الخميس، 1 يونيو 2017

ثقفني اون لاين : السر المعلن «رمضان»

(1)

العقلاء دومًا ما يبحثون عن أي فرصة تزيدهم ربحًا أو تنقصهم خسارة؛ لأنهم يبحثون دومًا عما هو أفصل. ودون شك رمضان هو أحد تلك الفرص؛ فاستثماره على نحو جيد يرتقي بالمؤمن درجات عظيمة؛ فيحقق له أرباحًا عظمية – وهو أن يولد من جديد- وطبعًا إذا زادت الأرباح قلت الخسائر أو بالأحرى انعدمت.

(2)

ويتميز رمضان بتلك الأفضلية، لأنه يجيب عن أسئلة كثيرة، سألتها كثيرًا وتسألها كثيرًا، هل يمكن أن أتغير؟ هل يمكن أن أتخلص من ذنوب جرت مني مجرى الدم؟ هل يمكن أن أقلع عن عادات سيئة أصبحت أتنفسها ولا أرى حياتي بدونها؟ هل يمكن أن أعود إلى الله بعد أن فلعت وفعلت؟ هل وهل وهل؟

أسئلة كثيرة ورمضان إجابته واحدة، إجابة واحدة لكنها قاطعة

نعم بالتأكيد.. بالفعل تستطيع

وذلك لأن العبادة في رمضان «نوعية»؛ لذا فهي تختلف كثيرًا عما تعودت عليه. فالصيام ليس إمساكـًا عن الطعام والشراب من طلوع الفجر الصادق لمغيب الشفق الأحمر، لا ليس هكذا إطلاقـًا؛ فقد تضطرك الظروف للإمساك عن الطعام والشراب أكثر من يوم. وليس تركـًا للشهوة المحرمة أو المحللة فقد تمرض فلا تستطيع أن تفعل شيئًا. الأمر أبلغ من ذلك بكثير، والمعنى أعمق من هذه السطحية.

الطعام والشراب قد يكونان أمامك ولا تقربهم لأن هناك شعور من مراقبة الله يحتويك، يسيطر عليك فلا تقربهم حتى في الخلوات حتى ولو لم يرك أحد. وأنت لا تترك الجماع أو الاستمناء، بل أنت تتجنب ما يهيج شهوتك ويثير حفيظتك الجنسية؛ لأن إنزال المني بشهوة يفسد الصيام، لذا أنت من الأساس لا تدع مجالاً للتخيلات المثيرة، والنظرات المحركة للغريزة. هذا رغم قدرتك على فعل ذلك ووجود الفتن نفسها ونوافذ الشهوات التي كانت موجودة طوال العام؛ وذلك لان هناك حالة من حب الله تحوطك وتكتنفك. بعبارة أخرى، رمضان يأخذك لغرفتك ويغلق عليك الباب، لتبدأ المعركة نفسها التي كنت تخسر فيها دائمًا. وتقهر أمام نفسك وهواك. لكن هذه المرة أنت من تقهر نفسك الأمارة بالسوء، وتغلب هواك المضل، أنت من يعجز الشيطان عن إضلاله. رمضان هنا يعيد إليك كرامتك المهدرة طوال العام، رمضان يعلمك الدرس جيدًا أن الأمر ليس بذلك التعقيد الذي كنت تعتقد. الأمر صعب نعم؛ لكنه ليس بمستحيل، الفتن والمضللات قوية ولكنك أقوى وتستطيع أن تثبت في شموخ طوال العام، لأنك ببساطة شديدة تفعل ذلك طوال شهر كامل، تنتصر على نفسك داخل غرفتك المغلقة، داخل بيتك الذي لا يوجد فيه أحد إلا أنت، داخل العالم الذي يوجد فيه ما يستفزك ويوقعك.

(3)

وهذا الانتصار لا يأتي هكذا؛ فإن هناك دروسًا عديدة تتعلمها أثناء رمضان، فتتغلل في أعماق نفسك وأغوار روحك. إضافة إلى حالة الحب التي تحياها طوال الشهر، وشعور المراقبة الذي يحتويك. غنه يهدم فيك أشياء لبنائها من جديد. فالعادات السلبية تتخلص منها بمرور الوقت. فغمرة النوم التي كانت تتغشاك لطلوع الصبح فتستيقظ وقد ضاع الفجر منك تصبح رمادًا لأنك تستيقظ قبل الفجر لتتسحر؛ لأن في السحور بركة. والوقت الذي يضيع سدى، والعمر الذي يمضي دون فائدة تذكر يصبح ذخائر مملوءة بالخير والحسنات؛ لأن رمضان شهر القراءة والذكر والاستغفار. والصلاة التي كنت لا تعبأ بها كثيرًا أو على الأقل كنت تكتفي ببعضها ستؤديها كاملة، بالإضافة إلى إحدى عشرة ركعة وقد تزيد على ذلك. عينك الزائغة، لسانك الحر الطليق يقيدان لأن الصوم لا رفث فيه ولا فسوق. رمضان عمومًا والصوم تحديدًا يرتقيان بك لدرجة عظيمة في فضاء العبادة، والتحكم بالنفس والسيطرة عليها، والرجوع إلى الله عز وجل. ومجموع ذلك ومحصلته النهائية هو أن تولد من جديد فتصبح شخصًا مختلفًا، شخصًا آخر بتفكير مختلف، وطموح متغير عما كنت عليه سابقًا.

(4)

إن رمضان يرسخ فيك قيمة عظيمة، هو أنك لم تكن لتفعل ما فعلت وحدك، فما سهل عليك التغير وسهل عليك عملية الولادة ومخاضها، هو أن العبادة تمارس شعائرها في رمضان بشكل جماعي فتمزج بشيء من اللذة فتصبح محاطًا هنا بصائم، وهنا بقائم، وهنا بمتصدق. فالجو شحناته إيمانية؛ لذا أنت تستمد القوة ممن حولك.

ثم بعد
رمضان.. بعد التغير.. بعد الولادة تحديدًا

يرحل رمضان ويتركك بعدما مهد لك الطريق، وأوقفك على بدايته، وأخبرك بتفاصيله كلها، وبين لك أنك ستعبر بسلام إذا التزمت بمجموعة القوانين التي ترسخت في نفسك «حب الله ومراقبته، انتصار على النفس، صبر وتضحية في سبيل التغير الذي هو سبيل الله، حرص على الجماعة لأن القوة تستمد منها، لأن العبد منا يبتلعه الطريق إذا كان منفردًا بدون صحبة الخير» رمضان رسخ فيك تلك القيم وتركك ومضى بعد تعاهد على السير. لكنه للأسف لم ينتظر ليرى ما ستصنع؛ لأن هنا دوره انتهى. رمضان يأخذك لبئر الماء لكن لا يجبرك على الشرب منه، يعلمك أن الجنة أنت من سترفع قدميك للسير إليها، وأن النار أنت أيضًا من سيرفع قدميه للفرار منها. باختصار لن يساعدك أحد إلا نفسك. لأن الآخرين دورهم محدود للغاية.

The post السر المعلن «رمضان» appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست