محطاتٌ عدة مرت بها المقاومة في فلسطين طيلة عقودٍ طويلةٍ من الاحتلال, ظلت الحجارةُ عاملا رئيسيا في تلك المقاومة حتى مع وجود الوسائل الأخرى، لكن ظلَّ الحجرُ نارا لا تخمد! أبرزُ تلك المحطات التى توقفَ عندها التاريخُ ليُسجِل أحداثها بعناية كانت ما نسميها حاليا الانتفاضات.
والانتفاضةُ في اللغة هي الحركة والاضطراب، وكان حماس هي أول من استعملَ كلمة انتفاضة في وصف حركة المقاومة في فلسطين في البيان الذي صدر عنها عقب ما سُمي بعدها بالانتفاضة الفلسطينية الأولي. قال البيان: “جاءت انتفاضة شعبنا المرابط في الأرض المحتلة، رفضاً لكل الاحتلال وضغوطاته، ولتوقظ ضمائر اللاهثين وراء السّلام الهزيل، وراء المؤتمرات الدولية الفارغة”.
الانتفاضةُ الفلسطينية الأولي ” انتفاضة الحجارة “:
انطلقت شرارة الانتفاضة في مساء يوم (16 من ربيع الآخر 1408 هـ = 8 من ديسمبر 1987م) حيثُ قامت شاحنة إسرائيلية بدهس سيارة يركبها عمال فلسطينيون في طريق عودتهم إلي منازلهم في قطاع غزة، أثناء توقف سيارتهم في محطة الوقود.
أدى ذلكَ الحادث إلي مقتل أربعة أشخاص وجرح آخرين, فيما لاذ سائق الشاحنة الإسرائيلية بالفرار.
وفي اليوم التالي، أثناء تشييع جنازة الضحايا كان الغضب سيد الموقف وهاجمت الحشود موقعًا للجيش الإسرائيلي بجباليا البلد بالحجارة والمولتوف، ومن هنا بدأت موجات الاحتجاج تنتشر في أنحاء البلاد. استمرت الاحتجاجات والمظاهرات يوما بعد يوم، كما تطورت أساليب المقاومة، وكان العصيان المدني من أهم الأشياء التى ميزت الانتفاضةُ الأولى.
كما كان للنساءِ دورُ واضح في الانتفاضةِ لا يمكن تجاهله بأي حالٍ من الأحوال، وكان حوالي ثلث شهداء الانتفاضة الأولى من النساء.
استمرت الانتفاضة الأولى حتى يوم (25 من ذي القعدة 1414 هـ = 5 من مايو1994م) حيث دخلت القوات الفلسطينية أرض فلسطين بعد توقيع اتفاقية إعلان المبادئ الفلسطينية – الإسرائيلية في “أوسلو”. والتي سُميت باتفاق أوسلو الذي أدى إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي من المدن الفلسطينية، بدأً بغزة وأريحا أولاً، عام 1994م، وتواصل مع باقي الـمدن باستثناء القدس وقلب مدينةالخليل، مما يتنافى مع الاتفاق.
قُدر عدد الشهداء الذين ارتقوا خلال مواجهات الانتفاضة الأولي بحوالي1,162 شهيد، بينهم حوالي 241 طفلا، وقُدرَ عدد المصابين بأكثر من 80 ألف مصاب، وتم اعتقال حوالي 15 ألف فلسطيني وتزايد العدد فيما بعد مما اضطر السلطات الإسرائيلية إلى افتتاح عدد من السجون لاستيعاب أعداد الأسرى، وتم تدمير أكثر من 1200 منزل، واقتلاع ما يزيد عن130 ألف شجرة من المزارع والحقول الفلسطينية. وعلى الجانب الآخر فقُتِل حوالي 160 إسرائيلي, منهم 5 أطفال فقط.
الانتفاضةُ الفلسطينية الثانية “انتفاضةُ الأقصى” :
بدأت شرارة الانتفاضة يوم الخميس 28 سبتمبر 2000، حيثُ قام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق آرائيل شارون بزيارة مُستفزة إلى باحة المسجد الأقصي بمرافقة حراسه، وهذا ما دفع المصلين المتواجدين في المسجد الأقصي إلى التجمهر ومحاولة صده فكانت بدايةً لاندلاع أول أعمال المقاومة في هذه الانتفاضة.
كان من أبراز المشاهد المؤثرة في تلك الانتفاضة ما نقلته عدسات الكاميرات حين استُشهد طفل عمره 12 عاما حين كان برفقة أبيه، الطفل الذي عُرِف فيما بعد أنه مُحمد الدرة، كان مشهد استشهاده دافعا لخروج الجموع في فلسطين والعالم العربي والإسلامى تنديدا بما حدث واستكمالا للانتفاضة.
كان من نتائج الانتفاضة أن تراجعت دعوات إتمام عمليات السلام، وحلَّ بديلا عنها الحديث عن تطبيق قرار مجلس الأمن: 242 والذي كان ينص على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التى احتلتها بعد حرب 1967م. وتوقفت الانتفاضة فعلياً في 8 فبراير 2005م بعد اتفاق الهدنة الذي عقد في قمة شرم الشيخ والذي جمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون.
كانت هذه الانتفاضة مختلفةً عن الأولى في تصاعد الأعمال العسكرية والمواجهة المسلحة بين الطرفين مما أدي إلي سقوط عدد أكبر من الشهداء. يُقدر عدد الشهداء الذين سقطوا خلال الانتفاضة الثانية بأكثر من 4400 شهيد ، ويُقدر عدد المصابين بأكثر من 48000 مُصاب.
كما تمَّ تدمير جزء كبير جدا من البنية التحيتية في فلسطين وتمت تصفية عدد كبير من القادة أبرزهم الشيخ أحمد ياسين و عبد العزيز الرنتيسي. على الجانب الآخر تم تقدير الخسائر الإسرائيلية بسقوط حوالي 334 قتيل من الجيش الإسرائيلي وأكثر من 700 قتيل من المستوطنين اليهود، ويُقدر عدد الإصابات بأكثر من 4500 جريح.
من نتائج الانتفاضة أيضا على الجانب الإسرائيلي تأثر السياحة الإسرائيلية تأثرا بالغا نتيجة لتزايد العمليات الاستشهداية وانعدام الأمن ، وضرب اقتصاد المستوطنات اليهودية.
انتفاضة السكين:
“كلمة جميلة أيها الرئيس، لكن عذراً نحن لا نعرف قدس شرقية وغربية. فقط نعرف أن لنا قدسا واحدة غير مقسمة وكل بقعة فيها مقدسة”. كانت تلك الكلمات من آخر ما كتبه الشهيد مهند الحلبي والذي يَعتبره الكثيرون مفجرا لانتفاضة السكين، والتي جاءت لتُحرك المياه الراكدة في الضفةِ الغربية لسنوات.
كانت البداية يوم السبت الثالث من الشهر الجاري أكتوبر/ تشرين الأول 2015 حين قام الشاب مهند الحلبي والذي يبلغ من العمر 19 عاما بتنفيذ عملية طعن لمستوطنين نفذها في القدس ونتج عنها مقتل إسرائيلين وإصابة اثنين آخرين، واستشهد على أثرها الشاب مهند الحلبي بإطلاق نارٍ من القوات الإسرائيلية، وأوضح الطب العدلي الفلسطيني بعد تشريح جثته أن مُهند تمت إصابته بأكثر من 15 رصاصة انطلقت من أسلحة مختلفة.
وكانت تلكَ العملية بعد أسابيع من اقتحام المستوطنين اليوم للمسجد الأقصي يوم 13 سبتمبر 15 والاعتداء عليه، حيثُ بدأت المواجهات منذ ذلك الوقت.
لم تَكُن تلك هي عملية الطعن الأولي التى يقوم بها فلسطينيون ضد المستوطنين اليهود، لكنها وبلا شك كانت الأبرز، وكانت بداية لسلسلة من عمليات الطعن المختلفة، والتى تستمر منذ أسبوع ، تزامنا مع خروج المظاهرات اليومية واندلاع المواجهات بين الطرفين، مما دفع البعض إلي القول بأن الانتفاضةَ قد انطلقت!
وحتي الآن لا توجد تقديرات دقيقة عن عدد الشهداء والمصابين، يُقدر عدد الشهداء خلال الأسبواع الأول من المواجهات بأكثر من 6 شهداء وأكثر من 500 جريح، ومقتل أكثر من 4 إسرائيليين حتى الآن وعدد من الإصابات.
ولا زالت المواجهات مستمرة حتى الآن، ولا يستطيعُ أيٌ منا التكَهن بما سيحدثُ في الأيام القادمة.
The post فلسطين، من انتفاضة الحجارة إلى انتفاضة السكين! appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست