السبت، 17 أكتوبر 2015

ثقفني اون لاين : عقدة بياض البشرة!

مع أن هناك الكثير من الأغنيات العربية التي تتغزل بالسمراوات، في مقابل ندرة شديدة في الأغنيات التي تحتفي بالبيضاوات، إلا أن الأغنيات الأولى تأتي ـ فيما أزعم ـ كنوع من المواساة ورفع المعنويات لصاحبات البشرة الداكنة؛ لأن الجمال في المخيال العربي مرتبط في واقع الأمر ببياض البشرة، وليس بسمرتها.

فالسمراوت يحسدن البيضاوات ويتمنين لو أنهن كن يتمتعن بمثل لونهن، ويجتهدن، هن وأمهاتهن، في ملاحقة وتجربة مساحيق ووصفات تببيض البشرة، أو تفتيحها على الأقل؛ لأنهن يعلمن أن الرجال يفضلون صاحبات البشرة الفاتحة، وأنهن يحظين بفرص أكبر في الزواج.

ويبدو أن لتلك النظرة المجحفة ضد السمراوات ارتباط بالواقع السياسي والاجتماعي الذي عرفه تاريخ الوطن العربي. فمنذ القدم، أي: حتى ما قبل مجيء الإسلام، كان العرب يستقدمون العبيد من إفريقيا السوداء.

ومن ثم؛ فقد ارتبطت العبودية بشكل وثيق في أذهان الناس باللون الأسود. وفي المقابل، أصبح بياض البشرة تعبيرا عن نبل الأصل ورفعة المكانة، وبخاصة في ضوء ابتلاء معظم البلدان العربية بحكم عائلات تعود بجذورها إلى أوروبا وأكنافها، أي عائلات تميل بشرة أفرادها إلى البياض.

 
والمؤسف أن تلك النظرة العنصرية ما تزال تفعل فعلها حتى أيامنا. فمثلا، درجت المرحومة أمي عندما كانت تعُرض عليها فتاة داكنة البشرة للارتباط بواحد من أبنائها على أن تنقبض قسمات وجهها، وتقول بصورة تلقائية مستنكرة: مثل العبدة!

والواقع، إن تلك النزعة المريضة قد انتقلت إليّ بشكل أو بآخر بصورة غير واعية، فعندما كنت أستحضر صورة فتاة أو فتيات أحلامي، لم يحدث أبدا أن توارد إلى ذهني صورة فتاة غامقة البشرة، وكانت النماذج التي أستدعيها في مخيلتي دائما نماذج مفرطة البياض!

أذكر في هذا السياق قصة حقيقية طريفة روتها إحدى الصديقات، تتحدث عن رجل توفيت زوجته بعد سنوات طويلة من زواجهما. وبينما كان الأهل يعزونه على فقدانها، سأله بعضهم إذا كان يرغب في الزواج مجددا كي يجد من يعتني به ويؤنس وحدته. فأجاب وسط شلال من الدموع: أبدا، مستحيل، وهل هناك مثل المرحومة يمكن أن تعوضني عنها! ثم بعض لحظات قليلة، وقد جف شلال الدموع: ولكن إذا كنتم تصرون أن أفعل فلا بأس، شريطة أن تكون بيضاء البشرة! علما بأن المرحومة كانت من السمراوات!

 

ولعلكم في السياق نفسه تلاحظون هرولة كثير من الرجال العرب إلى الزواج من اللاجئات السوريات، المشهورات بالبياض، بحجة كسب الثواب والستر عليهن، في مقابل انصرافهم الكلي عن الاقتراب صوب اللاجئات السودانيات أو الصوماليات، وكأنه ليس هناك أي أجر نظير الارتباط بالأخيرات، وكأنهن لسن هن أيضا بحاجة إلى الحماية والستر!

لقد جاء في الحديث النبوي الشريف ما معناه أنه لا يدخل الجنة من في قلبه ذرة من كبر، والنظرة باستعلاء إلى سود البشرة، سواء عن طريق تجنب مصادقتهم أو مصاهرتهم، حتى وإن لم نجرؤ على الاعتراف بذلك، حتى لأنفسنا، تدخل حتما في باب الكبر.

وأظنكم تعرفون قصة أبي ذر الغفاري، الذي أصر على أن يطأ بلال بن رباح خده بنعله، بعد أن كان قد عيره بأنه “ابن سوداء”، وبعد أن وبخه النبي عليه الصلاة والسلام بأن فيه بقية من جاهلية. الحكمة من القصة أن على الإنسان أن يفعل أقصى ما في وسعه، إلى درجة إرغام نفسه وإذلالها، من أجل كسر نزعات الصلف والغطرسة والغرور الكامنة فيه.

في الاختبارات الاجتماعية المعنية بقياس مستوى الاندماج وتقبل الآخر المختلف، يتم استخدام مؤشر الاستعداد للزواج من أعضاء فئة معينة بوصفه أقوى المؤشرات على إمكانية تقبل تلك الفئة بصورة حقيقية.

لذلك قد يكون من المفيد أن يسأل كل منا نفسه عن درجة استعداده للاقتران بفتاة شديدة السمرة، فإن وجد أن نفسه تأنف من ذلك، فليحذر أشد الحذر وليراجع قلبه، فقد يكون الأمر أبعد من مجرد الاحتكام إلى معايير وتفضيلات جمالية معينة، وقد يكون المرء ممن ينطبق عليهم الحديث النبوي الشريف الذي يحرم المتكبر من دخول الجنة!

The post عقدة بياض البشرة! appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست