لست وحدك يا ابن آدم من تجيد الهندسة وتتفنن في البنيان وتصمد أمام حوادث الدهر وتقلباته، فهناك مخلوقات قد تدوسها بأقدامك دون أن تشعر أو تراها، ترفرف بأجنحتها الصغيرة دون أن تعيرها اهتمامًا، لها ذوق هندسي بديع، أتقنته في تخوم الأرض، وعلى أغصان الأشجار، وفي جذوع النخل، وفي الجبال الصلدة والرمال الزاحفة، فلكل بيئة عندها تدابير تكفل لها الكرامة، تلك المخلوقات، فبالرغم من ضآلتها، إلا أنها تبحث عن الكرامة، وتجتهد لتضمن لنفسها قوتها وقوت عيالها، حتى لا تكون عالة على غيرها، فهل رأيتم أسراب النمل، وهي تغزو أكياس القمح وتنهب من حبّه معرضةً نفسها للدهس أو بمن يذروها بأطراف الأصابع، لتسقط على رأسها، فيُشجّ أو جنبها فتتعرض لتمزق عضلي أو التواء في المفاصل؟ وكأنها بذلك تقول: الموت ولا الدناءة، أو كأنها ثائرة ضد الظلم والحرمان وتمتثل قول الشاعر (سأحمل روحي على راحتي … وألقي بها في مهاوي الردى … فإما حياة تسر الصديق … وإما ممات يغيظ العدا) … سبحان الخالق، حتى تلك النملة الصغيرة تثور على واقعها، وتركب الخطر؛ لتعيش بكرامة، أو تموت في سبيل ذلك، إنها العزيمة والإصرار وعدم الخنوع للواقع البائس، إنها الروح المبادرة لتغيير الواقع المظلم، بالرغم من الأخطار المحدقة ونسب النجاح الضئيلة، كل تلك الصور تدعونا للتأمل والغوص في تلك المخلوقات لاستخراج معاني الحياة والنجاح والقيم الإنسانية أو الحيوانية!
لا تتعجبوا معشر القرّاء؛ فللحيوانات أيضًا قيم وأخلاق يفتقدها بعض البشر، ويكفي أننا أقررنا الوفاء للكلب، والشجاعة للأسد، والصبر والتّحمل للإبل!
سوف آخذكم الآن بعيدًا، وكما قال الدكتور علي الطنطاوي – رحمه الله – خير الحديث ما كان فوضى. هذه المرة لزيارة أحد اسطبلات الخيول العربية الأصيلة رأيت فيها العاديات كيف تضّبح وتعدو في قوة وكبرياء، ثم تعود لعنابرها وتمكث فيها لتعيد نفس الكرَّة يومًا بعد يوم، وسنة بعد سنة، إلى أن تشيب وتنهي مهمتها وترحل بصمت بعد أن ملأت الأرض رجّا، وقدحتها قدحًا، وشقّت صفوف الأعداء شقًّا، رأيت في أعينها الواسعة والبارزة انكسارًا وذلّة، وكأنها افتقدت أولئك الأبطال الذين انتزعوا بنواصيها المجد والعزة للإسلام والمسلمين … لم تعد تشعر بحرارة الإيمان، ولم تعد تسمع أصوات التكبير تجلجل في الأنحاء، ولم تعد تتخضب بدموع الخاشعين ودماء الشهداء الصادقين، وكأني بها تريد الحديث معي لتقول لي: أين أباؤكم وأجدادكم؟! ولماذا تخلّيتم عن المعالي ورضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟! لقد سئمنا ومللنا وتمنينا الموت لأن الرجال قد سبقونا واشتقنا إلى اللحاق بهم! نظرت إليها وقد أطرقت رأسها وغلبتها الدموع وانزوت بعيدًا تبكي حالها وحالنا.
إن لتلك المخلوقات إحساس ومشاعر، إنهم يحسنون الظنّ، بالرغم لما يتعرضون له من ظلم على أيدينا، فالنملة التي جاءت في قصة سليمان هي ممثل وناطق رسمي عن تلك المخلوقات، أبرزت جانبًا من أخلاقهم، وبرهنت أن تلك النقطة السوداء تحمل قلبًا أبيض وعقلًا رزينًا ومشاعر جياشة.
لقد لفت النبي الكريم أنظارنا لِهرَّة حُبست فلا هي أُطعمت ولا هي تُركت تأكل من خشاش الأرض، وقدّم الإحجام عن إطعامها على منعها من خشاش الأرض للدلالة على أن إطعام تلك الدواب مسؤوليتنا – وهذا ما فهمته شخصيًا – كما لفت انتباهنا لكلب سقته امرأة بغيّ من بني إسرائيل فكان سببًا لنجاتها، وفي ذلك إشعار أن نجاتهم سبب في نجاتنا والرحمة بهم سبب في رحمتنا، فعلاقتنا بهم علاقة طردية.
يقول جلّ شأنه: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ألا أمم أمثالكم. صدق الله العظيم.
The post صور وخواطر مع مخلوقات الله appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست