القاعدة الأصلية التي نشأت عليها الحضارة الإنسانية أن الثروة هي سلطة كامنة تمّكن صاحبها من الهيمنة والسيطرة وتحقق لمالكها ميزة ومزايا للتفوق.
ودائمًا كانت الثروة محل تقدير واعتبار وهيبة لصاحبها، يُخشى جانبه ويُعمل لرأيه حسابًا. ونعرف أن الثروة تجري وراءها السلطة أو يتحالفان سويًا فاتفاق المصالح يجمع بينهما.
ذلك عندما يقدّر صاحبها قيمتها وينزلها منزلًا قويًا في نفسه، لكن عندما يبخسها قدرها، ويُحط من قيمتها تهوي في عيون الآخرين، وإن كانوا منتفعين بها أو مستغلين لقدراتها.
الحديث مرير ومؤلم عن الثروة البشرية المصرية أو رأس المال البشري بالتعبير المعاصر، ودورهم التنموي المؤثر في بلدان الخليج، فهؤلاء بحق قيمة مضافة لاقتصاديات هذه الدول منذ عشرات السنين وأحدثوا ولا يزالون طفرات ونقلات حضارية في البلدان التي عملوا ويعملون بها، وعلى عواتقهم أقاموا صروحًا تنموية بشرية في مختلف المجالات في كل مكان عملوا به.
وهم في النهاية نزيف مستمر للعقول والطاقات والخبرات المصرية، طاقات شبابية قادرة على العمل والإبداع، نزيف يسري باتجاه واحد من الداخل للخارج، وبدلًا عن أن تُصبح العمالة المصرية بالخارج ورقة ضغط سياسي للدولة ومصدرًا لنفوذها وقوتها الخارجية، أصبحت عورة، تُهدد بفضحها الدول الأخرى.
والعمالة المصرية بالخارج، دليل حي على فشل دولة وأنظمة سياسية متعاقبة في الاستفادة منها سياسيًا واقتصاديًا. وكما ذُكر أصبحت ورقة ضغط خارجي على الدولة بكاملها، بدلًا عن أن تكون ورقة ضغط في يد أصحابها نراها أصبحت كعورة تتخفى الدولة منها.
ولعل أصل المشكلة هنا في النظرة الرسمية للمورد البشري المصري عمومًا، فمصر الآن لا تملك وفرة في مورد طبيعي سوى البشر، طاقات شبابية وتدفق بشري رهيب، لكن جهودهم ضائعة؛ لأن التوجه الرسمي يرى هؤلاء عبئًا ينبغي التخفف منه.
فكان من الطبيعي أن يفقد هذا المورد قدرته على التأثير كرأس مال متطور ومستمر وأن يُستغل في النهاية كورقة ضغط على الدولة للمساومة السياسية بشتى صورها، فطبيعي أن البصر لا يغني عن البصيرة، ومن يفقد الإحساس بما لديه من موارد، فإنها تهن في أعين الآخرين.
من ناحية ثانية إن كان الضغط يولّد الانفجار من الناحية الفيزيائية الطبيعية أو في الوضع المجتمعي، فإن القانون الأزلي هنا تسري عليه استثناءات نادرة، أحدها أن استمرار الضغط يولّد ردود أفعال غير متوقعة أحيانًا تعمل على استمرار الوضع وتمنع الانهيار.
لذلك فالرهان على استمرار الضغط وخلق مزيد من المشكلات وإحكام قبضة اليدين لخنق الضحية، لا يُجدي نفعًا مع مجتمع يئن من وطأة الفقر مئات السنين وخبر كافة أنواع المصائب.
مجتمع يعيش ويتعايش مع الفقر كأنه نديمه وأخوه من أبيه وأمه، فالضغط المستمر يولّد ردة فعل غير متوقعة بالمرة، لعل أخطرها التلاحم والالتفاف والتماسك بالداخل حول هدف، وإن كان وهميًا، أو التضامن مع مشروع قومي، وإن كان زائفًا.
وواقع الحال الآن لا يختلف كثيرًا عن المشهد في ستينات القرن العشرين، باستثناء شيء من الكياسة والحصافة التي منعت من الانزلاق إلى هاوية العمل العسكري لحساب الغير.
فلعلها الميزة الوحيدة للنظام الحالي، أنه وعى درس الستينات، وأدرك خطورة الانجرار بأوهام العروبة، والشقيقة الكبرى والقومية، وما إلى ذلك من مصطلحات لم يكتب لها بقاء، فالمصلحة ولا غير هي مناط الدعوى قانونًا، وهي معيار العقلانية السياسية للدول، عدا ذلك فهي مراهقة سياسية مردودها خيبة وندامة.
The post العورة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست