مع دخول روسيا بقوة وزخم أكبر إلى منطقة الشرق الأوسط خلال الأسابيع القلائل الماضية، راحت المواقف والتوجهات والأحداث تتحرك بوتيرة متسارعة باتجاهات ربما لم تكن معهودة، وهو ما يعني أن المنطقة، لا سيما بؤر التوتر والاضطراب والفوضى – مثل العراق وسوريا واليمن – مقبلة على تبلور حقائق ومعطيات جديدة.
ولا شك أن الإعلان عن تشكيل مركز تنسيق استخباراتي من قبل كل من روسيا وإيران وسوريا والعراق، لمحاربة تنظيم “داعش” الإرهابي وعموم الجماعات الإرهابية، يكون مقره العاصمة العراقية بغداد، يمثل إشارة واضحة وصريحة وقوية على طبيعة المسارات الجديدة في محاربة الإرهاب. ويبدو أن تلك الخطوة المهمة جاءت استكمالا لخطوات قد لا تكون متوقعة، أقدمت عليها روسيا لتعزيز وجودها العسكري في سوريا وعموم المنطقة، كمقدمات للاضطلاع بدور أكبر في إدارة الصراعات السياسية والعسكرية وتوجيهها، وعدم ترك الأمور بيد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وأتباعها، وأكثر من ذلك إرغامها على إعادة النظر في مجمل مواقفها وتوجهاتها.
بعبارة أخرى يمكن القول، إن الإعلان عن تشكيل المركز الاستخباراتي المذكور، يعني فيما يعنيه تشكيل تحالف دولي إقليمي لمواجهة الإرهاب في المنطقة، والحؤول دون تمدده واتساعه إلى مساحات أخرى، ومن الطبيعي أن يكون ذاك التحالف مضادًا للتحالف الدولي الذي تشكَّل قبل عام تقريبًا بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، والذي لم يحرز أية نجاحات تذكر في الحرب ضد “داعش”، رغم أنه ضم عشرات الدول التي تمتلك من الإمكانيات والموارد المالية والبشرية والاقتصادية والعسكرية والأمنية الشيء الكثير، وفوق ذلك اتسمت مجمل تحركاته ومواقفه بالتناقض والازدواجية والغموض.
وعلى ضوء القراءات الأولية، يبدو أن فرص نجاح تشكل التحالف الجديد وتوسعه غير قليلة، انطلاقـًا من عدة حقائق ماثلة على أرض الواقع، أو أنها كامنة بين طيات وثنايا تفاعلات الوقائع والأحداث.
الحقيقة الأولى، هي أن روسيا، التي مازالت تعد قوة عظمى، تسبب كثيرًا من القلق والإزعاج للولايات المتحدة وعموم العالم الغربي، إذا لم تكن زعيمة التحالف الجديد، فإنها من دون أدنى شك تمثل محوره الرئيس ومحركه الفاعل، وهي بحكم إمكانياتها وقدراتها، فضلاً عن طموحاتها ومصالحها، ستكون ندًّا قويًا للولايات المتحدة الأمريكية في المرحلة المقبلة بعدما انكفأت وتراجعت لعدة أعوام بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق بين نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي.
والحقيقة الثانية، هي أن وجود قوة إقليمية مؤثرة وفاعلة مثل إيران سيعطي زخمًا كبيرًا للتحالف الجديد، إلى جانب قوى إقليمية أخرى، كالعراق وسوريا، التي ما كان لها أن تصل إلى ما وصلت إليه من تصدعات واهتزازات واختراقات كبيرة لأمنها القومي لولا التعاطي السلبي لواشنطن وقوى دولية وإقليمية حليفة لها، وهذه الدول تبحث اليوم عن خيارات عملية وواقعية ومجدية للخروج من المأزق الذي تعيشه.
والحقيقة الثالثة، تتمثل في أن قوى أخرى سواء كانت دولاً أو كيانات سياسية، مثل حزب الله اللبناني، ستكون تلقائيًا – بحكم طبيعة توجهاتها السياسية وتحالفاتها وعلاقاتها – تحت مظلة التحالف الجديد، أو ستنخرط فيه فيما بعد، مثل الصين وكوريا الشمالية، التي لا تختلف حساباتها وتوجهاتها كثيرًا عن حسابات وتوجهات روسيا.
والحقيقة الرابعة، هي أن رأيًا عامًا واسعًا في سوريا والعراق ودول عديدة في المنطقة، وكذلك حكومات ونخب سياسية وفكرية، ستتفاعل مع التحالف الجديد، في إطار البحث عن بدائل مجدية، للسياسات الأمريكية الخطأ التي دفعت الجميع إلى حافة الهاوية، وقلصت فرص الحلول المناسبة إلى حد كبير.
وإذا كان التصور العام بهذه الكيفية، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه للوهلة الأولى، هو كيف ستكون ردة فعل واشنطن وحلفائها وأتباعها حيال التحالف الجديد، الذي لا يمكن بأية حال من الأحوال الزعم بأنه لا يستهدف تحالف واشنطن؟
أمام واشنطن وحلفائها خياران لا ثالث لهما، أما المواجهة والتصعيد، والذي من الصعب جدًا التكهُّن بأبعاده ونتائجه في حال انطلقت شرارته الأولى، وهو ما يعني الانتقال من مرحلة الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو إلى الصدام العسكري المسلح.
ففي حال قررت واشنطن مواجهة توسع الوجود العسكري الروسي في سوريا بأدوات عسكرية، فإن موسكو في ظل ما حققته من مكاسب وانتصارات مهمة خلال الأعوام القلائل الماضية، في جورجيا وشبه جزيرة القرم وأوكرانيا، وحتى في سوريا، وما انعكس عليها إيجابًا من الملف النووي الإيراني، وقبله بعض تفاعلات وتداعيات ما سمي بثورات الربيع العربي، لن تكون مستعدة للخضوع لأي ابتزاز أو تهديد، بل على العكس تمامًا، ترى أنها في وضع يمكنها من أن تبتز وتهدد واشنطن وأطرافـًا أخرى، وبالتالي ترغمها على تقديم قدر من التنازلات.
وهذا هو الخيار الثاني، المتمثل بالتفاهمات والتوافقات على قاعدة الحد الأدنى من نقاط الالتقاء، والحفاظ على مصالح كل طرف، وتجنب الدفع باتجاه المحطات الخطرة والمنعطفات الحادة.
ولا شك أن واشنطن ستجد نفسها مرغمة للقبول على مضض بواقع جديد، مثلما أرغمت على الجلوس مع طهران بعد أعوام طويلة من الصراع والمواجهة، وقدمت من التنازلات ما لم يتوقع كثيرون داخل الولايات المتحدة وخارجها أن تقدمه لطهران.
حينما يتجه الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد بضعة أيام على الشروع بتوسيع الوجود العسكري الروسي بسوريا، وبعد أيام قلائل من الإعلان عن تشكيل مركز التنسيق الاستخباراتي، وحينما يدعو اوباما صراحة إلى حوار مع كل من روسيا وإيران بخصوص سوريا، فإن ذلك يعني تراجعًا وتنازلاً أمريكيا لصالح روسيا.
ويعزز اتجاه التراجع والتنازل الموقف البريطاني الذي عبر عنه بوضوح رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بالتعبير عن استعداد بلاده القبول ببقاء الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة مؤقتـًا، حيث نقلت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية عن كاميرون قوله إنه: “مستعد لتقبل فكرة بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة لأجل قصير ريثما يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية في البلاد”.
يضاف إلى ذلك الموقف الفرنسي الجديد نوعًا ما، والذي انعكس بقول الرئيس فرانسو هولاند من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة: “أن فرنسا تتحادث مع الجميع ولا تستبعد أحدًا، سعيًا وراء حل سياسي في سوريا”، وتزامنت تصريحات هولاند مع ضربات جوية نفذتها طائرات فرنسية على مواقع لتنظيم داعش في الأراضي السورية.
وقبل ذلك دعت أطراف دولية انضوت في التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، مثل إسبانيا والدانمارك والنمسا وأستراليا إلى البحث عن حل سلمي للأزمة السورية والتعامل مع نظام الرئيس بشار الأسد، وأكثر من ذلك فإن دولاً عربية كانت متحمسة كثيرًا للإطاحة بالأسد مثلما أطيح بالقذافي ومبارك وبن علي، عادت لتتحدث عن الخيارات والحلول السلمية، وتفتح قنوات تواصل وحوار مع دمشق بعيدًا عن الأضواء وصخب وسائل الإعلام، وكذلك تدخل في نقاشات معمقة مع موسكو وطهران للتوصل إلى مخرج مناسب للأزمة السورية يحفظ ماء وجه تلك الأطراف العربية، ولعل السعودية وقطر والإمارات من أبرزها.
ومجمل التغيرات والتبدلات في المواقف الدولية والعربية حيال الأزمة السورية حصلت بعد التأكيدات الروسية الواضحة والصريحة ومن أعلى المستويات بأن الرئيس السوري بشار الأسد يمثل خطًا أحمر، وأن موسكو وحلفاءها سيمنعون سقوطه، في إشارة لا تقبل أكثر من تفسير وتأويل.
ومن أية زاوية قرأنا طبيعة الحراك الروسي ومستواه تجاه المنطقة، فإنه يمكننا الاستنتاج أن المشهد العراقي الذي اجتاحه تنظيم “داعش” الإرهابي قبل ستة عشر شهرًا، وأحدث فيه إرباكـًا كبيرًا، وأفرز مواقف وحقائق وعناوين جديدة على الأرض لن يكون بمنأى عما سيحدثه الدخول الروسي القوي إلى المشهد الإقليمي عبر البوابة السورية، لأن عوامل التداخل والتشابك، والتأثير والتأثر بين المشهدين العراقي والسوري كثيرة، ومسارات الحل أو التأزيم ربما تتحرك في كثير من الأحيان بخطين متوازيين، وغير ذلك أن اختيار بغداد لتكون مقرًا ومنطلقـًا للتنسيق والتعاون الاستخباراتي بالتزامن مع تعزيز الحضور العسكري الروسي في سوريا يعني فيما يعنيه أن أية حلول أو صفقات أو ترتيبات من نوع ما ستكون واحدة.
The post “الدب الروسي” يعيد تشكيل خرائط المنطقة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست