الأحد، 18 أكتوبر 2015

ثقفني اون لاين : رسالةٌ في الطريق إلى سلفيتنا (7) (رُؤَى نَقديَّة لواقع وتاريخ التيار الإسلامي كلِّه بُغْيةَ الخروج مِن أزمته الحالية)

تكلمنا في الحلقة السابقة من هذه السلسة عن المرض الثاني من أمراض التيار الإسلامي، ألا وهو (العجلة) (رابط المقال السابق)، وذكرنا فيه الوصفَ المَرَضي لهذا الداء المُتَجَذِّر في مناهج العمل الدعوي عند أبناء هذا التيار، ثم لَخَّصْنا أسبابَ انتشار هذا المرض بينهم، وبدأنا الحديث باستفاضة عن أعراضه، فذكرنا العرض الأول، وهو: الانشغال بالعبادات الظاهرة أكثر مِنْ العبادات الباطنة، أو بصيغةٍ أخرَى الاهتمام بالمظهر أكثر من الجوهر، وضربنا على ذلك أمثلةً واقعية عند فصائل شتى، من التبليغ وحتى الجهاد!

 

 

ويتواصل حديثنا عن أعراض هذا المرض الخبيث، فنذكر العرض الثاني من أعراضه، ألا وهو: الانشغال بحفظ وتحفيظ القرآن، دونَ تعلُّمه وتعليمه: وهذا العَرَض ـ خاصةً ـ تشترك فيه الأمة كلها لا (الإسلاميون) فقط.

 

 

وعلاقة ذلك بالعجلة كما يلي: إن عملية التحفيظ – ولا شك – أسهل من التعليم وأيسر، فهي لا تحتاج سوى مَنْ يُحْسِنُ القراءةَ بأحكام التجويد المعروفة؛ كَيْ يَنطقَ القرآن ويُلَقِّنَه غيرَه كما نَزَلَ، ويكرر ذلك مرات ومرات، حتى يحفظ الصبيُّ!

 

 

وهذا يَتوافَق مع عجلة المُحَفِّظ إلى فعل الخير، وهذه نِيَّةٌ حسنةٌ ولا شك، ولكنها لا تكفي ولا شك أيضًا!

 

 

بينما عملية التعليم تحتاج إلى مؤهلاتٍ أكثر بكثيرٍ من مجرد إتقان القراءة، وتحصيلُ هذه المؤهلات يَتَطلَّب زمنًا وجهدًا، وأَنَّى لنا بالصبر على تحصيلها؟

 

كما أن عملية التعليم تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرَيْن مع النَّشْء، وهذا – لِمَنْ لَمْ يُجَرِّب تعليم الصغار –  يحتاج حلمًا وأناةً وصدرًا واسعًا كالمُحيط، وأنَّى لنا بكل ذلك؟

 

 

هذا من ناحية المحفِّظ.

 

 

وأما من ناحية أهل الحافظ الصغير، فأكثرُهم يستعجل تَحفيظَ وَلَدِه أكبر قَدرٍ من القرآن؛ لأسبابٍ شَتَّى، ولا يشغلُ بالَه فَهْمُ هذا الصبي لما يحفظُ مِنْ عدمه، ونِيَّتُه هو الآخر حسنةٌ ولا شك، ولكنها – أيضًا – لا تكفي ولا شك!

 

 

وهنا ضاع الصبيُّ بين عجلة أبوَيْه وعجلة مُحفِّظه! فَلَكَ اللهُ يا وَلَدِي! إذا تَقَرَّرَ هذا، فَدَعْني أفْاجَئك بحقيقةٍ صادمةٍ: إن النَّاظِرَ المُدقِّقَ في أدلَّة الوَحْيَيْن لا يجد أي دليلٍ على استحباب (حفظ) القرآن [اسْتِقْلالاً]، ولا حَثًّا عليه، ولا أنَّ فيه ثوابًا مخصوصًا! أبدًا!

 

 

وإنما الحثُّ أو الثواب يكون على القراءة والتَّدَبُّر والتعلم والعمل، قال الله سبحانه: “أَفَلا يَتَدَّبَرُونَ القُرْآنَ”. (النساء 82) و(محمد 24).

 

 

وقال صلى الله عليه وسلم: “خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه”. (أخرجه الشيخان) وما أروعَ ما نقله الإمام ابن القيم – رحمه الله – عن بعض السلف، قال: “نَزلَ القرآنُ لِيُعْمَل به، فاتَّخَذُوا تِلاوتَه عملاً! ولهذا كان أهلُ القرآن هم العالِمون به، والعامِلون بما فيه، وإن لم يَحْفَظُوه عن ظَهْرِ قلبٍ، وأما مَنْ حفظه ولم يَفْهَمْه ولم يعملْ بما فيه، فليس مِنْ أهله، وإِنْ أَقَامَ حُروفَه إقامةَ السَّهم”.

 

 

قال ابن القيم بعدها: “قالوا: ولأن الإِيمان أفضلُ الأعمال، وفهمُ القرآن وتَدَبُّرُه هو الذي يُثْمِرُ الإِيمانَ، وأما مُجَرَّدُ التِّلاوة من غير فَهْمٍ ولا تَدَبُّرٍ، فيفعلُها البَرُّ والفاجِرُ، والمؤمن والمنافق، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “… ومَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقرَأُ الْقُرْانَ، كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وطَعْمُهَا مُرٌّ…”. (زاد المعاد في هدي خير العباد، ج 1 ص 338)، وخُذْ على ذلك مثالاً، يوضح المعنى الذي أريد تقريره ها هنا:

 

 

رجلان أحدهما قاطعٌ لرحمه، مُؤْذٍ لجيرانه، غاشٌ في بيعه، وهو مع ذلك كله وزيادةٍ، حافظٌ متقنٌ للقرآن بالعشر القراءات! والآخر واصلٌ لرَحِمِه، رفيقٌ بجيرانه، أمينٌ في بيعه، وهو مع ذلك كله وزيادةٍ، لا يحفظ من القرآن سوى ما تَصِحُّ به صلاته! فأيُّهما من أهل القرآن يا عقلاءَ الناس؟

 

 

إن الأمة لا تحتاج حُفَّاظًا للقرآن! فالقرآن محفوظٌ بحفظ الله له، قال الله سبحانه: “إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُون” (الحجر 9).

 

 

ولكنَّ الأمة تحتاج رجالاً خُلُقُهُم القرآن، علمًا وعملاً!

 

هل مَدَحَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحدًا من الصحابة يومًا لحفظه القرآن وإتقانه للمتشابهات؟

بل هل وُصِفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، إلا بأنه كان قرآنًا يمشي على الأرض، وكان خُلُقُه القرآن؟

 

 

أضفْ إلى ما سبق أنَّ الحفظ مَوْهِبةٌ جِبِلِّيَّةٌ، يُعْطَاهَا ناسٌ ويُحْرَمُ منها آخرون، بينما التَّدبر والعلم والعمل بذلٌ وجهدٌ. وأَزِيدُك:

 

 

لما هَمَّ أبوبكر الصديق رضي الله عنه بجَمْع القرآن أرسل إلى زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه، وقال له: إنك شابٌ، عاقلٌ، لا نَتَّهِمُك، قد كنتَ تكتبُ الوحْيَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فَتَتَّبَعْ القرآنَ، فاجْمَعْه. (أخرجه البخاري)، يا الله!

 

 

انظر! لم يَقُل: إنك أكثرُنا حفظًا لكتاب الله. بل لم يقلْ للناس: ائتُونِي بالحُفَّاظ، ولكنه طلبَ (شابًا)، (عاقلاً)، (غيرَ مُتَّهَمٍ)، (كان يكتب القرآنَ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم). فانظرْ ماذا قدَّم كَمِعْيَارٍ للاختيار لهذه المهمة الثقيلة!

 

 

هذا هو المعيار يا سادة يا كرام، معيار الكفاءة والعقل والبعد عن النَّقائص!

 

 

لقد تغيرت المعاييرُ كثيرًا في زماننا هذا للأسف! فصِرْنا نَجْهَدُ في الحفظ والتحفيظ، وأهملنا العلم والتعليم؛ نملأُ أَدْمِغَةَ الصِّبْية بالكلام مجرَّدًا عن معانيه، ولا نملأ نفوسَهم وقلوبَهم بالفهم والتدبر لتلكم المعاني العظيمة، فما الذي ستستفيده الأمة بكثرة الحفاظ، دونما خلقٍ راقٍ ومعاملاتٍ قويمةٍ؟

 

 

إننا بتحفيظنا القرآن للصبي سَيئ الخُلُق دونما تزكيةٍ وتربيةٍ له، فقد جَنَيْنَا عليه وعلى الناس!

نعم!

 

 

جَنَيْنا عليه؛ لأنه لِسُوء خُلُقه سيسْتغلُّ القرآن ليُبَرِّرَ فسادَه، وسيعتقد زُورًا وبُهتانًا أنه على خيرٍ طالما أنه يحفظ القرآن، ويُتْقنُ المتشابهات، ويُكَرَّمُ في كل مكان يذهب إليه لما في صدره من كلام الله!

 

 

 

وجَنَيْنا على الناس الذين سيغشُّهم حفظُه للقرآن وشهاداتُ تكريمه، فيُحسنون الظن في غير موضعه، ثم – بعد ما وَثَقُوا به وأَوْلَوْه رعايتَهم واهتمامَهم – إذا بهم تَفْاجئهم الحقيقةُ المُرة!

 

 

إذا تقرر هذا، فابْكِ معي على أموال المسلمين وأوقاتهم التي تُنْفَقُ هَباءً على أمرٍ لمْ يَرِدْ في الشرع مأمورًا به [اسْتِقْلالاً]، ولا له ثوابٌ مخصوصٌ، بل هو هِبَةٌ جِبِلِّيَةٌ لا يَدَ للإنسان فيها أصلاً!

 

 

ولا يَظُنَّنَّ ظَانٌ أنني أرفضُ تحفيظَ الصِّبْيةِ القرآن، أو أنني أرفض تكريمَ الحفَّاظ، فهذا لم يَدُرْ بِخَلَدِي قطُّ، وأنا لا زلتُ إلى يومي هذا أُحَفِّظُ الصبيةَ القرآن، ولكن على الطريقة التي أعتقدها صوابًا، لا كما هو مشْتَهِرٌ في المساجد والكتاتيب، ومن يعرفُني يعرفُ ذلك عني، فالتحفيظ عندي خُطوةٌ ثانيةٌ – أو مُصاحِبةٌ – للخطوة الأَوْلَى والأهم، ألا وهي التَّزْكية والتربية.

 

 

فلْيكُن تكريمُنا على بذل الوقت والجهد في تعلُّم كلام الله وحفظه، بدلاً من إهْداره فيما لا يفيد، هكذا يكون للتكريم معنىً حقٌ.

 

 

وفي ذات الوقت لا يُحْرَمُ النُّبَهاءُ – من أصحاب الخُلق القويم والأدب الرفيع – من التكريم لمجرد أنهم لم يُرْزَقُوا حافظةً قويةً كأقرانهم، هذا هوالعدل!

 

 

 

العَرَض الثالث: كثرةُ المُتَفَلِّتِين (المُنْتَكِسِين):

ولهذا العَرَض حديثٌ مؤلمٌ أشدَّ الإيلام، أُشْفِقُ عليك منه قارئي العزيز، وله أسبابٌ كثيرةٌ، من أهمها العجلة – التي نحن بصدد ذِكْرِ أعراضها – فسأذكر هنا ما يتعلق بها، أما الباقي فلعل له مقامًا آخر.

 

 

 

إن كثرة أعداد الذين يتفلَّتون أو (ينتكسون)، وفي بعض الأحيان ينقَلِبون، تعود – غالبًا – إلى تَعَجُّل الصدام مع المجتمع المخالف، فبسبب العَرَض الأول (الانشغال بالمظهر أكثر من الجوهر) يصطدم التابعُ – الذي تغيَّر ظاهرُه سريعًا، ولَمَّا تَتَهَذَّبْ نفسُه وتُقَوَّمْ أخلاقُه – مع المخالفين له، الذين يبدءون في السخرية منه تارةً، وفي محاربته تارةً، وفي مجادلته تاراتٍ أخرى.

 

 

 

ولما كانت نفسُه لا تزال رواسب الماضي متعلقةً بها، ولما كان قلبه لا يزال متعلقًا بحب الدنيا وشهواتها – مما يتعارض مع ظاهره الذي تغير سريعًا – كان لا بُدَّ هنا من الصراع الداخلي، بينه وبين نفسه، والخارجي، بينه وبين المخالفين، والمُوَفَّقُ هنا من وَفَّقه الله، والمعصومُ من عَصَمَه الله.

 

ولكن جُعْبَتِي الشخصية – وأنا فردٌ واحدٌ – مَلْأَى بالمتفلتين والمنقلبين، بل الأخطر منهما، الثابتين ظاهريًا فقط!

 

 

 

في اللقاء القادم نتناول الحديث عن العرض الأخير من أعراض مرض العجلة، ونستعرض أهم طرق علاجه من وجهة نظرنا، فتابعونا.

The post رسالةٌ في الطريق إلى سلفيتنا (7) (رُؤَى نَقديَّة لواقع وتاريخ التيار الإسلامي كلِّه بُغْيةَ الخروج مِن أزمته الحالية) appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست