أمر صعب أن تعتمد على حلفائك الغربيين ، إنهم يجيدون التصريحات والالتفاف وراء خطابات رنانة و مبادئ سامية، ولكنهم أخيرا سيعملون وفق ما تمليه عليهم مصالحهم و مشاريعهم، دون مراعاة لأي قيم أخرى تعوق تحقيق الهدف.
لابد أن تركيا اليوم تجد نفسها في حصار سياسي؛ بسبب مواقفها من النظام السوري والمشاريع التقسيمية التي تسعى إليها كل من روسيا وإيران، طبعا بمباركة أمريكية غربية، ويتساءل البعض: هل قرار سحب الناتو لمنظومة الصواريخ باتريوت من على الحدود التركية السورية جاء فعلا بسبب تضاؤل خطر قصف تركيا بالصواريخ البالستية، أو أن الأمر له علاقة بالمعرفة المسبقة للتدخل الروسي في سوريا.
صحيح أن الولايات المتحدة والشركاء لا يضيعون فرصة، إلا ويذكرون فيها بالعلاقة القوية التي تربطهم بأنقرة، ولكنهم في مقابل ذلك لا يفعلون شيئا ، الرئيس التركي رجب طيب اردوغان انتقد في عديد المناسبات السياسة الغربية والأمريكية متهما إياها بالازدواجية والتنصل من واجباتها الإنسانية تجاه الشعب السوري، وحقه في الحرية و العيش الكريم، ولكن أوباما لا يبدوا أنه يستمع كثيرا للخطابات التي تحول بينها وبين المصالح الأمريكية في المنطقة.
تركيا تجد أنها تخسر كثيرا جراء سياساتها تجاه النظام في سوريا؛ فعلاقاتها مع روسيا وإن بدت أنها على ما يرام، ولكنها في الحقيقة تعاني من ركود بالرغم من المبادلات التجارية العالية بين البلدين، ويأتي التدخل الروسي في سوريا ليزيد من الطين بلة، ويضاعف قلق الأتراك من مستقبل المنطقة، و خاصة أن استمرار الفوضى على الحدود التركية يزيد من قوة الجماعات المناوئة للنظام التركي والجماعات المتطرفة بصفة عامة.
من يهتم ان استمرت الحرب في سوريا لخمس سنوات أو لعشرة سنوات أخرى، الكل مستفيد ولا يقع عليه ضرر مباشرة، لكن تركيا بالذات تستقبل ما يزيد عن 2 مليون لاجئ سوري، وتعاني انكماشا في المردود الاقتصادي، خاصة أن المبادلات التجارية بن تركيا وإيران والعراق وسوريا في السابق كان كبيرا، و الآن يبدو ان الصراع السياسي يجعل التعاون الاقتصادي صعبا ومعقدا للغاية، وحتى الحلفاء الجدد لأنقرة، ورغم ثقلهم في المنطقة، إلا أن مصابهم لا يقل عن مصاب أنقرة:
فالمملكة العربية السعودية تعاني من تقلبات حادة في المزاج السياسي الأمريكي، ولا تكاد تنتهي من حربها في اليمن على الحوثيين، بالإضافة إلى مشاكل داخلية متعلقة بالتنظيمات الإرهابية، وموسم الحجيج لهذا العام، والذي كان سيئا بكل المقاييس، والصراع المحتدم مع ايران، كل هذه المتغيرات جعلت الأتراك يركنون إلى الصمت في الكثير من الأحيان، بل إلى التراجع في مواقفهم السابقة من النظام السوري، الذي اتخذته القيادة التركية منذ بداية الثورة فاقدا للشرعية، ولكن الرئيس رجب طيب أردوغان عبر عن موقف متغير ومترنح: وهو أنه يمكن للأسد أن يكون جزء من الحل، وحتى في المواقف المتشددة تجاه النظام المصري، وفي لقاء مع قناة عربية أكد الرئيس التركي أن مشكلته مع الرئيس المصري مشكلة شخصية، فهو لن يطبع أبدا مع هذا النظام الانقلابي، ولكن الجزء المسكوت عنه هو: هل هذا دليل على إمكانية التطبيع الرسمي مع نظام عبد الفتاح السيسي.
من الواضح أن القيادة التركية بدأت تفكر جديا في ارتدادات مواقفها السابقة، وهل من المجدي أن تتعنت في سياساتها، و التي من المؤكد أنها تضر بمصلحة الشعب التركي، السياسات التركية في المنطقة لا يختلف اثنان أنها تنسجم مع الضمير الإنساني وتعبر عن مواقف الشعوب المظلومة، ولكننا في إطار نظام عالمي قذر يسوده قانون الغاب لا يمكن الصمود كثيرا وراء مواقفنا، خاصة ونحن مسئولون عن شعب يحتاج إلى العيش الكريم والتعليم الراقي والأمن و الاستقرار ، القيادة التركية مسئولة عن الشعب التركي، وهو الذي فوضها بذلك أما مواقفها الخارجية فهي مرتبطة بمصالح هذا الشعب.
لا شك أن التاريخ سينصف المواقف الشجاعة لتركيا ووقوفها الطويل مع الشعب السوري الذي يتكالب عليه الجميع في حين تخلى عن هذا الشعب أقرب المقربين.
The post وقفة مع المأزق التركي في سوريا appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست