عندما كنت في الثانوية من عمري وأثناء سماع خطبة الجمعة، ذكر الشيخ ذو الخمسين من عمره حديثا كنت قد قرأت من قبل أنه حديث ضعيف!
فبعد أن انتهينا من الصلاة ذهبت إلى هذا الشيخ؛ لأخبره أن الحديث الذي ذكره هو حديث ضعيف، وحرصت أن أكون مهذبا جدا معه، وأن أكلمه بيني وبينه حتى لا أسبب له حرجا بين الناس، وبالفعل فعلت ذلك، لكني فوجئت به يرفع صوته ويسمع من في المسجد أنه هو الذي على صواب وأني ما زلت صغيرا، ولم أصل إلى ما وصل إليه من علم.
قلت له: آتيك بالكتاب لنعلم من الأصوب، فصرخ في متهما مصدري بالضلال، فتدخل الناس ونصحوني بالمغادرة، فغادرت المسجد وأنا في قمة التعجب من ردة فعله، فقد كان من الممكن له أن يرفض نصيحتي فيما بيننا ولا يرفع صوته، ولكنه آثر أن يثبت أنه الفاهم العارف بأحكام الشرع، بالمقارنة بصغير السن.
ثم تمر السنون وبعد أشهر قليلة من ثورة يناير وأثناء عودتي من الجامعة كان يجلس بجانبي في وسيلة المواصلات رجل أيضا في الخمسين من عمره ، ودون أي مقدمات همس في أذني بهذه العبارة: “متعرفش إمتى هيوزعوا علينا الفلوس؟” سألته عن أي أموال تتحدث؟ قال لي:” الفلوس اللى اتهربت برة”! قلت له: أن مثل هذه الأموال لا تعود، وإن عادت فبالتأكيد لن توزع على الشعب وأن كل هذا هراء!
تعجب مني ومن ردي؛ فكيف له أن يصدقني ويكذب مصادره! فقد كانت جل وسائل الإعلام حينها تتحدث عن الأمر، بل تحسب قيمة ما سيتحصل عليه المواطن إن عادت مثل هذه الأموال إلينا.
نزلت من السيارة وأنا في قمة التعجب؛ أليس هذا الجيل هو من عارض الثورة من أول يوم، بدافع الوطنية، واتهمنا كشباب بتخريب الوطن؟ لماذا الآن يحسب نصيبه من أموال تم تهريبها على أيدي من عارض الثورة عليهم! بل يتشككون في كلامنا لا لشيء سوى صغر سننا بالنسبة إليهم.
مواقف أخرى أتعرض لها أنا وجيلي من الشباب، حين تجمعنا الأقدار وندخل في مناقشة لأمر ما مع شريحة كبيرة من هذا الجيل من مواليد 1965م وما قبلها ، حتى وإن كانت كل الأدلة المنطقية والحقائق المسلم بها معك، إلا أن خبرة هذا الرجل وشيبته كفيلة أن ترجح رأيه على رأينا، والذي في الغالب لا يعيره أي اهتمام؛ فهو لا ينظر إلينا، إلا على أننا ما زلنا ذلك الطفل الذي مهما تحصل من المعرفة أو الخبرة فلن يبلغ شيئا بجانب خبرته وفهمه، وبذلك فلا ضرورة لنا أن نطلب من أحدهم أن يقيم الدليل على رأيه أو أن يسأله عن مصادره! فقط تسمع وتسلم!
في الغالب أنا لا أهتم بمن يأخذ برأيي أو لا يأخذ به، فمهما كنت مقتنعا به فهو في الأول والآخر رأي يحتمل الصواب والخطأ، لكن ما يدفعني حقا للاستهجان والتعجب لماذا هذا التشابه الرهيب في هذا الجيل؟
لماذا جلهم عارض الثورة من أول يوم، وهم أيضا من وقف مع الثورة المضادة من أول يوم أيضا؟ إننا نعيش حالة من صراع الأجيال، لم تمر من قبل على هذا المجتمع، خصوصا بين جيل الأباء وجيل أبنائهم من جيل الثمانينات فصاعدا.
نظرة الآباء إلى أبنائهم تجد فيها صبغة من حزن وأسى على ما آل إليه أحوال أبنائهم، أو بتعبير أدق “ابني خرج عن طوعي”؛ فهو لم يدخل الكلية التي رسمها له أبوه، ولم يشغل الوظيفة التي حددها له، أو أنه لم يتزوج بابنة عمه، والتي يرى أنها الأنسب له دون غيرها على الاطلاق، أضف إلى ذلك إنفاقه على أشياء من وجهة نظر الأب لا تفيده في شيء، فلماذا ينفق على أشياء كـ”الكورسات” مثلا أو لم ينه دراسته ويحصل على الشهادة الجامعية؟
أليس من الأفضل أن يكون كأبيه ويسير على نفس خطاه؟ أضف إلى ذلك موجة الاتهامات التي يوجهها هؤلاء الآباء إلى أبنائهم، كأن يكون استخدام الإنترنت هو السبب في تغير أحوالهم، أو أن يصاحب أبناؤهم مجموعة من الفشلة، وأنه يقلد تقليدا أعمى بعض المشاهير.
لتجد أن الأبناء في هذه الحالة لا يجدون أفضل من الصمت؛ ليجتازوا بها موجة من الاتهامات أو النصائح أو التظاهر بالانبهار بتاريخ من البطولات، يرويها الآباء عن أنفسهم على أنها من الإنجازات إلا أنها الفشل، بل هي مستنقع الفشل.
فالآباء غير قادرين على مواكبة العصر، والأبناء لم يعايشوا الماضي ومن هنا يأتي الصراع. يقول ابن خلدون : “اعلم أن اختلافَ الأجيالِ في أحوالِهم، إنما هو باختلاف نِحلَتِهم من المعاش”: أي في طريقة عيشهم.
وما يؤكد كلام ابن خلدون أننا نلاحظ هذا التشابه الكبير في جيل الآباء، إن لم يكن كل منهم هو نسخة من الآخر، في جوانب كثيرة من الحياة والذي يختلف عن هذا التنوع الفكري عند جيل الأبناء.
فهذا الجيل والذي لم يجد سوى المدرسة الأميري في تعليمه، والتي لا بديل عنها سوى التعليم الأزهري مثلا ـ أنا أتحدث عن الغالبية وليس الكل بالتأكيد ـ والذي هدفه الأسمى بعد أن يكمل تعليمه الالتحاق بوظيفة حكومية والتدرج فيها حتى الوصول إلى سن المعاش، و صاحب مقولة: ” لو فاتك الميري اتمرمغ في ترابه”.
وتجد أن ارتباطه بالتليفزيون والصحف القومية شديدا جدا والتي لم تكن بالتنوع؛ لتسمح باختلاف كبير في الرؤى أو الأفكار، فهو من تعود أن يأخذ أخباره من هذه المصادر الرسمية، فمن خلالها يعلم بمواعيد الإجازات والعطل الرسمية، وأسعارالسلع، والدعم، ونسبة الزيادة في المعاشات، وتتلخص مشاهدته بصباح الخير يا مصر، وهذه المذيعة التي تخبره بالبرنامج اليومي على الشاشة، وأيضا مسلسل أو فيلم واحد يشاهده في ميعاد محدد، فبالتأكيد يختلف عن جيل تتنوع عنده المصادر بين إنترنت وقنوات فضائية وانفتاح على كل الثقافات.
حتى الشائعة عند هذا الجيل، كان يصعب نفيها حتى وإن لم تطابق العقل، بل إنها أحيانا تدخل في مراحل التطور، إلى أن تأتي شائعة أخرى تنسيهم سابقتها.
ولعل من أشهر هذه الشائعات تلك الشائعة: “عادل إمام معاه فلوس تسدد ديون مصر، ثم تتطور هذه الشائعة لتصل إلى عرض من عادل إمام”: فهو مستعد لسداد ديون مصر، ولكن بشرط أن توضع صورته على الجنيه المصري” وغيرها وغيرها من شائعات لو فكرنا فيها نجد أنها قد تصيبنا بالجنون .
ما ذكرته هو فقط مقدمة لتفسير أشياء لمسناها أثناء احتكاكنا بهذا الجيل، وأفضل شيء تفعله هو أن تسكت وتقول: حاضر ونعم، كنوع من التراضي الداخلي وتحقيق السلام النفسي مع الغير، وبعد ذلك تفعل ما يحلو لك . سيقال لك: “أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة”، قل آمين، حتى وإن كان الأمر غير خاضع للسن؛ فهو اختلاف في وجهات نظر، وكلنا يجتهد، وكلنا عنده وجهة نظر مختلفة عن غيره.
والأفضل من كل ذلك أن تتجنب الأماكن أو التجمعات التي يكثر أن يتواجد فيها هذا الجيل؛ حتى لا تشعر أنك غريب أو من كوكب آخر، ولو صادف أن تواجدت معهم فحاول ألا يشعر بك أحد أو أن تدخل في جدال مع أحد أو أن تكسر أو تتخطى العرف أو السلوك أو حتى بعض المفاهيم، إلا إذا كنت واثقا مما تفعل، وإلا فالعواقب لن تكون سليمة في الغالب.
ومن هذه الأماكن أو التجمعات: المسجد أو المصلى أو الزاوية الموجودة تحت بيت ما، في مكان ما، والتي تجد فيها رجلا كبيرا، ليس في سيرته الذاتية غير زبيبة على جبهته تدل على أنه الأقدم في هذا المسجد.
هو الإمام شئت أم أبيت حتى إن كان لا يحسن قراءة الفاتحة وقصار السور، من الصعب أن يتخلى عن الإمامة، إلا لشخص من نفس جيله أو أكبر منه بقليل كنوع من التوقير، في هذه الحالة لا تحاول أن تتصدر للإمامة؛ فأنت بذلك ستصبح من وجهة نظرهم “قليل الأدب”، بل تعديت حدودك معهم، حتى وإن كنت حاصلا على إجازة في القراءات العشر.
لا تحاول أن تستخدم الميكرفون، إلا بعد أن تستأذنه وتقنعه بالسبب الذي من أجله تنال به هذا الشرف، وتوقع في أي لحظة أنه سينهي حديثك؛ فهو يغلق الزاوية في ميعاد محدد، ولو فكرت أن تذهب للصلاة في زاوية أخرى، من الأفضل وأنت راجع ألا تمر من أمام زاويته؛ لأن ذلك سيزعجه جدا وسيرى أنك تفضل عليه منافسه في الزاوية الأخرى: فأبدًا لن ينسى لك ذلك وسيظل متخذا موقفا منك، ومن الممكن أن يوجه لك كلمات العتاب.
القهوة:
ستجد قهوة حوائطها يكسوها ” القيشاني” – نوع من أنواع السيراميك – هذه هي قهوة أصحاب المعاشات وشباب جيل السبعينات، فتجنب فيها أن تطلب أبسط المشروبات الموجودة في أردأ كافيهات الشباب؛ فالمشروبات فيها تقتصر على الشاي والقهوة والسحلب والحلبة الحصى، والحاجة الساقعة فيها اسبورت كولا، وطبعا الشيشة فيها معسل السلوم غير ذلك فأنت تضيع وقتك ووقتهم.
فلو أنك طلبت من “القهوجي” نسكافيه أو سحلب فواكه فكأنما تشتمه، حاول أن تجلس بعيدا عن أعين الجالسين؛ فأنت الوحيد الغريب عليها وتصرفاتك لابد وأن تكون محسوبة، ولو أنك تريد نصيحتي! فمن الأفضل ألا تمر عليها حتى وأنت في قمة احتياجك لدخول حمامها؛ لأنك لا تعرف الإتكيت الذي يمكنك من التعامل مع المعلم صاحب القهوة أو أعضائها العاملين، فاختصر على نفسك واذهب إلى غيرها.
في المدرجات:
لو أنك من عشاق تشجيع ناديك المفضل في الاستاد الزم مدرجات الدرجة الثالثة مع الأولتراس، ولا ترتكب خطأ وتجلس في أماكن ما فوق الأربعين، ولو تصادف وجلست معهم فلا تدخل معهم في نقاش كروي؛ لأن كل الأمثلة والشواهد الكروية والأهداف التاريخية عندهم فقط هي التي حدثت قبل أن تولد!
ولا تنس في هذه اللحظة أن تقف دقيقة حداد على أرواح شهداء هولندا بعد هدف مجدي عبد الغني في كأس العالم والذي كان على يمين الحارس، الهتاف طبعا: الأهلي حديد، والشعار: زمالك لعب وفن وهندسة، واللون: منجاوي يا اسمعلاوي، فاسمع ولا تركز إلى أن تصل إلى الدرجة الثالثة بسلام.
في العمل:
لو أنك ممن أكرمه الله بوظيفة حكومية والتي هي في الغالب عن طريق الواسطة ستلاحظ كلامي هذا بالتأكيد:
في البداية حاول أن تتحمل زملاءك ممن هم في سن والدك، أو زميلاتك ممن هن في سن والدتك، ولا تنس الكلمات المتفق عليها: حاضر ونعم، ولا تتعجب من كمية النفاق الذي ستجده بين موظف وآخر أعلى منه درجة، نعم فمادام هو أعلى منك بدرجة فهو الملهم الفاهم العارف بكل شيء حتى تستطيع أن تسير أمورك بشكل جيد.
حاول أيضا أن تأخد مضاد “إسفينات”؛ فإنك لن تستطيع حصرها، أضف إلى ذلك كمية الشكاوى وتصيد الأخطاء، وكلام يقال عليك في غيبتك، لا تتسرع في طلب المعلومات من أحدهم؛ فخبرة 25 سنة لا تتلخص في أحد الحوارات، فكن أذكى من ذلك ولا تتعجل فكل شيء يأتي في حينه، ولكل شخصية مدخلها، فادرس الشخصية أولا وانتق الوقت المناسب، ولا تنس: حاضر ونعم، ولن أنسى أن أوصيك بمدام فايزة لا تقاطعها وهي تخوض في سيرة زميلتها الغائبة؛ لأن ذلك ليس من أصول النميمة.
في المواصلات:
طوال ساعات العمل وأنت تتحمل أشياء يصعب تحملها فحاول أن تتحمل الساعة أو الساعتين التي ستقضيها في الطريق إلى أن تصل بيتك بسلام، سائق الأتوبيس أثناء القيادة يحب أن يشتم السائقين بسبب أو بدون سبب، فلا تتعجب من ذلك، حتى حين يكون هو المخطيء فلا تحاول أن تخطئه أو أن تعدل عليه أخطاءه المرورية؛ فهو سائق قبل أن تولد، والكمسري شاهد على ذلك.
أيضا تجنب الجلوس بجانب من هم في سن السيد الوالد، ولو اضطررت أن تجلس فتجنب الكلام في السياسة، فهل تصدقني إذا قلت لك: إن هناك فجوة تاريخية وعسكرية ومعلوماتية بينك وبينه، ستجده كما قلنا يصدق أخبار التلفاز، ولا تسأل عن مصدر معلوماته؛ فهي عنده من المسلمات، ولا تنس: هو أيضا يعيش على أمل الحصول على نصيبه من الأموال المهربة قبل الثورة، وأن حياته سوف تتغير للأفضل يحنها، لو استطعت أن تزيد عنده هذا الأمل فافعل فستترك عنده انطباعا جيدا، وسيتمنى أن لو كان كل الشباب مثلك، وإياك أن تنسى: حاضر ونعم؛ لتحقق سلامك الداخلي كما اتفقنا.
وأنت ذاهب للخطبة:
في البداية دعنا نتفق؛ لو أنك ممن يرفض أن يقول: حاضر ونعم، لمن يخالفه الرأي ففي هذا الموقف تحديدا ستقول: حاضر ونعم، دون أن أطلب منك ذلك، فلو لم تقل آمين لحماك أو حماتك فلمن تقول! دعك من حماك؛ فغالبا الأمر يتوقف على رضا حماتك، فاحرص أن ترضي طموحاتها.
فلو أنها قالت لك: رشدي أباظة كان فتى أحلامي، قل لها إن والدتك أيضا كان رشدي أباظة فتى لأحلامها، ولو قالت: إنها ربت ابنتها على الغالي، قل: طبعا، حتى وإن كنت تعرف المكان الذي كانت تخبيء فيه الأكل عن البنت دي، وحين تقول لك: “احنا بنشتري راجل” ، لا تنس أن تقول: ” وأنا كمان عاوزها بشنطة هدومها “، ومن الأفضل أن تقوم بتمثيل المشهد أكثر من مرة قبل أن تذهب؛ فمهم جدا الأداء الجيد فيه.
وأخيرا، أنا لم أقصد بكلامي هذا الانتقاص من جيل أبائي وأجدادي، بل هم على رأسي، لكن ما قصدته هو وضع بعض الخطوط تحت هذه الأشياء التي تعكر من صفو الحياة، والتي نحتاج فعلا أن نغيرها، ولكن بكل أدب واحترام، فلو لم يكن لهذا الجيل سوى أنه سبب في مجيئنا لكفى، ولكن على الله توكلنا، وهو خير معين على التغيير.
The post صراع أجيال أم خروج عن الطوع appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست