الصفحات

الأربعاء، 14 أكتوبر 2015

ثقفني اون لاين : شراكة المصالح

غني عن القول أن العلاقة الإثيوبية الصومالية متخمة بتركة تاريخية مريرة وبإشكالات حاضر لا يقل مرارة. فالنزاعات الدينية والسياسية وحروب الوكالة والاجتياحات العسكرية ومساعي الهيمنة؛ أسبغت على العلاقة طابعًا من عدم الأمان المتبادل.
ونظرًا للبُعد الإستراتيجي الحيوي الذي تشكله منطقة القرن الإفريقي على الخارطة الدولية؛ فإن النزاعات المحلية والإقليمية فيها تشكل مرتعًا خصبًا لتجاذبات وسياسات القوى العظمى.
في مرحلة ما بعد نشوء الجمهورية الصومالية في عام 1960 وحتى نشوب الحرب الأهلية في عام 1991؛ لم يُثبت الزعماء الصوماليون فاعلية سياسة استعراض العضلات وتجاهل التوازنات الإقليمية والدولية القائمة وقتها، ولا يبدو كذلك أن الانبطاح الذي يسود المشهد السياسي الصومالي الراهن سيفضي إلى نتائج أفضل، خصوصًا وأن الصومال لا زالت الطرف الأضعف في التحالفات الإقليمية والدولية المعنية بشؤون القرن الإفريقي.
 

رغم الإنكار الرسمي لأي دور أمريكي مباشر في الغزو الإثيوبي للصومال نهاية عام 2006، فإن وثيقة الويكيليكس المنشورة عام 2010، والتي كشفت عن الدور الأمريكي المحوري، ليست شذوذًا عن السياسة الأمريكية فيما يخص أزمات المنطقة، بل اتساق تام مع التحالف الإستراتيجي الأمريكي الإثيوبي، ما يعيد إلى الذاكرة الموقف الأمريكي من الحرب الإثيوبية الصومالية 1977-1978 والذي عبّر عن صمود التحالف في أحرج الظروف وعقب صعود المدّ الاشتراكي في إثيوبيا

 

بدايات الاهتمام بالمنطقة

 

ترتبط منطقة القرن الإفريقي ارتباطًا إستراتيجيًّا غير مباشر بالمصالح الحيوية الأمريكية، وتحتل موقعًا مهما – نسبيا – في السياسة الخارجية الأمريكية، ويبرز اهتمام ملحوظ بالمنطقة في وقت النزاعات أو الأزمات الكبيرة، لكن صياغة السياسة الأمريكية في المنطقة غالبا ما تُتْرَك بيد البيروقراطية الحكومية.

 

 

 

تعود بدايات التدخل الأمريكي في إشكاليات القرن الإفريقي إلى منتصف الأربعينيات إثر تقديم وزير الخارجية البريطاني آرنست بيفن مشروعًا قدمه عقب الحرب العالمية الثانية لحلفاء بريطانيا، عُرف باسم “خطة بيفن”، والتي تتلخص في توحيد جميع الأراضي التي يقطنها الصوماليون في القرن الإفريقي تحت إدارة بريطانية. رفضت أمريكا الخطة رغم وقوفها على الحياد ابتداءً، وكان رفضها نابعًا من اعتبارات الحرب الباردة، واحتواءً لأطماع سوفييتية في المستعمرات الإيطالية السابقة؛ وتحديدًا منطقة طرابلس، فيما لو تغير الوضع القائم في القرن الإفريقي.
 

في أواخر عام 1956، بدأت وزارة الخارجية الأمريكية في الاستعداد بشكل مؤسسي لعملية إنهاء الاستعمار التي كانت على وشك البدء في القارة. بعد عودته من زيارة إفريقيا في مارس عام 1957، والتي تضمنت لقاءً مع الإمبراطور الإثيوبي هيلاسلاسي؛ أوصى ريتشارد نيكسون – نائب الرئيس الأمريكي حينها – بإنشاء الدائرة الإفريقية، لإعادة توجيه سياسات واشنطن إزاء القارة، والتي كانت تقع ضمن الإطار البيروقراطي لدائرة الشرق الأدنى.

 

في أغسطس عام 1958 أعلنت إدارة الرئيس آيزنهاور عن إنشاء الدائرة الإفريقية رسميا، وتحولت إثيوبيا “من سمكة صغيرة في بركة كبيرة إلى سمكة كبيرة في بركة صغيرة”، وصار لها وزن أكبر في صياغة السياسات الأمريكية في إفريقيا ومنطقة القرن الإفريقي تحديدا، واعتُمد الموقف الإثيوبي من قبل الدائرة الإفريقية التي انحازت له في رسم توجهات السياسة الأمريكية في المنطقة

 

ما الذي ميّز إثيوبيا؟ 

 

بالإضافة إلى هيمنة إثيوبيا على منطقة القرن الإفريقي من حيث المساحة وتعداد السكان وسيطرتها آنذاك على 600 ميل بحري من الساحل الإريتري المطل على البحر الأحمر، فقد تضافرت عوامل عدة أدت إلى أن تكون ممثل المنطقة دوليًّا في وقت مبكر:

 

  1. على الصعيد الشخصي والثقافي؛ نظر الأمريكيون إلى هيلاسلاسي كشخصية شهيرة لها وزنها العالمي المعتبر بعد تصديه للفاشية الإيطالية التي اجتاحت إثيوبيا في الثلاثينيات.

2. اعتُبِرتْ إثيوبيا الحصن الأقدم للمسيحية في القارة الإفريقية ومنحها ذلك قيمة تاريخية.

 

3. إستراتيجيًّا؛ أصبحت محطة كاجنيو – الواقعة خارج أسمرا – في نهاية الخمسينيات جزءًا حيويًّا من شبكة الاتصالات الاستخبارية الأمريكية.

4. تعززت هيبة هيلاسلاسي الإقليمية والعالمية بعد تأسيس الاتحاد الإفريقي عام 1963، وتحويل أديس أبابا إلى مقر دائم للاتحاد.

5. سعت الدائرة الإفريقية بالخارجية الأمريكية لتوظيف التحالف مع رجل الدولة الأقدم في إفريقيا؛ هيلاسلاسي؛ لمواجهة التكتلات الإفريقية الموالية للمعسكر الشيوعي، مثل مجموعة البرازفيل التي ضمت 12 دولة إفريقية من المستعمرات الفرنسية السابقة، وكتلة الدار البيضاء التي قادها جمال عبد الناصر.

 

6. اشتمال الاتحاد الإفريقي في ميثاقه على بند يحرم تغيير الحدود الاستعمارية قدم غطاءً سياسيًّا للقمع العسكري الذي استخدمته إثيوبيا ضد المجموعات المطالبة بحق تقرير المصير والاستقلال من حكمها، وصارت الصومال بناءً على هذا البند “خارجة على القانون” في نظر المجتمع الدولي، وأصبح نضال الإريتريين للاستقلال “غير قانوني”.

 

على الجانب الإثيوبي؛ سيطرت على النخبة الحاكمة في إثيوبيا العقلية المحاصرة والمهددة، نتيجة تعرضها لعدة اجتياحات إسلامية وأوروبية، إضافة لكونها دولة داخلية لا منافذ بحرية لها، فكان أهم هدفين إستراتيجيين لها هما:

 

  1. الحفاظ على تماسك إمبراطوريتها الواسعة المتعددة الثقافات والأعراق.

 

2. تأمين منفذ بحري لها على البحر الأحمر.

 

في ظل التحولات التي شهدها العالم عقب الحرب العالمية الثانية وبروز قوى عظمى جديدة تمثلت في الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة؛ وقع اختيار الإمبراطور هيلاسلاسي على أمريكا في سعيه للبحث عن قوة دولية يستند إليها لخدمة مخططاته في المنطقة، وكان لتخوفه من الأثر السلبي الذي قد تتركه الشيوعية في بلد فقيرٍ متعددِ الأعراق دورٌ في هذا الاختيار.

 

واصلت أمريكا دعمها لإثيوبيا حتى بعد سقوط النظام الإمبراطوري المتحالف مع الغرب وانحياز نظام منغستو هيلا مريم للاتحاد السوفييتي. لأن التزامها لم يكن لشخص هيلاسلاسي أو لنظامه، بل لإثيوبيا كبلد مهم للقوى الدولية، بفضل موقعها الإستراتيجي في شرق القارة، ومساحتها الكبيرة، وثقلها التاريخي الناجم عن كونها أقدم الأنظمة السياسية المعروفة في إفريقيا، والدولة الوحيدة في إفريقيا السمراء التي لم تتعرض لتجربة الاستعمار الأوروبي التقليدية، وتعتبر في نفس الوقت حامية المسيحية في شرق القارة، بالإضافة إلى الموارد التي تزخر بها إثيوبيا، والخصوبة التي تميزت بها أراضيها؛ كل تلك العوامل دفعت أمريكا دوما إلى الحفاظ على علاقتها الخاصة مع إثيوبيا حتى في أصعب الظروف السياسية والعسكرية.

 

 

ويعتبر كتاب: تسليح القرن الإفريقي؛ السياسة الأمنية الأمريكية في إثيوبيا والصومال 1953-1991، لمؤلفه Jeffrey Lefebvre من أقوى المراجع التي تناولت بدايات تشكل هذه العلاقة التاريخية المعقدة، والعوامل الشائكة التي خلقتها، وأولى الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية التي أُبرِمت بين أمريكا وإثيوبيا في الخمسينيات والستينيات وكانت حجر الأساس لتعاون وثيق طويل المدى، والكتاب من منشورات جامعة Pittsburgh الأمريكية.

 

تأثير العامل الاقتصادي

 

يذكر تقرير صدر في يوليو عام 2014 من مؤسسة ديلويت Deloitte – أحد مكاتب المحاسبة القانونية الأربعة الأكثر شهرة في العالم – أن إثيوبيا حققت قفزات اقتصادية خلال العقد الأخير، أطلق عليها التقرير مسمى “المعجزة”، فالموقع الإستراتيجي لإثيوبيا في القرن الإفريقي عزز التحالف الأمريكي الإثيوبي التاريخي، والذي ساعد في تنشيط عجلة الاقتصاد الإثيوبي عن طريق تشجيع الاستثمارات الأجنبية في السنوات الأخيرة.

 

 

 

 

فعلى سبيل المثال؛ تجاوزت الاستثمارات التركية في إثيوبيا خلال عام 2013 مبلغ 140 مليون دولار في قطاعي الجلود والمنسوجات، بينما بلغت الاستثمارات الصينية 500 مليون دولار في القطاع الصناعي، وبلغت الاستثمارات اليابانية 23 مليون دولار، وبلغت الاستثمارات الأولية لشركة إسرائيل للصناعات الكيميائية 25 مليون دولار مع خطة لرفعها تدريجيا إلى 642 مليون دولار، كما بلغت استثمارات شركة Diageo البريطانية المتخصصة في صناعة المشروبات الكحولية حوالي 225 مليون دولار مع زيادة تبلغ 50% كل سنة، ويشير التقرير إلى أن هذه الزيادة تعكس ازدياد نسبة المستهلكين ممن ارتفع مستوى دخلهم نظرًا لفرص العمل الناتجة عن تلك الاستثمارات الأجنبية.

 

خلال السنوات العشر الأخيرة حقق الاقتصاد الإثيوبي نموًا مضاعفًا بمعدل 10.6 % كل سنة، ليأتي في المرتبة الثانية بعد أنغولا على مستوى إفريقيا، وتعد معدلات النمو المرتفعة المذكورة أعلاه ثمرة الاستثمارات الأجنبية والاستقرار السياسي والاجتماعي النسبي.

 

الجدول المنشور أدناه في تقرير ديلويت؛ يشرح مسار تطور الاقتصاد الإثيوبي، مرورًا بالأزمات السياسية والكوارث الطبيعية خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

 

 

a

 

 

يؤكد التقرير أن المكاسب التي حققها الاقتصاد الإثيوبي على صعيد الناتج المحلي واستصلاح الأراضي والبنية التحتية ومكافحة الفقر خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة؛ تعود في مجملها إلى وجود بيئة عمل مشجعة للاستثمار الأجنبي. هذه البيئة لا زالت قيد الإنشاء، بيد أنه من المتوقع أن الإطار الهيكلي المقترح للاستثمارات سيساهم في جذب رؤوس الأموال الأجنبية في قطاعات تجارية متعددة، ولا يمكن تجاهل التأثير الجوهري لهذا العامل الاقتصادي في تعزيز الموقف الإثيوبي وتأثيره الراهن – إقليميا ودوليا – فيما يخص شؤون القرن الإفريقي.

 

مآلات العلاقة التاريخية 

 

إن التبني الأمريكي الكامل – تقريبًا – للموقف الإثيوبي فيما يتعلق بأزمات القرن الإفريقي؛ يغذّي الصراعات المسلحة في المنطقة ويساهم في زعزعة استقرارها. فإثيوبيا المدفوعة بهواجسها الأمنية التاريخية لن تكون في يوم من الأيام شريكًا موضوعيًّا في مشروع إعادة بناء الدولة الصومالية، والتغاضي العالمي عن الاعتداءات المنهجية التي تمارسها إثيوبيا داخل حدودها وخارجها وإطلاق يدها في المنطقة لن يتمخض عنه سوى إشعال المزيد من الحرائق.

 

يطرح تقرير صادر عن مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية CSIS صدر في يونيو عام 2011 المعضلات السياسية التي ترافق التحالف الأمريكي الإثيوبي؛ إذ يذكر أن واشنطن في حاجة إلى الإبقاء على علاقتها الوثيقة بإثيوبيا من أجل تحقيق مصالحها الإستراتيجية في منطقة القرن الإفريقي. ورغم ذلك فإن لهذه العلاقة ثمنًا باهظًا، كما هو الحال في العلاقة مع الدول المحورية في المناطق الحرِجة مثل: باكستان والسعودية.

 

 

 

 

فأولئك “الرفقاء المُحْرِجُون” يحصلون على الدعم الأمريكي مقابل منافع أمنية حيوية، لكنهم ينفذون أحيانًا مخططاتهم الوحشية بغض النظر عن أي ضغط قد يأتي من واشنطن. وعلاوة على ذلك؛ فإن هشاشة النظام الإثيوبي كسائر الأنظمة الاستبدادية في العالم قد تعرضه للسقوط في حال اندلاع عنف داخلي مفاجئ، مما سينعكس سلبًا على السياسة الخارجية الأمريكية، وقد يجعل إثيوبيا مستقبلا حليفا أقل قيمة في المنطقة.

 

لم يغير أوباما توجهات سلفه في تركيز السياسة الأمريكية تجاه إثيوبيا على التعاون في مجال “مكافحة الإرهاب”، رغم ظهور بعض الاهتمام بالجانب الاقتصادي والتطور السياسي، وإن كان الأخير لم يتجاوز إطار التصريحات الإعلامية، وجاء الرد الإثيوبي عليها في تعزيز دور الاستثمارات الصينية، رغم أن أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الاقتصادية الدولية الرئيسة تظل المصدر الأهم لرأس المال الاستثماري في مجال الأمن الغذائي والخدمات الأساسية في المجالين الصحي والتعليمي.

 

خلاصة القول؛ وبعبارة الأكاديمي المخضرم Jeffrey Lefebvre: “فإن التعاطي الأمريكي مع أزمات القرن الإفريقي بعد الحادي عشر من سبتمر ظل مرهونًا بالقاعدة الأمريكية التي تقول: إما أن تكون معنا أو مع الإرهابيين، تمامًا كما كان مرهونًا في حقبة الحرب الباردة بقاعدة شبيهة: إنه وغد، لكنه وغدنا”.

 

 

 

The post شراكة المصالح appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست