كانت ثورات الربيع العربي وجو الحرية الذي صحبها ونزاهة الانتخابات، بمثابة مقياس كاشف للشعارات التي يحملها الجميع؛ فبعد إزالة الحاجز الأساسي المتمثل في السلطات القمعية التي قامت عليها الثورات أصبحت الساحة مفتوحة للجميع لطرح نفسه وتنفيذ شعاراته.
رغم أن فترة الحرية التي أتاحها الربيع العربي لم تدم طويلا وأنهتها المؤامرات الداخلية والخارجية والإخفاقات في صفوف الثوار، أقول رغم أن هذه الفترة انتهت سريعًا إلا أنها نبهتنا إلى مجموعة من التساؤلات التي يجب مراجعتها داخل أروقة كيانات الإصلاح، وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين بواقع صدارتها للمشهد.
هذه التساؤلات وإجاباتها ليست تنظيرًا فارغًا لشغل فراغ مجالس التكلم، وإنما هي تساؤلات نابعة من معاناة واقعية، وإجاباتها سينتج عنها تحديد لمسار الحركة في المستقبل، والحقيقة أننا بحاجة إلى فتح ساحات التنظير وعدم التعنت ورفض أي فكرة وأي طرح تجديدي، فكما أن أي فكرة لا بد لها من جنود يضحون من أجلها ويسعون إلى رفعتها، فكذلك لا بد لها من عقول نيرة تفكر وتضع تصورات للتعامل مع الاحتمالات والظروف المختلفة.
هل حركة الإخوان المسلمين حركة تجديدية أم حركة سياسية؟
التجديد يقتضي مسايرة المفاهيم والسعي لترسيخها في المجتمع مما يؤدي إلى الصدام مع بعض قناعات المجتمع، والسياسة تقتضي مسايرة الناس والسعي لرضاهم حتى نكتسب تعاطفهم أو ثقتهم ونحصل على أصواتهم.. التجديد يقتضي شمولية كل مناحي الحياة، والسياسة توجه معظم الجهود ناحية السياسة ومعتركاتها. توضح أدبيات جماعة الإخوان أنها تجديدية كما سرد مؤسسها حسن البنا في تعريفها أنها دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية وثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية، بينما نصطدم بواقع أن رأينا الجماعة بعد الثورة انخرطت في السياسة على حساب الجوانب الأخرى، وفيما بعد الانقلاب أثر الإخفاق أو التغييب السياسي للجماعة على جميع أنشطتها فلم نر لها أي تواجد في أي مجال آخر.. هذا التساؤل يجب طرحه الآن والإجابة عليه والتنظير له، لأن إجابته أعقد من مجرد اختيار بين شيئين.
ما حدود ومجالات (عالمية) دعوة الإخوان التي نادى بها مؤسسها ولازالت تتردد في أرجاء الجماعة؟ هل هي عالمية الفكرة وانتشارها في أكثر من ثمانين دولة في أرجاء العالم فقط مع الانفصال بين التنظيمات التي تحمل تلك الفكرة كلٌ في دولته القومية؟ أم أن خاصية العالمية تعني تخطي حواجز حدود سايكس- بيكو القومية؟
لماذا نرى العسكر لهم أعوانهم ومساعدوهم من الخارج من شتى الدول في العالم، بينما جماعة الإخوان لا تستفيد من انتشار فكرتها في معظم دول العالم، وحتى الذين يتحركون في الخارج يتحركون فقط كمصريين.. ذات مرة تحرك كل الإخوان من كل الأقطار للمشاركة في حرب 48 رغم أن الحرب كانت على أرض فلسطين، فلماذا لا نرى الآن تحركًا لأفراد الإخوان مجتمعين لنصرة أي قضية من قضايا الأمة؟ الواقع أن على أبناء الدولة التي بها تلك القضية التعامل وعلى أفراد الإخوان خارج هذه الدولة الدعاء لهم فقط أو بالكاد دعم مالي، وأحيانًا تغيب بعض قضايا الأمة الإسلامية عن التناول بحجة انشغال كل أفراد دولة بمشكلة دولتهم.. وبالفعل أصبحنا أمام مجموعة تنظيمات قد تتشابه فكرتهم ولكنهم ليسوا تنظيمًا واحدًا.
ما هو المنهج المفصل لجماعة الإخوان المسلمين؟
لا شك أن جماعة مثل الإخوان تمتلك كفاءات بشرية في مجالات متعددة، ولكن متى يتم استغلال هذه الطاقات وتوظيفها في منهج شامل واضح به إجابة مفصلة عن الإطار السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي الدعوي التوعوي، وبه خطوات واضحة المعالم لكيفية الوصول للمستهدفات المطروحة؟ الشعارات والبرامج المختصرة والأفكار الجزئية التي يتم إنتاجها في إطار الدعاية الانتخابية غير كافية لإحداث تغيير مجتمعي، وكذلك العموميات البراقة ليست مجدية.. أفراد الجماعة أنفسهم بالإضافة إلى الناس بحاجة إلى معرفة آليات تعامل الجماعة ونهجها التفاعلي مع القضايا المثارة والمشاكل الموجودة، وقبل ذلك التوجه المنتهج للجماعة اقتصاديا وسياسيا.. الناس إذا لم يجدوا عند الجماعة إجابة لتساؤلاتهم سيذهبون إلى غيرها، التحرك العاطفي الذي جعل الناس يختارون فلانًا لأنه شيخ أو لأنه محترم ليس طويل الأمد، ومع ظهور المشاكل سينكشف هذا المحترم على حقيقته ويظهر إذا كان يملك حلولا لتلك المشاكل أم لا.
هل معركة الإخوان مع العسكر صفرية؟
هل الإخوان يرون أن العسكر يحاربهم ليقضي على شأفتهم أم يحاول فقط تقليل نفوذهم وتأثيرهم؟ وهل هم يريدون القضاء على الدولة المتغلغل فيها العسكر ولن يسقطوا إلا بسقوطها أم أنهم يسعون فقط لتقليل نفوذ العسكر في الدولة المصرية؟
دراسة الخصم وأهدافه وتحديد الأهداف الخاصة بي ووسائلي هي أهم خطوة من خطوات الصراع.
الثقة غير المبررة بأن العسكر لن يستطيعوا القضاء على الإخوان في الوقت الحالي ليست في محلها، ليس مجرد كونك الحق وخصمك هو الباطل ضمانًا لبقائك أو انتصارك، لقد رأينا إسلامًا مكتمل الأركان في الأندلس استمر لمدة ثمانية قرون.. ثم اندثر!
وأخيرًا يبقى تساؤل:
هل الصحيح أن نبدأ بالمجتمع ثم الحكم أم العكس؟
هل إقناع الناس بمجموعة الأفكار والقيم التي يملكها الإخوان المسلمون كفيل بوصول هذه القيم وممثليها إلى السلطة لتطبيقها؟ أم أن الأفضل أن تصل الجماعة إلى الحكم بمجموعة شعارات تروج بين الناس ثم عندما يصل ممثلها سيكون من السهل ترسيخ تلك القيم التي تحملها الجماعة؟
تبقى هذه التساؤلات وأخواتها بحاجة إلى مراجعات واستدراكات فكرية من الجماعة على كافة مستوياتها الإدارية، حتى لا تكون خطوات الجماعة الحركية سابقة للخطوات الفكرية، خاصة وأن الجماعة في أدبياتها وكتابات أفرادها يغلب عليها الجانب الحركي أكثر من الفكري مع أن المفترض أن يسيرا متوازيين.. الحركي يطبق الفكري، والفكري يوجه الحركي ويقيمه.
The post ٥ تساؤلات يجب طرحها فى أروقة الجماعة appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست