الجمعة، 16 أكتوبر 2015

ثقفني اون لاين : القاهرة بين ستانفورد وميليغرام

انشغل علماء النفس الأمريكيون بكيفية قيام النازية بكل فظائعها، وانصياع الشعب لتلك الأيديولوجيا الدموية. فقام د/ ستانلي ملغرام عام 1961م بتجربة حول مدى قدرة البشر على الانصياع لأوامر ذوي السلطة مهما بدت أوامر خاطئة، فتم إيهام مبحوثين أنهم بصدد تجربة حول الذاكرة، حيث يلعب المبحوثون دور معلمين يلقون أسئلة على متعلمين.

ومن يجيب بشكل خاطئ يتعرض لصدمة كهربية خفيفة تتزايد حدتها تدريجيا بتزايد الإجابات الخاطئة حتى تصل لحد يهدد حياة المتعلم ذاته، وهنا محور التجربة، هل سيواصل المبحوث تلقي أوامر المشرف على التجربة مهما بدت قاسية أم سيرفض الإكمال؟
كانت النتيجة المفاجئة أن أكثر من ثلثي المتطوعين للتجربة أكملوها ووصلوا للحد الأقصى من إعطاء الصدمات للمتعلمين بناء على أوامر المشرف، مما يوضح الجانب المخيف للمرءوس وقدرته اللا محكومة على الانصياع لأوامر قائد ما.

وفي عام 1971م قام العالم ” فيليب زيمباردو ” بتجربة محاكاة لحياة السجن في قبو جامعة “ستانفورد”و مدى سيطرة الأماكن والظرف على المبحوثين، وفي خمسة أيام تحول المبحوثون لحراس قساة عديمي الأخلاق ومساجين بائسين انهاروا في النهاية مما دفع” زيمباردو” لوقف التجربة لتداعياتها المخيفة.
الحراس بين التجربة والواقع

في عام 2007م ختم “يوسف شاهين” مسيرته بفيلم “هي فوضي” وكان بطله ليس حاكما طاغية أو وزيرا فاسدا، بل أمين شرطة, فقط أمين قسم بمنطقة عادية جدا، لكن الجميع يتودد له ويخشى بطشه، فهو يبدو كشيطان قادر على كل شيء.
أراد شاهين أن يخبرنا كيف تكون الأمور أسوأ عندما تمنح شخصا عاديا سلطة هائلة وكيف يستطيع الأمر تحويله لطاغية يقول: “البلد دي فيها حكومة والحكومة دي هي أنا”, يشبه الأمر ما قاله: “زيمباردو” في تجربة ستانفورد: أن المبحوثين كانوا مراهقين، لكنهم بمجرد أن ارتدوا زي الحراس وأمسكوا هراوة فرض النظام، وكست عيونهم نظارات معتمة تحولوا لرمز سلطوي مجرد من إنسانيته، وتمادوا في إذلال المساجين، ودفعهم للانهيار في خمسة أيام فقط.

فما بالك بشخص عادي تبيح القوانين الاستثنائية تحويله إلها؛ لفرض النظام لا راد لقوله، ولا معقب على قراره حتى لو كان أمين شرطة.

في تجربة “ميلغرام” كان مشرف التجربة عالما وديعا ذا معطف أبيض، لكن بسلطته استطاع إقناع مرءوسيه بتوجيه صدمات كهربية للمتعلمين، واللامبالاة بصرخاتهم وتوسلاتهم؛ لإنهاء التجربة, مجرد تجربة اختيارية، ومشرف عادي، استطاعا تحويل شخص مسالم لمرءوس بلا إرادة قد يرتكب ما لا يجرؤ على تخيله يوما.
ثلثا المتطوعين تحولوا لجناة ما داموا ضمن منظومة تأمرهم بذلك, حاول تخيل لو أن المنظومة تلك دولة، و أذرعتها الإعلامية تمتلك القدرة على تغذية العقول بروايات تبريرية، لا تبرر العنف والإقصاء فحسب، بل تشجع عليه وتباركه وتؤطر فاعله في إطار البطولة, حاول تخيل لو أن المشرف بالمنظومة، ليس دكتور مسالما، بل نظاما سياسيا وقضاء و إعلاما يأمرك بالانصياع لمسار محدد لابد أن تسير له الأمور مهما بدا مخالفا لفطرتك.
عندها سنتفهم كيف قتل الجنود مدنيين في مظاهرات سلمية؛ لأنهم تلقوا أوامر بذلك! بل كيف باركوا الأمر وصاح أحدهم “جدع يا باشا جت في عينه” لقناص ما ؟
أراد “ملغرام” أن يعرف كيف نفذ الجنود الألمان إجراءات مرعبة كالمحرقة والإبادة، لكنه أدرك أن طاعة الأفراد لمنظومة آمرة قد تكون سلسة جدا، مهما بدت الأوامر شنيعة, يشبه الأمر سبع الليل الذي يستمتع بالبطش بالمعتقلين؛ لأن أوامر سادته تقول: إنهم أعداء الوطن, لذا كان إدراك الحقيقة قاسيا، وإدراك أن انصياع الجندي البسيط في فيلم البريء 1986م، للأوامر قتل براءته فكانت نهاية المرءوس قتل رؤسائه, كما فعل عبد المعطي في قائده (إحنا بتوع الأتوبيس 1979م).
الضحايا بين التجربة والواقع

في تجربة “ستانفورد” كانت المفاجأة الأكبر من تحول المبحوثين لحرس قساة ارتكبوا أعمال إذلال وضيعة: هي تحول المبحوثين المسجونين لضحايا خاضعين، فلما تمرد أحد المساجين وطالب بترك التجربة، قام الحرس بمعاقبة الجميع، فتحول الضحايا لأداة بطش، حيث أهانوا المتمرد واتهموه بالسوء والضعف.
ولما أباح له الحرس الخروج من التجربة بشرط تنازل كل مسجون عن بطانية المبيت رفض الجميع وبقي المتمرد, أما في تجربة “ملغرام” فبدلا من أن يستنكر مبحوث العنف الواقع على المتعلم سارع بقوله: “من سيتحمل المسئولية لو تضرر المتعلم؟” وبمجرد أن طمأنه المشرف أن لا عقاب عليه استمر بالتجربة.
رفض الجميع في التجربة الأولى تحمل تبعات تمرد أحدهم؛ انتصارا لكرامته في تجربة تخطت كل حدود الإنسانية؛ وفي التجربة الثانية قبل مبحوث كل ضرر يقع على غيره ما دام لن يلام أو يتعرض لمثل ذلك,
نتذكر إيمان كثير منا اللا واعي بمقولة: ” يحدث للآخرين ولا يحدث لي” فالسلطة باطشة ودهست الإنسانية في أكثر من مرة، لكن هناك ضمانات وهمية دوما لكل فرد أنه لن يكون يوما بطلا لمأساة مشابهة لما يقرأه.

فمهما بدت الانتهاكات السلطوية عشوائية، ومهما تزايدت التحذيرات من الاختفاءات القسرية التي تطل وراءها الأقاويل عن دور الأجهزة الأمنية سيظل ذلك يحدث للآخرين, ولو قرر أحدهم الجهر بالسوء ضد السلطة وإظهارنا بمظهر الخانعين فتخوينه أسهل؛ لنثبت أنه خسر وأننا كسبنا بالصمت، وأننا أفضل منه، ولا ضير من اشتراك المواطن العادي في التحريض والتأييد لممارسات خاطئة وقمعية، والتخوين دون تدقيق لكل شخص مخالف ما دام مشرف التجربة يضمن أننا لن نلام وأننا لن نكون أبدا موضع مساءلة.
النظام و المنظومة

شبه زيمباردو تجربته ستانفورد بحادثة أبو غريب التي حولت جنودا أمريكيين لوحوش بشرية، وسخر من تشبيه رامسفيلد إياهم بتفاحات فاسدة فحسب، فيقول: ” قبل أن تساءل هؤلاء المارقين ابحث عن الظرف الذي وضعوا فيه, تكمن السلطة في النظام, النظام الذي يخلق الظرف الذي يفسد الأفراد.

والنظام هو الخلفية القانونية والسياسية والثقافية، وهنا تقبع السلطة التي يمتلكها صانعو البراميل الفاسدة، فإذا أردت تغيير شخص عليك تغيير الظرف، وإذا أردت تغيير الظرف عليك أن تعرف أين تكمن السلطة التي تفرض هذا الظرف ضمن النظام “.
نشرت “الجارديان” أن القاهرة من أكثر الأماكن المثيرة للتوتر بالعالم، وبالتعمق في القاهرة ستجد أنها تقوض كل جمالياتك, النظام حول القاهرة منظومة تجبر الفرد على كل ما يكره, ستدفع رشوة لأجل كل شيء مثل الركن بمكان أفضل وإنهاء معاملاتك, ستجد سلطة يهاجمها الناس؛ لأنها لا تبيد الإخوان المعزولين بشكل كامل، وستجد إخوانا يعضون شفاهم ندما؛ لأنهم لم يبيدوا العسكر من البداية، ولم يشنقوا الإعلاميين.
وأنت مطالب بالحفاظ على إنسانيتك وسط كل ذلك, النظام منذ القدم جعل المدينة منظومة بائسة, قال زيمباردو في نهاية التجربة: “أنا نفسي صرت مشوشا بين كوني آمر سجن وعالما يقود تجربة، المكان والبيئة الشريرة قادرة أحيانا على هزيمة النفوس الطيبة”.
بالتأمل تفهم لماذا يتمنى الشباب فرصة للفرار من مصر للخارج, ليست القاهرة مكانا سيئا، لكنها تجبرك دوما على أن تكون الشخص السيئ الذي لا تتمني أن تكونه. تتكاثف عوادمها على صدرك, وتعاملاتها تقوضك لتجعلك فردا في منظومة وساطة وفساد ومباركة الطرف الأقل تطرفا من الآخر, لن تترك لك أي ذكري لغد أفضل حتى لو كانت جرافيتي متآكل على حائط من أيام مباركة منسية.

أعتقد أن فشلنا ليس عيبا جينيا لكوننا مصريين؛ فكلا التجربتين كان أبطالهم مواطنين أمريكيين لطفاء، وأكثر من ثلثيهم ظهر جانبه السيئ بالتجربة, دوما ما دام النظام يولد منظومة كريهة أشنع من سجن ستانفورد أو مشرف ملغرام المتسلط.

سنفاجئ دوما بكم الشر والسواد الذي يتم استثارته ليخرج منا, عسى أن نكون يوما ما نريد وعندنا سنتساءل، كما وقف الألمان مشدوهين أمام حقبتهم, كيف صرنا كذلك وكيف حولتنا أنظمتنا ومدننا لذلك؟

The post القاهرة بين ستانفورد وميليغرام appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست