الأحد، 18 أكتوبر 2015

ثقفني اون لاين : تكية ناصر (الجزء الرابع والأخير)

في الخامس من يونيو لعام 1967م، فاجأ العدو الصهيوني أراضي العرب بضربة موجعة، لا زالت تقض مضاجع العرب حتى يومنا هذا، ولا زالت تحكم سيطرة الصهاينة على المنطقة بأسرها.

أربعة دول عربية بجيوشها، تتعرض للقصف الجوي الصهيوني، الكلّي على الأرض:  فلسطين، وسوريا، والأردن، و( أم الدنيا )، تتعرض جميعها للقصف بلا هوادة، في ضربة ظنها العرب مفاجئة، رغم أن بوادرها كانت واضحة للمكفوفين! ما علينا من غزة، ومن الضفة، ومن الجولان، وعلينا بأم الدنيا!

 

 

سقطت سيناء التاريخية في أيدي اليهود، ودمّر ما يناهز 70% من القوة العسكرية المصرية، وقتل أكثر من 15 ألف جنديّ مصريّ، وقتل الأسرى شر قتلة، وأقيمت على جثثهم الحفلات الجماعية تحت الأرض، وتنفست المقابر أنفاس الأحياء المصريين التي انقطعت تحت!وضُرب عبدالنّاصر في مقتل!

 

ظنّ عبدالنّاصر في بداية الأمر أن المسألة بسيطة، أو ربما ظنّ أن الخسائر ليست بالفادحة، أو ربّما علم بالضربة بعدها كما علم صديقه عبد الحكيم عامر: القائد العام للقوات المسلحة بعدما انتهت الضربة، لا يهمّ.

 

ما يهمّ أن عبدالنّاصر ( مستهتراً ) أطلق حملته في الراديو مستمراً في خداع المصريين، الذين لم يكن لديهم ( مع جمال عبدالنّاصر ) سوى الراديو، ليلتفوا حول صوته، فانطلقت الحملات تزيف الواقع تماماً، وتسابق المعلّقون يزفّون للمصريين نبأ قرب اقتحام الجيش المصري لتلّ أبيب.

 

 

(طائراتنا على مشارف تلّ أبيب)

 

يا لسذاجتك يا شعب مصر ؟ ويا لبؤسك ؟ ويا لقذارة من حكموك ؟ لم يمتلك عبدالحليم حافظ الوقت الكافي حينها ، ليصدر أغنية جديدة محتفلاً بانتصار 67 ! فقد تبين الأمر وصار الموضوع عالمياً فيما بعد، وعرف الجميع هول الضربة، وعظم ما أصاب العرب من فاجعة.لم يعد الأمر سهل الكتمان.

 

 

 

جيش مصر في مهبّ الريح، خير أجناد الأرض يدفنون أحياء، أرض التيه عادت لليهود،يا للخزي ! لم يدرِ عبدالناصر ماذا يصنع! إن كل أكاذيبه الآن على وشك الافتضاح! إن الجيش الذي قال طويلاً: إنه ” أمل الأمّة “، لم يعلم قائده أن إسرائيل تضربه الآن! إن طائرات خير أجناد الأرض، ضربت على الأرض نفسها دون قتال! إن العروبة التي تشدق بحمل لوائها، تضرب الآن في مقتل!

 

 

موقف جديد مغاير تماماً، مختلف تماماً، كيف عساه يبرر للناس تلك الطامّة ؟ هل تذكرون حادث المنشيّة ؟ هل تذكرون كيف عنونت في الجزء الأول تلك القاعدة التي استخدمها عبد النّاصر لإلهاء الشعب وجعله يلتفّ حوله دون شرعية بعدما انقلب على نجيب ؟هل تذكرون كيف عنونت حادث المنشية ؟

 

(اصنع الحدث .. ثم تباك عليه! )

 

 

ولكن من سوء حظ عبدالناصر حينها، أنه لم يصنع الحدث، بل كانت المشكلة في صانعه أصلاً، كانوا الصهاينة، الذين امتلأ بهم فوه عبد النّاصر قذعاً وتحقيراً، الذين ادعى كفاحهم ونضالهم، وادعى أن تلك قضيته العظمى، وغايته الأسمى.

 

 

لم يصنع الحدث، فاكتفى بنصف القاعدة، تباك فقط، تباكى عبدالنّاصر، تباكي الجبل، وتهاوى تماما إلى سفحه، أو ربما أدنى من سفحه.

 

 

 

 

 

 ( التنحّي، والكذبَة)

 

 

 

أعلن عبد النّاصر متباكياً في خطبته الجماهيرية  بعد النكسة ، تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية ، متحملاً مسئولية النكسة ( كما أسماها ).لم يترك الأمر لأحد.أعلن فقط تنحيه، وكان ردّ الفعل المنتظر مرآة لكل ما أراده عبدالنّاصر دوماً.  عبدالنّاصر لم يكن يحب الشعب، ولا القومية، ولا العرب، ولم يكن يكره إسرائيل. بل لم يكن يحب عبدالحليم حافظ، قائد أوركسترا عبد النّاصر، ولم يكن يحبّ عبد الحكيم عامر، صديقه الصدوق. عبدالنّاصر لم يكن يحبّ سوى نفسه .

 

 

عبد النّاصر لم يكن سوى لعنة حلّت على مصر، لا زلنا نعاني ويلاتها إلى الآن، كان الجزء الذي أعلن فيه عبد النّاصر تنحيه بالنص التالي : ” وإني قد اتخدت قراراً أريد منكم جميعاً أن تساعدوني عليه ، قررت أن أتنحى عن أي منصب رسمي، وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير “. لم يضع للأمر بديلاً آخر.

 

 

أن تسمع عبد النّاصر يلقي بتلك الكلمات في انكسار ، لا يشير إلا إلى أحد احتمالين لا ثالث لهما:أولهما: أنه يريد أن يترك الأمور دون سيطرة ، وفي هذا سيطرة أكيدة من عبد الحكيم عامر الرجل الثاني بالدولة وصديقه المقرّب على مقاليد الحكم. وثانيهما: أنه يريد أن يعود له الزخم الجماهيري من جديد، زعيماً وقائداً وملهماً ومتحكماً بسلطان السماء،وقد كان!

 

 

اندفعت الجماهير العريضة إلى الشوارع؛ تطالبه بالرجوع عن قرار التنحي، بفطرة بسيطة، أيقنت أن هذا المنتفع يجرّ البلاد: إما إلى الفوضى، وإما إلى عودة سيطرته على الأمر بشكل كامل، وبتأييد شعبيّ، وقد كان الاختيار الشعبي العام حينها أنه يفضل أن يعود عبد النّاصر على أن ينتهي العدوان، وأن يفيق المصريون من الكابوس.

 

 

 

( كَبْشُ الفِدَاء ) 

 

 

تعرَض عبد الناصر لحملة قوية من المعارضين حينها ، أبرزهم أحمد فؤاد نجم حين ألقى قصيدته الشهيرة التي يقول في مطلعها .

 

” الحمد لله .. خبطنا تحت باطاتنا .. يا محلى رجعة ظباطنا .. من خط النار ”

 

وغنّاها الشيخ إمام، وتداولها المصريون، ولكنّ عودة عبدالنّاصر كانت قويّة، وخبيثة، وقذرة.

 

في البداية طالب عبد النّاصر المصريين بكفّ الحملة الموجهة ضده والالتفاف حوله لطرد الاحتلال معبراً بتعبير ” الجيش المصري أمل الأمّة ” . ولكن كان لسان حال عبدالنّاصر حينها يقول: قبل أن أدعوهم للالتفاف حولي، لابد أن أنفض يدي من المسألة تماماً، لابد أن يحملها أحد غيري . وكانت تلك القاعدة الثامنة من التعامل العسكري مع الرأي العام المصري منذ انقلاب يوليو: ( إذا صنعت رمزاً، فادرأ عنه كل الشبهات، ألّهه )!

 

 

وكان الرمز حينها عبد النّاصر، وكان لابد من درء الشبهات عنه، ولابد من تأليهه، ولابد من أن ينتهي الربط بين عبد النّاصر وبين النّكسة إلى الأبد، لابد ألا يقترن اسمه باسمها، لابد من كبش فداء .

 

 

وكان اختيار عبدالنّاصر حينها لأصدق أصدقائه، وخلّه المقرب، عبدالحكيم عامر؛ الذي تحمل ” الليلة ” من ألفها إلى يائها .

 

 

ولا زلنا إلى الآن، نعلم كل شيء عن تكاسل عبد الحكيم عامر ومغامراته النسائية في فترة الحرب، ( وهذا حقيقي لا يُنفى )، ولكننا لا نقرن النكسة بعبد النّاصر أبداً .

 

 

وكانت تلك بالمناسبة، أولى فترات تشكل جهاز الشئون المعنوية بالقوات المسلّحة، ذلك الجهاز الذي جعل عبد الحكيم عامر كبش فداء عبد النّاصر؛ ليحافظ على الرمز .

 

 

لن أتطرق إلى الأحداث التي مرّ بها عبدالحكيم عامر، لكن الخلاصة أن عامر اتهم بالخيانة العظمى ، وعزل كل من سانده ، وتشاتم هو ومن أيد عبد النّاصر وأبرزهم السادات ، واعتقل . واغتيل مسموماً !

 

 

وكان الدور على الإعلام: الذي أفرد المانشيتات العريضة عن ( انتحار ) عبد الحكيم عامر متناولاً جرعة زائدة من الآكوتينين . وانتهى الخونة، ومن مالأهم، واستتب الأمر مجدداً لعبدالنّاصر، وعبدالنّاصر فقط !

 

 

 

 

   (الاستنزاف)

 

 

وبدأ عبد النّاصر مرحلته الأخيرة، والتي لم يكن منها بدّ، لابد له من أن يحرر سيناء، وأن ينهي على النكسة، وتبعاتها .

 

 

وبدأ بحروب الاستنزاف، التي كانت جيدة التخطيط، استغلت فيها كل قوى الجنود المصريين أفضل استغلال، لعل أبرزها عملية تدمير المدمرة الإسرائيلية الضخمة إيلات في خليج السويس .

 

 

وكان عبد النّاصر بارعاً في استنزاف قوى الصهاينة، وكان النصر حليف المصريين في معظم تلك الحروب، وكانت إسرائيل قد أحست أن ساعة صفر تواجدها في مصر توشك أن تأتي، وكانت الشبكة الجاسوسية المصرية تنتشر في كل مكان في إسرائيل . وكان عبدالنّاصر قائد كل تلك المنظومة قطعاً .

 

 

واستمرّت الحرب الضروس بين عبد النّاصر والصهاينة بين كرّ وفرّ على مدى السنين التي تلت النكسة، متسلحاً بكافة أشكال التأييد الشعبيّ ، والإعلاميّ ، والفنيّ ، بعدما أزاح عن طريقه كل الخصوم .

 

 

ولم يبقَ أمامه إلا إسرائيل عدواً، يريد أن يتخلص مما كبدته إياه من إحراج .

 

 

 

 (هلاك الرمز)

 

 

وفي 1970م مات عبد النّاصر ميتة غامضة؛ قال البعض: إنه مات مريضاً فجأة، وذهب البعض إلى أنه مات منتحراً، بينما رجح باقون كثر: أنه مات مغتالاً مسموماً .

 

 

على كلّ، فإني أرجح اغتياله، إمّا على يد قيادات عسكريّة، أو على يد معارضين، أو على يد حلفاء الغرب في مصر، والذين ضاقوا ذرعاً بفكر عبد النّاصر الذي ضايقهم طويلاً، حتى ولو كان تشدقاً وملأ أفواه.

 

 

أو على الأرجح، على يد حلفاء الصهاينة، الذين أحسّوا قوة شوكة عبد النّاصر عليهم وانتصاره في حروب الاستنزاف النوعية، فكان لابد من تغيير في شكل المعركة وكان حلّهم، دفع بعض الأيادي لاغتيال عبدالنّاصر، العلم لله!

 

 

ولكن المؤكد أن موت عبد النّاصر كان نهاية لفترة من النفاق والخداع ، التملق والرياء ، فترة اختلط فيها الحابل بالنابل، فترة لم يكن فيها سوى اسم واحد، وشخص واحد، وحاكم واحد. فترة تشكل فيها مفهوم الانتماء المصري ، والوطنية المصرية ، والقومية العربية ، والزعيم الفرد. فترة لها ما بعدها كله، إلى وقتنا هذا .

 

 

وبالنسبة لمخطط العسكر، فقد انتهت مرحلة ” الرمز ” وبدأت مرحلة ” ما خلف الكالوس “والتي كانت أزهى فترات العسكر على وجه الإطلاق، في الخريطة الزمنية المصرية .

The post تكية ناصر (الجزء الرابع والأخير) appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست