربما ظنوا هكذا إن تجاهلوا ما يمكن أن يفعله الحنق في قلوب المظلومين، على الأقل لن يمانعوا من التزام الصمت أمام كل الأحداث، مع كل تحرك سيتذكرون ذلك المشهد الذين اضطروا فيه إلى الكذب، سيتراجعون.
من يملك قول الحقيقة هو إنسان شريف، حتى لو كانت الحقيقة على عكس ما ترغب السلطة، وقتها سيعلنون آراءهم بعلانية، فلا يضطرون إلى العمل سرًا، سيرون الخطر، فيعلنون أن هناك خطرًا يهدد أمن البلاد، سيقدمون أرواحهم للوطن الذي لم يضن عليهم حين قالوا لا، ما عدا ذلك سيبقى «محمود» يردد «ليه حولتوني لنصف جبان».
The post محمود يكذب.. «متمنعوش الصادقين من صدقهم»! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست