الأحد، 18 أكتوبر 2015

ثقفني اون لاين : عن رحيل البراء .. أحدثكم

 سألتني زميلتي التي كانت تعرفه عن قرب: هل كنتَ تعرفه أو قابلتَه من قبل؟ فقلت أنني لا أعرفه شخصيًّا ولكنني قرأت له عدة مرات كانت كفيلة بأن أرتبط بأفكاره وكلامه، وأن أصنّفه ضمن صناع الأمل في أيامنا هذه. أيضًا بعث لي صديقي الأثير برسالة قصيرة قال فيها: أحس أن رحيله المفاجئ رسالة موجهة لي، فرددت قائلًا: أننا لو تتبعنا افتراضك هذا فهي إذن رسالة موجهة لنا جميعًا.

 

هذه هي الملابسات التي ارتبطت عندي برحيل الصحفي والكاتب الشاب البراء أشرف، وإن كانت قد سبقتها المفاجأة التي سببها الخبر لدرجة انعقد معها لساني وتفكيري لفترة لم تكن طويلة للأمانة. فأنا منذ فترة وأنا أستحضر في مثل هذه المواقف دلالة المشهد الأخير من فيلم “حسن ومرقص” والذي فيه يسير عادل إمام وعمر الشريف وأسرتيهما في وسط المعركة بين المسلمين والمسيحيين ثم تأتي لأي منهما ضربة من هنا أو من هناك فيتلقيا الضرب وهما سائرين دون أن يتوقفا، فقط يميلان حيث وجهتهما الضربة ثم يعودا معتدلين يكملان السير .. شاهدوا هذا المشهد.
 

استحضار المشهد السابق جعلني أعود سريعًا لأمارس حياتي بشكل طبيعي – ظاهريا فقط – مع انشغالي بسؤال مهم: ما هي الرسالة التي وراء هذا الرحيل المفاجئ؟

 

 

أؤمن أن من حان رحيله فقد انتهى دوره في هذه الحياة، أو على الأقل فقد انتهت فترة وجوده فيها سواء أدى دورًا يحسب له أو لم يؤد هذا الدور. وعلى الباقين أن يكملوا ما بدأ إن كان قد بدأ شيئا ذا قيمة أو فليترحموا عليه.

 

 

تزامن رحيل البراء مع خبرين متداولين في وسائل الإعلام أولها هو القبض على وزير الزراعة المستقيل وغيره من المتهمين في القضية، وحملْ البشرى للمواطنين أن الأيام القادمة ستشهد كشف الغطاء عن أسماء كبيرة في الدولة متورطة هي الأخرى في وقائع فساد مشابهة. والخبر الثاني هو استعدادات التحالفات الانتخابية والأحزاب – لا تسخر من فضلك – للترشح لدخول البرلمان.

 

 

قد يكون الربط بين رحيل البراء وتلك الأخبار أمرًا غير مبرر ولا مجال له، ولكنني أرى أنه من المهم أن نرى المشهد بكامله، فها هو واحد من الذين حملوا الحلم بعد بناير 2011  – كان عمره وقتها 26 عامًا – وسار يبشر به طوال السنوات الماضية دون كلل أو ملل، ها هو يرحل وما زالت الأخبار تنبئ أن بيننا وبين الحلم مسافة معتبرة.

 

من المهم هنا أيضًا أن نستحضر مقولة المفكر الدكتور يوسف زيدان في كتابه “متاهات الوهم” حين قال: “لن تجد في المجتمعات الأوروبية الحالية، أو الغربية المتقدمة عمومًا، حضورًا في أذهان الناس لفكرة المخلّص. وذلك لسبب بسيط هو أن هذه الجماعات عرفت أن (الحل) لا يأتي إلا مع حركة الجماعة نفسها. وفي المقابل من ذلك، نرى الناس في بلادنا لا يزالون ينتظرون الحلول التي تأتي من خارجهم”.

 

هذا حقيقة هو ما أردت لفت النظر إليه، إذا كان البراء قد رحل إلى جوار ربه بقدر محتوم وفي ميعاد معلوم من قبل الحق سبحانه، فماذا نحن فاعلون من بعده؟ هل نتوقف عن الحلم أو عن السير في طريق تحقيقه؟ أعلم بالطبع أنه كان يتمنى – من وجهة نظره – أن يعيش ليرى ما ظل يبشر به قد تحقق، ولكنّى أوقن أكثر أن لله حكمة فيما حدث. ولعل تلك الحكمة تتمثل في أننا يجب أن نكون نحن البراء من بعده، جميعنا إن استطعنا، أو فليكن المؤهل منا للقيام بمثل هذا الدور على أقل تقدير.

 

أمثال البراء يكونون في هذه الحياة كما يكون (العامل المساعد) في التفاعلات الكيميائية، فأحيانًا لا يتم التفاعل ولا يؤتي نتائجه إلا بوجود هذا العامل، والذي هو أحيانًا أحد المواد التي تضاف إلى عنصري التفاعل الرئيسين للتنشيط، أو ربما هو (التسخين) تحت الأنبوبة المحتوية على عناصر التفاعل أيضا للتنشيط .. هكذا كان فعل البراء، ومن وجهة نظري لا يكون دوره غير ذلك .. التنشيط لحدوث التفاعل.

 

 

ربما صح ما أقول وربما لا، ولكني أبدًا لا أقلل – ولا أسمح لنفسي بذلك – مما فعله البراء أو سطره في خلال هذه السنوات القليلة من عمره، وليكن هو أبو القاسم الشابي في نسخته الجديدة لتعيش كلماته بيننا رغم رحيله المبكر، وإذا كان من فعل فمات فقد عاش للأبد فإن رحيل البراء المبكر والمفاجئ قد ترك لكل منا سؤالًا مفتوحًا هو .. هل سنموت لنعيش أم نعيش كالأموات. رحمه الله

The post عن رحيل البراء .. أحدثكم appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست