قراءة سريعة للمشهد المصري بعد أحداث المنيا، ومحاولة لتفسير نداء السيسي لترامب في ضوء أحداث 1882م
على محورين:
المحور الأول:
حالة القوى الداعمة والرافضة للنظام الانقلابي في مصر.
يعتمد النظام العسكري في مصر، في استمداد سلطته وممارسة سياساته كسلطة سياسية شرعية، على شرعية خارجية ممنوحة من حلف دولي إقليمي مكون من كل من مجلس التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ودعم دولة الاحتلال الصهيوني «إسرائيل»، وإسناد وموافقة من الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم اعتراض أوروبي أو روسي، بجانب اعتماد سياسات تقويض وتحجيم وإعاقة الدول الداعمة لنظام الدكتور محمد مرسي.
بالإضافة إلى شرعية داخلية، ترتكز على حلف مصالح مكون من أقلية الأقباط النصارى ذات الأغلبية الأرثوذكسية، وغالبية التيارات العلمانية بشقيها اليساري والليبرالي كظهير شعبي، مع نواة صلبة مكونة من أصحاب المصالح السياسية والاقتصادية الراسخة من القوات المسلحة والشرطة والقضاء ورجال الأعمال.
وبنظرة فحصية سريعة على حالة هذه المكونات الخارجية والداخلية، نلاحظ بعض التغيرات التي تتفاوت في حدتها مشيرة إلى حالة الضعف الجماعي لكل العوامل، وفي كل الأطراف، وعلى كافة المستويات، والتي تظهر معالمها في الفواعل الخارجية المؤثرة في الحالة المصرية؛ حيث حالة السيولة السياسية التي تجتاح المنطقة، والتي تظهر في تعدد الاحتمالات وعدم حسم خيار من سيخلف الملك سلمان في حكم المملكة العربية السعودية من بين أحفاد الملك عبد العزيز، بالإضافة إلى عدم تحديد المعايير والآلية التي سينتقل بها الملك في الجيل الثاني من الملوك في أسرة آل سعود.
كما تظهر السيولة السياسية أيضًا في تغيُر وجهات النظر، واختلاف الخطوات والسياسات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تجاه عدة ملفات أبرزها الملف اليمني، والتقارب مع تركيا، والموقف من الصراع في سوريا.
أضف إلى ذلك حالة الارتباك الذي تعاني منه الإدارة الأمريكية والبيت الأبيض منذ مجيء ترامب إلى سدة الحكم في واشنطن.
وكذلك الأوضاع الاقتصادية المتدهورة للمملكة العربية السعودية بصفة خاصة، ودول الخليج بصفة عامة، بسب اجتماع وتضافر عوامل ارتفاع تكلفة دعم الثورات المضادة، والحرب في اليمن، والحرب في سوريا، مع انخفاض الأسعار العالمية للنفط والمدخولات البترولية للخليج العربي.
ثم أضف إلى ذلك الحالة الثقافية والاجتماعية في شتى أرجاء العالم العربي والإسلامي المتململة من كثرة الدماء والمآسي، التي يعاني منها العالم العربي والإسلامي، وخاصة في دول الربيع العربي، وما له من تأثير على النظم الحاكمة في هذه المنطقة.
كما أن الدول الداعمة للدكتور محمد مرسي، مثل قطر وتركيا، تواجه تحديات غير مسبوقة على المستوى الدولي، تتمثل في سياسات الإعاقة، وتقويض النفوذ بهدف دفعها لسحب الدعم الذي تمنحه لجماعة الإخوان والثورات العربية.
أما على مستوى الفواعل الداخلية المؤثرة في الحالة المصرية؛ فيتضح للجميع انخفاض شعبية السيسي وانهيار صورة الكفاءة والقدرة على الإصلاح والوطنية، التي كانت تتمتع بها القوات المسلحة بسبب تدهور الحالة الاقتصادية والحقوقية، واستمرار حالة الانغلاق السياسي مع نشوء حالة من الصراع بين القوى الرئيسة للانقلاب، خاصة بين السلطة القضائية ودائرة دعم السيسي، وشمل هذا الصراع رجال أعمال وإعلاميين، وبعض من رموز الحراك في 30 يونيو، أضف إلى ذلك ارتفاع وتيرة السخط القبطي تجاه نظام السيسي؛ بسب ما يتعرضون له من تتابع هجمات قاتلة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، في مقابل تعمد نظام السيسي أو ضعف قدراته ونظامه الأمني والعسكري عن حمايتهم.
أما على الجانب الآخر من المعادلة، فنجد ضعف الحراك الشعبي بسبب شدة الوطأة الأمنية الموجهة ضد الشعب، مع ارتفاع وتيرة السخط الشعبي من النظام، مما ينبئ عن قرب بحالة انفجار شعبي ضخم يعرقل حدوثه شدة ضعف المكونات السياسية للثورة المصرية خارجيًا وداخليًا، بسب حالة التفتت والتشرذم التي تعاني منها قيادات الثورة ومكوناتها، وفي مقدمتها الانقسامات داخل جماعات الإخوان المسلمين والتطاحن بين رموز التيار الليبرالي المناهض للانقلاب العسكري في مصر.
المحور الثاني:
السيسي يمهد لاحتلال مصر.
من المعلوم أنه في كل دول العالم تمارس السلطة من خلال أربعة دوائر:
الدائرة الأولى:
دائرة النظام السياسي بغض النظر عن وصفه، ديمقراطي أو غير ديموقراطي، عادل أم غير عادل، وفي هذه الحالة من ممارسة السلطة توصف الدولة بأنها دولة مستقرة.
الدائرة الثانية:
دائرة النظام الأمني وهو حكم الدولة البوليسية، بحيث تكون وزارة الداخلية، أو ما يسمى بالأداة الأمنية بكافة أشكالها، هي القشرة الخارجية أو الغطاء الشرعي للنواة الصلبة لممارسة للسلطة، وذلك عندما تفشل الدولة في ممارسة السلطة من خلال النظام السياسي، وهذا مؤشر على ضعف استقرار الدولة.
الدائرة الثالثة:
دائرة النظام العسكري، وهو ممارسة السلطة من خلال القوات المسلحة مباشرة، بحيث تكون القوات المسلحة هي القشرة الخارجية والواجهة والغطاء الشرعي للنواة الصلبة لممارسة السلطة، وذلك عندما تفشل الدولة في بسط سيطرتها السياسية من خلال النظام السياسي ومن خلال النظام الأمني، وهذا يدل على هشاشة الدولة.
الدائرة الرابعة:
هي ظهور النواة الصلبة الممارس الحقيقي للسلطة، وهي الدولة المركزية، أو ما يسمى الدولة العظمى أو دولة الاحتلال المباشر «أو ما يسمى بمجموعة أصحاب المصالح الراسخة»، وذلك عندما تفشل الدولة في بسط سيطرتها السياسية من خلال النظام العسكري والنظام الأمني والنظام السياسي.
ومن الملاحظ أنه بعد 3 يوليو سقط النظام السياسي، ولم تكن الأداة الأمنية قادرة على السيطرة وممارسة الحكم، فمارست القوات المسلحة السلطة كغطاء شرعي للسيد الحاكم في واشنطن، ثم تركزت الجهود على بناء الأداة الأمنية وتكوين النظام السياسي.
وحيث فشلت كل محاولات الانقلاب العسكري في إنشاء نظام سياسي يعمل في الواجهة كغطاء سياسي للقوات المسلحة، وبتتابع الضربات العنيفة التي شنها تنظيم الدولة الإسلامية ضد النظام الأمني والعسكري، ظهر جليًا حجم الخور والانهيار الأمني الذي يعاني منه نظام عبد الفتاح السيسي.
وبالرجوع ليوم 12 فبراير 2011 نجد الرئيس المخلوع حسني مبارك لجأ إلى القوات المسلحة عندما انهارت قوات الشرطة، وسلمها السلطة في خطاب ألقاه اللواء عمر سليمان مدير المخابرات العامة المصرية، والذي عين نائبًا لرئيس الجمهورية.
فلماذا لم يستدع عبد الفتاح السيسي القوات المسلحة لحماية البلاد من خطر تنظيم الدولة الإسلامية، كما فعل مبارك، واستنجد مباشرة بالقوة الأمريكية؟!
لقد ألقى السيسي متملصًا بمسئولية الأحداث الدموية على الأجهزة الأمنية، وفي طليعتها الشرطة والمخابرات العامة، سواء في تفجير الكنيستين، أو في حادثة المنيا؛ حيث قال الآتي:
«من خمس شهور أو ستة أنا قلت للأجهزة خلي بالكم مهمتهم في سوريا خلصت هم دمروا سوريا خلاص وأول ما خرج المقاتلون من حلب قلتلهم يعني «للأجهزة الأمنية» إن جزء من المقاتلين سيأتي إلى مصر انتبهوا لهم وهيتحركوا إلى سينا والحدود الغربية»، ثم كرر تحميله المسئولية للأجهزة الأمنية في نهاية خطابه حين قال «وأنا بقول لأجهزة الأمن أمن مصر وسلامة المصريين أمانة في رقبتكم».
ولقد أوضح عبد الفتاح السيسي حجم المجهودات التي قامت بها القوات المسلحة؛ حيث تم تدمير أكثر من 1300 عربة لتنظيم الدولة الإسلامية، فلماذا لم يطلب من الجيش أن ينتشر في مصر كما هدد قبل ذلك، وقال إن الجيش قادر على تغطية مصر كاملة في ست ساعات.
وهنا يمكن قراءة النداء الذي وجهه السيسي إلى الرئيس الأمريكي ترامب، من خلال المرور على التاريخ، خاصة عهد الخديوي توفيق؛ حيث نجد أنه بعد ثورة عرابي وما تلاها من أحداث، شعر الخديوي توفيق بالخطر؛ فلجأ إلى الإسكندرية طالبًا من الإنجليز حماية عرشه، ومع ضغطه هو والإنجليز على السلطان العثماني، تم صدور فرمان عصيان عرابي، بهدف تفتيت وفض الناس عن عرابي، وهذا يشبه الضغط الذي يحدث الآن على كل من «تركيا وقطر لكي تسحب دعمها ومساندتها للإخوان المسلمين والثورة المصرية عامة».
ثم حدثت مذبحة للنصارى في الإسكندرية اتخذها الإنجليز ذريعة لاحتلالها عام «1882م» بدعوى حماية رعاياهم استباقًا لحدوث مصالحة كانت محتملة بين عرابي والدولة العثمانية.
«وكذلك رفض السيسي المصالحة التي يسعى لها جزء كبير في النظام المصري الآن؛ لما يستشعره من أخطار تحيق بالبلاد، حيث قال: لا مجاملة ولا مصالحة معهم».
ثم من خلال الخيانات والعملاء استطاع الإنجليز القضاء على الثورة العرابية، وتمكنوا من فرض سيطرتهم على مصر بشكل كامل، واستبقوا الخديوي توفيق في الحكم حتى عام «1892م».
وقد حدث هذا أيضًا حين قام جمال عبد الناصر ومن معه بانقلابهم العسكري على الحكم الملكي عام «1952م» معلنين قيام الجمهورية العلمانية.
ففي الوقت الذي لجأ الملك للإنجليز لحماية عرشه، لجأ الضباط الأحرار آنذاك للأمريكان؛ حيث قدمت أمريكا الرعاية والدعم لحركتهم وانقلابهم العسكري منذ البداية وحتى استقر لهم الأمر، ثم حدث الخلاف وتوجهوا للحماية السوفيتية، كما أثبت ذلك محمد جلال كشك في كتابه ثورة يوليو الأمريكية، وكما أخبر بذلك حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية في حلقات شاهد على العصر.
وقد حدث النهج نفسه من بشار الأسد حين استنجد بروسيا وإيران ضد الجيش السوري الحر. وحدث ما ترونه جميعًا الآن في سوريا.
تاريخ المنطقة، والتاريخ المصري خاصة، مليء بمثل هذه النداءات بعد مثل هذه الأحداث، التي يترتب عليها تدخل القوى الاستعمارية، واحتلال البلاد بشكل كامل.
إن نداء السيسي لترامب هو بمثابة دعوة لاحتلال مصر من قبل أمريكا تحت مبدأ حق التدخل الإنساني لحماية الأقليات المسيحية في مصر.
The post نداء السيسي لترامب في ضوء أحداث 1882 appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست