الخميس، 1 يونيو 2017

ثقفني اون لاين : فلتأخذوا الحكمة من فم القذافي

«إذا كانت جماعة من الناس تلبس الأبيض في حالة الحزن، وجماعة أخرى تلبس الأسود في الحالة نفسها؛ فإن إحساس كل جماعة سيتكيف حسب ذينك اللونين؛ أي واحدة تكره الأسود والأخرى تحبه، والعكس بالعكس، وهذا الإحساس له تأثير مادي على الخلايا وعلى كل الذرات وحركتها في الجسم، وبهذا سينتقل هذا التكيف بالوراثة، فيكره الوريث اللون الذي يكرهه مورثه تلقائيًّا نتيجة وراثته لإحساس مورثه، وهكذا الشعوب لا تنسجم إلا مع فنونها وتراثها».

ربما سيتفاجأ كثيرون عندما يعلمون أن السطور السابقة، وما تحويه من حكمة ورؤية فلسفية صائبة وتحليل دقيق لسلوك الشعوب، ليس من كتب فلاسفة اليونان أو محاضري هارفرد أو أحد كتب علم الاجتماع، إنما هذه فقرة من الكتاب الأخضر من فصله الثالث، والذي كتبه القذافي عام (1975) ويعرض فيه رؤيته للحكم والنظم السياسية والاجتماعية، وعلى الرغم مما يحويه الكتاب من بعض المغالطات والمغالاة والشطوط في بعض الأفكار، ولكن تلك الفقرة قد استوقفتني؛ حيث إنها قد طرحت وبتحليل عميق تلك الفكرة التي غابت عن كثير من الشعوب والمجتمعات، فتاهت وسط بحور الحضارات والثقافات المختلفة.

قد تجد من يتعجب من شعوره بالراحة عندما يرى الحقول ويتمنى لو يركن إلى ظل شجرة ليتأمل تلك اللوحة الخلابة، ويتعجب آخرون من عادات أهل الخليج من تفضيلهم البر على البحر، وحبهم للاختلاء وسط الصحراء في كل وقت وحين، بعيدًا عن كل مظاهر التكنولوجيا وزحام المدن، أناس لا يستطيعون أن يبتعدوا عن الغابات، بينما آخرون طوعوا الجبال واستوطنوها، الأسكيمو يتعايشون مع الثلوج ويتخذونها بيوتًا، بينما لا نطيق نحن برد الشتاء.

لا ينطبق ذلك على الأجواء المناخية والبيئية فقط، إنما الاجتماعية أيضًا؛ ففي الشرق الأوسط نجد للأسرة شكلاً مختلفًا عن الأسرة في الغرب، وكذلك في الفنون والثقافة والطعام، وحتى طريقة التفكير والمشاعر، وكذلك السلوك والأخلاق، فما يرى أهل شعب أنه طبيعي من الممكن أن يراه آخرون وقاحة وسخافة والعكس.

وما دام المجتمع يحافظ على عاداته وتقاليده وتراثه، سيظل متماسكًا سليمًا نفسيًا متزنًا سلوكيًا، موحد الهدف والرؤية.

وعلى تلك الفكرة قامت كل خطط الاستعمار، وهو تدمير التاريخ والتراث والعادات والتقاليد لتترك الشعوب المُستعمرة مسخًا متخبطًا لا يعلم هدفه أو تاريخه أو حضارته.

الفرنسيون يقاتلون في شمال أفريقيا عشرات الأعوام بالطائرات والدبابات قبائل قليلة التسليح على الخيول والجمال ولا تنتصر، ولا تسلم تلك المجتمعات للاستعمار وتظل محتفظة بهويتها وتماسكها، تلك المجتمعات نفسها أصبحت تبعيتها لفرنسا ثقافيًا بدون حرب بعد أن انسحبت فرنسا عسكريًا، عندما أدركت فرنسا قواعد اللعبة وبدأت بزراعة ثقافتها داخل المجتمع، حتى أصبحت اللغة الفرنسية اللغة الأولى للبلد العربي، واستطاعت ضم أبنائها معنويًا ونفسيًا وفكريًا لفرنسا بدون قطرة دم واحدة.

هذه عبقرية القوة الناعمة، نجد أمريكا تقاتل بذلك السلاح كل يوم عن طريق آلة الإعلام الجبارة، محاولةً سلخ الجميع من جلدته وزراعة الحياة الأمريكية في جميع الشعوب، يريدون الجميع بلا تاريخ أو حضارة، بلا هدف أو رؤية لينسى الجميع أعداءه، وينصهر في بوتقة الرأسمالية التي لا تعترف بأي صداقة أو علاقة أو عداوة إلا بميزان المكسب والخسارة.

نجد في المقابل بعض الدول لتي تمسكت بحضارتها وتاريخها وتقاليدها، كيف استطاعت تلك الشعوب بواسطة تقاليدها أن تظل متماسكة وموحدة وقوية لتجتاز في ثقة وقوة فترة من أحلك وأصعب فترات التاريخ، فنجد شعوب شرق آسيا رغم ما تواجهه من حرب ضروس في ذلك المجال إلا أنهم يواجهونها بغرس المزيد من الجذور في أبنائهم عن حضارتهم القديمة، وعن أخلاق أجدادهم، وعاداتهم الحميدة، فنجد المجتمع وحدة واحدة حتى تتعجب من تعاملهم بعضهم مع بعض، ومع بيئتهم وممتلكاتهم العامة، ذلك لأنهم مجتمع موحد يعلمون أن ما يملكه الفرد يملكه المجتمع، وما هو مملوك للمجتمع هو ملكية فردية لكل منهم، وهو ما تحول إلى جين وهوية لا يخفونها، ولا يخجلون من تقاليدهم وعاداتهم.

وللأسف إذا أردنا تحليل وضعنا نحن، فأظن أن الجميع يعلم أين نحن من تراثنا وحضارتنا وعاداتنا وأخلاقنا العريقة، القديمة قدم التاريخ، لقد امحت عاداتنا وتراثنا وانسحق تحت أقدام الإعلام الغربي، وأصبح الجميع يخشى أن يُتهم بالجهل والتخلف من قول شيء ما إنه غريب على مجتمعنا، لقد نجح أعداؤنا للأسف في زراعة حضارته وثقافته وعاداته وحتى لغته في نفوسنا.

ولكنني أثق تمام الثقة أنها ما زالت بداخلنا، وأننا سنستطيع بإذن الله أن نخرج أفضل ما في أنفسنا، لنعود مرة أخرى إلى تراثنا وعاداتنا التي تهفو أرواحنا لنعيشها مرة أخرى، ونعود كما كنا أقوى الأمم والشعوب.

وفي النهاية أستطيع أن أؤكد قول القائل: «خذوا الحكمة من أفواه المجانين». فربما بابتعادهم عن واقعنا استطاعوا أن يروا قبسًا من نور الحقيقة.

The post فلتأخذوا الحكمة من فم القذافي appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست