منذ احتلال فلسطين عام 1948م عملت الأحزاب والتنظيمات الفلسطينية السياسية على رفع شعار تحرير فلسطين، وجعله كعقيدة سياسية وقتالية وثابت وطني إسلامي سيُنجز ويجب أن يُنجز، لكن ومع مرور الوقت تراجع هذا الشعار عند بعض الأحزاب وربما انكمش نهائيًّا حتى وصل لرفض المقاومة المسلحة والإيمان بأن عدو الأمس يمكن أن يصبح جار الغد لو مَنح لنا بعض التسهيلات، وإذا لم يمنح سنحاربه بالورود والسلمية.
هذا التراجع يفسره البعض لقوة الاحتلال وترسانته العسكرية ومن خلفها نفوذه الدولي والسياسي الداعم، والذي يمنع تحقيق أي نصر عسكري في أي مواجهة حسب ظنهم، ويفسره البعض بنظرية الجيش الذي لا يُقهر، والتي خلقت من سلسلة هزائم مُنيت بها الدول العربية وبعض التنظيمات السياسية في محطاتٍ من الزمن.
وأمام هذا الواقع ظهرت بعض الأحزاب ذات المنطلق الديني لتُعيد إحياء ثابت التحرير والعمل على غرسه في عقول ونفوس المجتمع الفلسطيني، وفي أوساط الشباب خاصة، وحتى فترة قريبة كان هذا المفهوم الكبير مجرد فكرة لدى البعض ووهم في نظر آخرين، ولم يكن لها رصيد عملي على الأرض أو في موازين القوى العسكرية والسياسية نتيجة بعض الأمور التي سنوضحها في هذا المقال.
حرب عام 2014
الحرب الثالثة عام 2014 على غزة حولت فعليًّا مفهوم التحرير من فكرة نظرية قائمة على الغيبيات إلى واقع ممكن تحقيقه، والإيمان بهذا الأمر أصبح لدى جميع سكان قطاع غزة بل شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية.
فلأول مرة منذ بدء الصراع مع الاحتلال تحدث مواجهة حقيقة ومباشرة بين جيش الاحتلال والمقاومة الفلسطينية وعلى أرض واسعة وتكون حصيلتها خسائر كبيرة في صفوف جنود العدو.
وفي الحرب الأخيرة تمكنت المقاومة ولأول مرة من استخدام تكتيك الاقتحام خلف خطوط العدو وهو ما عرف إعلاميًّا “الإنزال خلف خطوط العدو” أو المواجهة من نقطة “الصفر”، كما وتمكنت من إرسال مجموعات كاملة لتنفيذ مهامها خلف السياج الفاصل، وإحداث خسائر كبيرة في صفوف قوات الاحتلال وفي أغلب العمليات عادت تلك المجموعات لقواعدها بسلام.
أما في الحربين الأولى “حرب 2008″، والثانية “حرب 2012″، فلم تشهد أي عمليات خلف السياج الفاصل، بل والعمليات الاستشهادية التي كانت تنفذ قبيل الانسحاب من غزة اقتصرت على عدد قليل من المنفذين، في أكبرها لم تتجاوز الأربعة أشخاص، وفي الغالب لا يعود منهم أحد باستثناء عملية خطف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.
أما الحرب الأخيرة ولأول مرة منذ عام 2006 يسقط هذا العدد الكبير من القتلى من جنود الاحتلال، إلى جانب عدم تمكن الاحتلال من التقدم داخل قطاع غزة أكثر من كيلوين بخلاف الحرب الأولى رغم استمرارها لأكثر من 50 يومًا.
النزوح المشترك
في كل عدوان أو تصعيد كان يشنه الاحتلال على قطاع غزة كان يُرغم الكثير من المدنيين في القطاع إلى النزوح للمناطق الداخلية، وعلى الجهة المقابلة لم يكن ينزح من سكان الكيان إلا العدد القليل ومن القاطنين في المناطق المتاخمة للقطاع، ومن هم في مدى إطلاق الصواريخ التي لم يتجاوز مداها في الحرب الأولى 40 كليو.
أما في الحرب الأخيرة، فكان النزوح مشترك حيث أجبرت كثافة النيران من قبل المقاومة والعمليات خلف الخطوط على نزوح أغلب سكان المستوطنات القريبة من القطاع وسكان الجنوب، وهو ما قدر بنصف مليون نازح هربوا باتجاه تل أبيب وشمال فلسطين المحتلة، وإجبار أكثر من نصف سكان الكيان للهروب والمكوث في الملاجئ وأماكن الإيواء، حيث وصلت صواريخ المقاومة لمدى 160 كليو، وبالتحديد لمدينة حيفا المحتلة.
التوثيق والإصابة المباشرة الظاهرة
في الحرب الأولى والثانية على غزة لم تتجاوز العمليات المصورة والموثقة التي تظهر الإصابة المباشرة والخسائر في صفوف الاحتلال سوى أصابع اليد الواحدة، أما الحرب الثالثة فلم يكد يمر يوم إلا وتعرض هذه العمليات، وفي جميعها تظهر الإصابة المباشرة، ولعل أقوها هي عملية “ناحل عوز”.
الإعلام المقاوم
ولا نقصد بهذا العنوان الإعلام التابع للفصائل المقاومة الفلسطينية، بل التكتيك الإعلامي الذي تنتهجه المقاومة الفلسطينية، والذي فرض على كثير من وسائل الإعلام التعامل مع المقاومة كمصدر ثقة وسريع للمعلومات.
ووصل الأمر لفقدان المجتمع الإسرائيلي الثقة بإعلامه الموجه من قبل قيادة الجبهة الداخلية للكيان والخاضع للرقابة العسكرية، وعلى عكس إعلام المقاومة الذي أثبت مصداقيته وخير دليلٍ: عملية “زيكيم” وموقع أبو “مطيبق” وناحل عوز التي أثبت التصوير كذب رواية الاحتلال، مما جعل إحدى المستوطنات الإسرائيليات تقول لإحدى القيادات العسكرية الإسرائيلية أنا لن أعود لبيتي إلا بأمر من القسام!!
أسفل القدم
وفي النقطة الأخيرة هي كسر هيبة الجندي الإسرائيلي وأسلحته التي تفاخر بها طويلاً وروج من خلالها بأنه جيش لا يقهر، فلأول مرة تظهر مقاطع فيديو لأحد أفراد المقاومة وهو يضع جندي أسفل قدمه والتي لم تحدث من قبل أقصد “التوثيق بالفيديو”، وهذه بالذات خلقت قناعة لدى الكثيرين بأن جيش الاحتلال “كرتوني” ويمكن مواجهته والتغلب عليه.
كل ما ذُكر ساهم في تحويل التحرير من فكرة نظرية يتعذر تحقيقها لمواجهتها “الجيش الذي لا يقهر” وللإمكانات الضعيفة للمقاومة الفلسطينية، إلى فكرة عملية يمكن تحقيقها بعد سلسلة الإنجازات التي حققتها المقاومة في الحرب الأخيرة، والتي كسرت هيبة جيش الاحتلال.
وأصبح لسان البعض طالما وضعنا بعض الجنود تحت أقدامنا فيمكننا وضع البقية أيضًا تحت أقدامنا.
The post هل تتحرر فلسطين؟ التحرير من الوهم إلى الحقيقة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست