“ووجدت أن الكتابة تمثل إلزامًا شخصيًّا للمجذوب؛ إنها سبيله الوحيد لاكتشاف الذات والوجود”. عبد الرحمن أبو ذكري
لطالما اعتبرت علاقة القارئ بالكتاب – أي كتاب – علاقة شائكة، ينبغي التعمّق فيها بحذر، والكتابة عنها بحذر أكبر، ذلك لأنها تنطوي بداخلها على العديد من العلاقات الذاتية الفرعية؛ كالعلاقة بين الكاتب ونصّه، والعلاقة بين القارئ والكاتب، والعلاقة بين القارئ والنص؛ كل منها يصعب سبر أغواره، ويكمن فيها العديد والعديد من المعاني الوجدانية الذاتية، التي تعسّر من عملية الكتابة بصيغة موضوعية حاكمة جامعة.
وفي كتاب “أفكار خارج القفص”، لمؤلفه: عبدالرحمن أبو ذكري، والصادر عن دار تنوير للنشر والإعلام؛ كانت المهمة أصعب، إذ كانت كل علاقة من هذه العلاقات الفرعية أعقد وأكثر تركيبًا وتشابكًا، غير أنه تعقيد ساهم في رسم لوحة فريدة، وأكثر ذاتية، ربما ستجعل من الصعب وصف المقال بكونه “مراجعة” على الكتاب، أو قراءة عامة في نصّه؛ إذ أنه، هو الآخر؛ ليس إلا تجربة ذاتية في صورة موضوعية.
***
كتاب “أفكار خارج القفص” هو مجموعة من الشذرات، والقصاصات، والخواطر المنثورة بغير وحدة موضوعية أو ترتيب منهجي، إذ تشمل جميع الموضوعات من سياسة، وفلسفة، وتصوّف، وأدب، ومقولات مقتبسة لآخرين؛ وهو ما قد يثير حفيظة القارئ لا سيما بعد أن استهلكت مواقع التواصل الاجتماعي هذا الشكل في الكتابات؛ إلا أن المتأمّل فيها يجد أنها بابٌ لولوج عالم أفكار الكاتب ومشاعره، إذ أنها حصيلة عشر سنوات من التأمل والبناء الفكري والتشكّل الوجداني. ولعلها أهم سنين عاشها الكاتب، وأهم خطى خطاها في رحلته الفكرية.
وعلى الرغم من الصورة الحديّة اليقينية لأغلب الأفكار، وخلوّ أغلبها من الحديث الذاتي عن شخص الكاتب وسيرته الذاتية (وإن اشتملت بعضها على ذلك)، إلا أنني اعتبرتها سيرة ذاتية له؛ وهو أمر غريب؛ ذلك لأنني كنتُ أظن من قبل أن اللغة، لقصورها وصورتها الحديّة؛ لا تستطيع أن تعبّر عن ذات المرء وتعقيده وتركيبه، وأن المخرج الوحيد من هذه الصورة الحديّة هو الأدب، بصوره المباشرة في السير الذاتية أو غير المباشرة في الأعمال الأدبية الأخرى؛ لأنه الأصدق والأكثر قابلية على التعبير عن هذا التركيب؛ وبالرغم من أن الكتاب قد اشتمل على العديد من الكتابات والخواطر الأدبية، إلا أن الأفكار الحديّة اليقينية، في صورتها العشوائية المتناثرة؛ كانت أكثر قابلية على التعبير عن شخص الكاتب.
نحن أفكارُنا، وأفكارنا ما هي إلا نتاج تجارب حياتنا ومكابدتنا؛ هذا ما عبّرتْ عنه مقاطع الكتاب، وإن لم تعرِف الوحدة الموضوعية؛ فقد عرفت الوحدة في نفس كاتبها، وهكذا الإنسان لا يقبل الخضوع تحت موضوع وحيد؛ وإن لم تعرِف الترتيب المنهجي؛ وهكذا أيضًا رحلة الإنسان الفكرية في الحياة.
والأهم من هذا كله، أن أفكارنا ليست ترديدًا لمقولات العلماء والفلاسفة الجامدة، والتباهي بنظرياتهم وتبنيها بشكل مُطلَق جامد باسم الثقافة، عن غير قناعات وتجارب حيّة؛ بل هي نتاج تجاربنا الشعورية وحياتنا الوجدانية، يؤثر كل منهما في الآخر، ويكون أحدهما امتثالًا للآخر.
أمّا هذه الحالة من السيولة المُطلَقة، ورفض الحديّة باسم التركيب؛ فهي حالة غير إنسانية هلامية وبلا هوية، ولا تتسق مع ذات الإنسان، التي تتبنى الرأي يقينًا اليوم، وتسائله غدًا، وتدرك خطأه بعد غد، وتُنضِج أفكارها وآراءها بالتجربة، والاتساق مع الذات.
هذا التركيب من اليقين ومساءلته هو نحن؛ وهو ما جاء الكتاب وأفكاره امتثالًا له، فحتى أفكار بعض المفكرين الذين ظهر تأثّر الكاتب بهم؛ كعلي عزت بيجوفيتش وسيد قطب وعبد الوهاب المسيري، لم يكن عرض أفكارهم في صورة جامدة مرددة لكلماتهم في غير سياقات حيّة، بل كانت نتاج تجربته الشخصية والتفاعل مع هذه النصوص والمعارف والأفكار؛ وإعادة صياغتها بما تمليه هذه التجربة على النفس.
وبذلك؛ حق أن تكون أفكار الكتاب معبّرًا صادقًا عن كاتبه، وسيرة ذاتية له، وإن كانت أغلبها في صورة موضوعية.
“479- وسير الخلق وتراجمهم وأخبارهم أعظم فائدة وأعمق أثرًا من عصارات الأذهان الباردة. فسيرةُ امرئٍ قد حملت كل ما يحتمل إنسان عصره من الأفكار وجسدته حيًا. لذا فالحرارة التي يُشيعها قلب امرئٍ في لحظة صدق هي عندي أقوم وأعظم من آلاف المجلدات التي قد يخطُّها… فالحياة أسمى من الفكر. ربمّا لهذا السبب، ولهذا السبب بالذات؛ فإن الإسلام لا يتجسد في نظرية أو متنٍ كتَبَه مَنْ كَتَبه، بل في أشخاص. وصلى الله على من كان خُلُقه القرآن”.
***
تتجلى من البداية العلاقة بين الكاتب والقارئ؛ فقد أوعز الكاتب في المقدمة الغرض الأساسي من الكتاب إلى تعليم القارئ التفكّر، “ومساعدته على تكوين ملكة للنظر والنقد والحكم. كل ذلك بطريقة غير مباشرة”. كما تختفي هذه العلاقة في أحايين أخرى، إذ أن بعض الأفكار قد كُتِبت وكأن أحدًا لا يراها، وكأنها تعبيرٌ في لحظة عن الذات، أو تعليقٌ على أحداث بعينها، بصورة مُبتسرة أحيانًا، ولم تُكتَب لأي قارئ؛ كان السؤال ها هنا، وهل يمكن الجمع بين كليهما؟ أن يخاطب المرءُ الآخرين، ويعبّر عن ذاته في ذات الوقت؟ أن يشمل النص على معنى وعظي أو تعليمي؛ ولو بصورة غير مباشرة، ويكون معبّرًا عن أفكار ومعانٍ ذاتية؟
تساهم نصوص الكتاب المتناثرة في نسج خيوط العلاقة بين الكاتب والقارئ، حين يدرك الأخير أنه ليس أمام نص أو فكرة موضوعية بعينها، بل أمام شخص ما؛ ثم ما تلبث أن تجتره النصوص إلى حظيرتها مرة أخرى، وتخلق رابطًا ما بينها وبين تجربته الشخصية.
وقد ساهمت النصوص في تعزيز فهمي الشخصي عن العلاقة بين القارئ والنص؛ فبعض النصوص تتسق مع تجاربنا الخاصة فتتماهى معها، فإما أن تكون متفقة مع ما نؤمن به فكرًا وشعورًا، وجاءت فقط في صياغة مختلفة، أو تكون تعبيرًا عما عجز الفهم عن إدراكه، وكامن في شعورنا أصلًا، بالاتفاق أو الاختلاف؛ ومع هذه النصوص وجدتني أعيد صياغة الكثير من الأفكار في هامش الكاتب، وفقًا لتجربتي الشخصية، والمعاني الكامنة التي أثراها الكتاب في نفسي، أو ألهمني بها؛ أو ساهمت في الإجابة على سؤال ما، أو خلق سؤال جديد.
ويأتي بعضها الآخر كصورة لمعنى بعيد، لم يلتقِ معنا بعد؛ وهذه النصوص التي نقف أمامها حائرين بحذر، لئلا نقع تحت سطوة بريقها، فنتبناها بصورة قطعية، بغير تجربة شعورية تُصدّق على وجودها في الإدراك، أو نقع في فخ إطلاق الحكم عليها بصورة قطعية أيضًا.
وقد اشتملت نصوص الكتاب على كل هذه الصور من العلاقة بين الكاتب والنص، ومن ثمّ العلاقة بين الكاتب والقارئ.
“90- القراءة في جوهرها عملية إعادة تأليف لما نقرأ، وهو ما يجعلها تعتمد كلية على الخريطة الإدراكية للقارئ، وعلى النموذج الكامن في لا وعيه. وقد كان جبران خليل جبران يرى أننا لا نكسب معارفنا في هذا العالم، بل إن تجاربنا الحياتية تدفع فطرتنا لتتفق عن المعرفة المغروسة فيها منذ بدء الخلق. ولهذا يمكنني الجزم بأن أعمال نجيب محفوظ الروائية – حتى التفكيكية منها – قد شحذت إيماني، ورسخت عمقه العرفاني”.
لا تسمح طبيعة النصوص – تفكيكة كانت أو بنائية – بمحاكمة كاتبها، وإن سمحت بالاختلاف معها في أحايين كثيرة؛ ذلك لأن الكتاب قد اشتمل في بعض الأحيان على الفكرة ونقيضها، وكأن النقيض صورة للاكتمال؛ كما جاءت بعض الأفكار مبتسرة مقتطعة السياق؛ فتحار الأذهان أمامها، ويجد القارئ نفسه أمام خيارين، إما أن يرفض اقتطاعها من السياق بهذه الصورة، ويتجاوزها لما بعدها؛ أو يحاول البحث عمّا وراءها، في أفكار الكتاب بشكل خاص، أو أفكار الكاتب نفسه بشكل عام، أو خارج عالم الكاتب وكتابه، وتكون بذلك نواة لسؤال جديد في ذهن القارئ.
هذه العلاقة بين القارئ والنص، أو القارئ والكاتب، والتي تحوي بداخلها خطوطًا متشابكة بين السؤال والجواب (سؤال القارئ وجواب الكتاب، أو نص الكاتب ونواة السؤال الجديد في ذهن القارئ)؛ كانت التجربة الصادقة والذاتية هي صاحبة الدور الأكبر فيها؛ إذ يجد القارئ نفسه مضطرًا أن يسأل سؤاله هو، لا سؤال الكاتب، ويتأمل في التجربة الشعورية والفكرية ثم يبحث عن إجابة في النص، حين تلتقي تجربة القارئ الشخصية مع تجربة الكاتب؛ وعلى الرغم من الحدّية واليقينية لهذه الأفكار؛ فإنها، في الغالب؛ لا تسمح بتبنيها بشكل مُطلَق، أو طرح سؤال متكلّف غير حقيقي في ذهن المتلقي.
***
“186- كل نص بشري لا يعبر بك للوحي، فلا يعوَّل عليه”.
إن كنّا قد ارتأينا في البداية أن الكتاب يفتقد للوحدة الموضوعية في نصوصه، فهو، في جوهره؛ يعبّر عن وحدة مستبطنة في نفس كاتبه، وهو أمر طبيعي؛ فنجد أن أغلب النصوص تدور في فلك رؤية الكاتب لمركزية الوحي، ووحدة الشهود في النظرة للكون والحياة والفكر والشعور؛ هذا فضلًا عن الإعلاء من شأن الجانب الروحاني والجواني على العوالم المادية البرانية، والذي يتضح في النزعة الصوفية، وبعض الكتابات الأدبية، ورفض الأنساق المغلقة لمؤسسات كانت أو جماعات، في الحاضر أو الماضي. كما انطوت النصوص على النظرة للتاريخ بوصفه صيرورة يرتبط فيه الحاضر بالماضي، وحوادث الآخرين بسير الأولين.
حتى الاقتباسات والتي غاب عنها أي تعليق للكاتب، ارتبطت بهذه المعاني، ولم تكن مجرد اقتباسات مقتطعة السياق، إذ دارت هي أيضًا في فلك الكاتب وعالمه، فاستحقت من القارئ الوقوف عليها للتأمل والتدبر، والبحث عمّا وراءها من معان.
وبذلك، يتراءى للقارئ في نهاية الكتاب أنه لم يكن أمام مجرد قصاصات متناثرة، ومجموعة من الأفكار جامدة مقتطعة السياق، بل أفكار حيّة، خارج القفص…
The post أفكار خارج القفص.. سيرة ذاتية موضوعية appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست