الخميس، 15 أكتوبر 2015

ثقفني اون لاين : إبراهيم ذلك الذي يُؤمن!

 

يُشبِّه كيركجارد إحساس النبي بإحساس المُهرِّج الذي يصعد إلى خشبة المسرح ذات يومٍ ؛ ليُبهجَ الجماهير، فإذا به يرى نارًا تَشتَعل من ورائهم، فيصرُخ فيهم ليهربوا، وكلما عَلَت صرخاته عَلَت ضحكاتهم وازدادوا بهجة وسرورا. يريد كيركجارد أن يخبرنا في حضرة هذا المشهد البانورامي أن مفارقةً مأساوية تحدث هنا، وهي أننا ننظر “إلى” الأنبياء ولكن أحد منَّا لا يستطيع النظر “فيهم”.

 

ما يتراءى في أفق النبي “نحن” و”الكارثة”، وما يتراءى في أفقنا “نبي بلا نبوة”! عَالَمان بينهما بَرْزَخٌ لا يبغيان؛ الأوَّل يَعجُّ بآلام الكارثة التي توشك أن تحل وآمال الإنقاذ التي ما تلبث أن تتبدد في صورة يأس فور عبورها إلى الدَّفة الأخرى من العالَم (عالم الجماهير “قوم النبي”) ذلك الذي لا يعدو كونه استجابة شكليَّة فقيرة لمتطلبات التَّمثيل.
ثمَّة انكسار هائل يَحدث في طبيعة الرِّسالة عند انتقالها من مقام “النبوة” إلى مقام “الدَّعوة”، “الصَّرخات” تؤول إلى “ضَحِكَات”، “المَوَاجِع” و”الفَوَاجِع” تَصِير “مَبَاهِجَ” و”مَسَرَّات”. يمر الزمن، يموت النَّبي، تعيش أُمَّته زمن ما بعد النبي، تختفي التَّجربة الغضَّة الأُولى بكلِّ ما تحمل من براءةٍ وحيويَّةٍ. فلا نَبيَّ (مُهرج) ولا قوم نبي (جمهور)، ولا مسرح ولا حريق (واقع). فقط ما تبقى هو “قِصَّة”!

 

هذا “التخفُّف الوجودي” من أثقال المادة (“نبي” و”قوم نبي” و”حدث” و”حادث”) الذي آل إلى حكاية (“حديث”) هو ضرب من ضروب النِّسيان، والموت، يحمله لنا الزمن بطيِّ وابتلاع كل زخم وامتلاء وحيوية صاحبت التجربة في بدايتها. كيف إذن يمكن أن نقيم تواصلًا مع بشارة أو نذير لم يتبق منهما سوى قِصَّة؟ قد يكون في “الإيمان” حل لهذه الشيفرة!

 

قد يكون “التَدَيُّن” تملُّكًا عامًا في التاريخ والاجتماع والسياسة والحضارة. كثيرون يتديَّنون بدين ما، قليلون هم المؤمنون.

 

“المُتديِّن” يَرثُ دينه وراثةً كَسُولة، يتعكَّز تعكزًا العاجز على أرشيف الذَّاكرة. ليُرَقِّع كل ثُقب وقطع في ثوبه البالي وتَرِكَته الغابرة. لكن للمُفارقة لا يتحقَّق “الإيمان” إلاَّ بضرب من النسيان (وهنا ينبغي أن نُقِيم نفيًا إزاء كل استباق منطقي “آلي” يُدخلنا في عُقم فهم النسيان كتضاد مع الذاكرة)، النِّسيان هُنا هو ممارسة قْصوى لفَنّ من فُنون التَّذكُّر، فَنُّ الذَّهاب إلى أبعد نُقطة ممكنة عن الذَّاكرة، للتحرر من ضجيجها وصخبها بالتمرُّن على الصَّمِّ عنها، وبعثرة أنساقها المُتكوِّمة كالأنقاض تمامًا كجُثَّة بلا روح، من أجل مواصلة الانتماء الهادئ إليها (أي الذاكرة) مرَّة أخرى ضمن فضاء من الصَّمت الذي لا يكون الحديث فيه إلا مونولوجًا لا تحوز “الذات” فيه، إلا أصالتها الإنسانية العميقة.

النسيان نوع من تخمير الذاكرة، استئناف مُمْكِنَاتها النَّوعية في آفاق أخرى غير التي سارت فيها قبلُ. الإيمان ضرب من ضروب الفروسيَّة (بتشبيه كيركجاردي)، بكل ما تحمل هذه الكلمة من دلالة على ضَراوة الإقدام ومرارة الوحدة، تلك البطولة المأساويَّة تشبه في أصالتها التجربة النفسية لكل نبي تحمَّل مشقَّة وقوفه على الحافَّة ليس من أجل الإلقاء بنفسه في العدم، بل من أجل تأمين مخاض روحي جديد للبشرية أو على الأقل استئنافه من بعد عثرة.

 

لا وجود إذن لإيمانٍ موروث. الإيمان رحلة ذاتيَّة تبدأ من الأعماق، من حالة العماء الأولى، لحظة الخلق الأزلية. يمكننا تخيُّل وجود لحظة الخلق السديميَّة للكون أو حتى لحظة الميلاد الهشة لأنفسنا. ما يميز هذه اللحظات أنها أسطوريَّة إلى حد اللَّعنة (بمعنى أنها تُعيد إنتاج نفسها بشكل دائري)، فـ”الميلاد المائي” ليس حدثًا كونيًا فريدًا وقع مرَّة واحدة في الأزل فحسب، (هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء) (هود:7)،

 

(في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلْمة، ورُوحُ الله يَرِفُّ على وَجْهِ الْمِيَاهِ). (التكوين 1:1-5).

 

لكنه أيضًا حدث رحمي متكرر لا يكُفُّ عن التَّوالُد، ففي كل لحظة مخاض يُفارق الجنين الرحم (عالمه المائي). بهذا المعنى الكون في انفتاح وخلق مستمر. ويمكننا أن نشير هنا إلى طرافة قول النبي قُبيل بَدر “نحن من ماء” كنوع من الإقرار الوجودي السابق على أي معطى أخلاقي. لكن أي وعي لبشريتنا في تلك اللحظات سواء “الكونية الأزليَّة” أو “الرحميَّة الجنينيَّة” يمكننا أن ندَّعي تملُّكه ليكون صالحًا للإيمان.

 

المفارقة أن مجرَّد الوعي بتلك اللحظة الصفرية المُتخيَّلة لا يكون قد تَشَكَّل إلا بعد أن كدَّر التَّاريخ صفو الأسطورة، ولوَّثت الخبرة نقاء البراءة، وجفَّت طينة الإنسان فأصبحت فخَّارًا. وهذا يعني أن رحلة الإيمان لا تكون إلا “استرجاعيَّة”.

 

لا يمكننا إذن أن نتحمل مشقَّة هذه الرّجوع القهقري، إلا بالتخفف الوجودي من أثقال أرشيف الذَّاكرة، وممارسة النسيان، والقدرة على احتمال الوحدة، ونقض غزل اعتمال الزمن فينا مع الاحتفاظ بخيطه المُنقضِّ الممتد على طول الطريق الوَعِر. وتلك حكاية النبي إبراهيم!

 

إبراهيم هو ذلك الصابئيُّ الذي عاش قبل أربعين قرنًا تقريبًا، والذي تُخبرنا أسطورته أنَّه خرج على تقاليد الصابئة الوثنيَّة التي تؤمن بالأصنام والنُّجوم كوسائط روحية بين “البشر” وبين “الله”؛ لينحو منحى الصابئة الحنيفية (أحد أول أشكال التوحيد) التي تؤمن بوساطة “البشر” (الأنبياء) بين “البشر” وبين “الله”. ما يميز التجربة الإيمانية الإبراهيمية المارقة عن دين الآباء والأجداد أمران:

 

الأمر الأول وقوع التجربة قبل الوحي، ولذلك دلالة وأية دلالة! فقد قُدِّر للقلق والحيرة أن يَجِدا طريقهما إلى قلب إبراهيم قبل يجده الوحي، أراد إبراهيم أن يؤمن دون أن يعلم بَعْدُ أنَّه سَيَتَنَبَّى (سيصبح نبيًّا). إبراهيم الإنسان وليس إبراهيم النبي هو الذي شكك في معبودات آبائه، هو الذي خاض غمار البحث عن “الله/ المطلق” دون اتكاء كسول على أرشيف الذاكرة أو انتظار خَلاصي للوحي.

 

يمكن لتجربة إبراهيم (ما قبل النبي) وكل تجربة نبي لم يدخل بعد في أفق النبوة، يمكنها أن تفتح لنا آفاقا إنسانية رحبة بحقل فينومينولوجيا الأديان، أبرز هذه الآفاق وأشدها ارتباطًا بموضوعنا هو فكرة الإيمان كممارسة روحيَّة إنسانيَّة قُصوى تقف على عتبة النُّبوة. فلا نبوَّة بلا إيمان، ولا نبي بلا إنسان.

 

الأمر الثاني هو مفارقة التجربة واحتمالها التناقض، فإبراهيم لا يكاد يُقِيْمُ ضمن أفق روحي ما حتى يعتزله ويتنكر له ليقيم في غيره (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78)) (الأنعام “76:78”).

 

هذا التنقُّل الرَّشيق بين دروب الإرث الروحي القائم لا يتأتى إلا بضرب من الخِفَّة الروحية والقلق الوجودي اللهَّاب الذي لم يخمد حتى عند إقامة إبراهيم في أفق التَّوحيد عندما سأل ربه (أرني كيف تحيي الموتى)، ولم يمنعه قول ربه (أولم تؤمن) من الاستمرار في اختبار حقيقة صوت الوحي بداخله (قال بَلى ولكن ليطمئن قلبي).

إن قراءة رهيفة لعبارة النبي محمد الأثيرة “ذلك هو محض الإيمان” في الرد على سائليه الذين وجدوا في أنفسهم ما يستعظمون ذكره على الملأ، توحي بأن الإيمان الخالص مغامرة، وقوف على الحافَّة، قلب وقَّاد مُستعِر.

 

وهنا إذا استعرنا عبارة موريس بلانشو مع قليل من التَّحريف يمكننا القول: “إننا لا (نُلحد) إطلاقًا، لا لغياب الإلحاد، بل لأن الإلحاد هو دائمًا غير كافٍ”. إذن مفارقة الإيمان أنه لا يطالبنا بنفي الإلحاد، بل بالقول فقط إنه غير كافٍ، وأن محض الإيمان لا يكون إلا بتجرُّع مرارة أمصال الإلحاد.

 

إن مأزق فهمنا المعاصر للإيمان، هو اعتمادنا لذلك البرنامج الجاهز والمُعد سلفًا قبل أي عملية استدعاء لمفهوم الإيمان، وهو البرنامج الذي يُطرح فيه الإيمان دائمًا كقضيَّة “تصديق” وحسم. هنا الإيمان أقرب لجنين ميت غادر العالم قبل أن يلج إليه أو رضيع هزيل بلا أية مناعة. ربما قد تساعد المُقاربات الفنيَّة والجمالية هنا في تجاوز هذا المأزق. ماذا لو أردنا أن نرسم لوحة فنيَّة أخرى للإيمان يكون فيها؛ هَيُولًا بلا أي قالب، انفتاح لا نهائي على العالم، تطلٌّع وترقِّي، شَغَفُ سؤال، ورِهان فِعْل؟

The post إبراهيم ذلك الذي يُؤمن! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست