برأي البعض، فقد تخلت السعودية عن ملمح رئيسي من سياستها الخارجية التي حولتها للدولة الأهم في الخليج، وأفقدتها كثيراً من حضورها السياسي والعسكري، وتخلت عن هيبتها التى حضرت دوماً طيلة العقود الماضية، بفعل اندفاعها مؤخراً، عقب صعود الأمير الشاب محمد بن سلمان لموقع ولي العهد مع الإمارات في كثير من معاركها الخارجية.
يحاول التقرير التالي التعرف على هذه القضايا التي تخلت فيها الرياض عن استراتيجيتها، وتماهت مع أبوظبي في بعضها، لتفقد على إثرها كثيراً من حضورها، ووزنها السياسي، بينما حرصت أبوظبي على تهيئة الحد الأدني في هذه المعارك، جعل مكاسبها أكبر مقارنة بالرياض.
«الإسكندر الواهم».. كيف ينظر ابن سلمان إلى أزمات الشرق الأوسط؟
بداية العلاقة.. ابن زايد يدعم صعود ابن سلمان
في أوائل عام 2015، الذي شهد صعود محمد بن نايف لمنصب ولي العهد السعودي في أبريل (نيسان) من العام نفسه، متزامناً مع مساعي للرجل القادم من خلفية أمنية، لانتزاع سلطات جديدة تمهيداً لتنصيبه ملكاً رسمياً عقب وفاة عمه الملك سلمان بن عبدالعزيز؛ كان هناك من يقبع في قصر الإمارات، الواقع بأبوظبي، عاصمة صناع القرار السياسي بالدولة الخليجية، محاولاً عرقلة هذه الجهود، بهدف الإطاحة ببن نايف، وتصعيد الشاب الثلاثيني محمد بن سلمان بديلاً له.
ولي العهد السعودي خلال مشاركته في أحد المؤتمرات
كان دافع هذا الرجل، وهو محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، للتخلص من محمد بن نايف، رفض الأخير سياسات أبوظبي الإقليمية التوسعية على حساب دور الرياض، وتمسكه بسياسة حازمة تجاه أفعال محمد بن زايد، ولي العهد الإماراتي، بمنطقة الخليج.
ينكشف هذا العداء من توصية الملك سلمان الدائمة «بوجود مؤامرة ضد الأسرة المالكة يقودها ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد»، وأن الأخير يقود مؤامرة إماراتية تسعى لإجراء تغييرات داخل البلاط الملكي، ويخطط لاستخدام علاقته القوية برئيس الولايات المتحدة لتحقيق أهدافه، حسبما كشفت مجلة «النيويوركر» الأمريكية.
يحمل هذا العداء خلفية تاريخية، أشارت لها وثيقة مُسرية من موقع «ويكيليكس»، في عام 2003، حين أوضح أن محمد بن نايف نجل وزير الداخلية «المتشدد والقوي»، يكره الشيخ ابن زايد، حيث نُقل الوثيقة عن الأمير ابن زايد قوله أن نايف يتلعثم، وأضاف إن ذلك يثبت أن «داروين كان محقاً»، وقد تم تفسير ذلك على نطاق واسع على أنه كان يعني أنه أشبه بالقرد؛ وهو مايجعله يرى أن احتمال أن يصبح الأمير بن نايف ملكاً أمراً «معيباً» من الناحية الوراثية.
كان يقابل تحركات بن نايف لانتزاع موافقة أمريكا لصعوده ملكاً، وهو الوجه السعودي المعروف لدى دوائر صنع القرار في أمريكا، وتحديداً الاستخبارات الأمريكية، بعد الأمير بندر بن سلطان، تحركات موازية لابن زايد، ساعياً عبر مُدير مُكتبه السابق، وسفير بلاده في واشنطن، يوسف العتيبة، لتأليب النخبة الحاكمة الجديدة من الجمهوريين، وتقديم بن سلمان كوجه مقبول، وشريط في خططهم السياسية الجديدة.
ويقول بين رودز، نائب مستشار الأمن القومي في إدارة أوباما، لـ«نيويوركر» الأمريكية أن يوسف العتيبة، السفير الإماراتي لدى واشنطن، كان قادرًا على فعل ذلك؛ إذ لم يتوانَ عن دعم بن سلمان والتسويق له لخلا لقاءاته مع النُخب الأمريكية الاقتصادية والسياسية.
وأوضحت المجلة أن العُتيبة كان يُمجّد بن سلمان أمام مسؤولين أمريكيين سابقين بارزين، من بينهم ديفيد بترايوس، الجنرال الأمريكي السابق الذي يعمل الآن في شركة الاستثمار «كولبرج كرافيس روبرتس»، وتوم دونيلون، الذي عمل مستشارًا للأمن القومي في إدارة أوباما.
عزز من جهود بن زايد داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، لتحييدها حال أي قرار بالإطاحة ببن نايف، رغبة الملك شخصياً في تصعيد نجله محل بن نايف؛ لتنتهي هذه المساعي المشتركة لصعود بن سلمان لمنصب ولي العهد، وعزل بن نايف، في 21 يونيو (حزيران) عام 2017، تبعها سلسلة قرارات عزل لكُل الرجال المحسوبين على بن نايف داخل أجهزة الأمن والاستخبارات.
وتقول صحيفة «النيويوركر» الأمريكية في دراسة لها، أن جهود «تقوية قاعدة ابن سلمان لقيت دعما من الخارج، من الشيخ محمد بن زايد ومن سفيره في واشنطن يوسف العتيبة، ومن شركات دعاية دفعت لها أبوظبي»، وتطابقت مانشرته «النيويورك تايمز» مع المعلومات السابقة، حين أوضحت أن أن ولي عهد أبو ظبي تدخل في معركة ولاية العهد في السعودية لأنه رأى في الرياض عقبة أمام توسع نفوذ أبو ظبي الإقليمي، وبسبب الخلافات الحدودية بين البلدين.
كان العتيبة هو الوسيط الذي ساهم في تطوير الاتصالات مع جاريد كوشنر؛ صهر ومستشار ترمب، وذلك قبل صعود الأخير لمنصب الرئاسة، حيث ساهم العتيبة في ترتيب زيارة لمحمد بن زايد شبه سرية للقاء الرئيس المنتخب ترامب وكوشنر في «ترامب تاور» خلال الفترة الانتقالية، وهو ما أدى أيضاً الى العلاقة الجيدة بين الأمير بن سلمان وكوشنر.
ساهم هذا الدور الإماراتي في تأسيس علاقة خاصة بين بن زايد وبن سلمان، انعكست لاحقاً على انجرار الرياض نحو مواقف تصعيدية كان محمد بن زايد هو من نسج خيوطها، اعتماداً على سطوته على الشاب السعودي الذي رأه «نسخة مُصغرة» من نفسه.
أزمة قطر.. حين تلاعبت الإمارات بالرياض
بالنسبة لقطر، كانت الرياض تميل دوماً لاتباع سياسة الاحتواء، عبر إجراءت عقابية محدودة، وذلك تحديداً منذ عام 1995، مع خطط الدوحة الطموحة التي تكاد تتقاطع مع النفوذ السعودي؛ لتنجح الرياض بهذه السياسة في توسعة طموحها كـ«كبير الخليج». كان آخر هذه المواقف هو ظهور أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثان، وهو يقبل رأس العاهل السعودى الملك عبدالله بن عبدالعزيز، خلال اجتماع قادة دول الخليج فى الرياض، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، انعكاساً لسياسة الرياض التي كانت قادرة على ترويض الدوحة لصالحها.
أمير قطر خلال زيارته الأخيرة لأمريكا
لم تمض سياسة الرياض، كما كانت طيلة سنوات حُكم الملك عبدالله، والفترات الأولى لحكم شقيقه الملك سلمان بن عبدالعزيز؛ قبل أن تتبدل هذه السياسة بصعود محمد بن سلمان لمنصب ولي العهد السعودي، برعاية إماراتية، وتندفع الرياض وراء أبوظبي والقاهرة في اتباع سياسة تصعيدية، تمثل في قطع العلاقات كاملة، وسحب السفراء، وإغلاق كافة المنافذ البرية والبحرية والجوية، ومنع العبور في الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية السعودية.
وعلى خلاف الأزمات السابقة، فقدت الرياض بهذه الإجراءات التصعيدية دورها كوسيط يلجأ له الجميع في أزماته، فضلا عن كبريائها داخل منطقة الخليج، الذي جعل من تغطيتها التلفزيونية بصورة سيئة من المُحرمات، لتفقد الرياض هذه الصفقات عبر استباحتها على شاشة الجزيرة، في تغطية القضايا الداخلية، وتصير محل نقد دوماً.
حول ذلك، يذكر حسن حسن، الزميل المساعد في «تشاثام هاوس»، في مقال منشور له بمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، أن السياسة الخارجين لمحمد بن سلمان شوهت التصور الدولي للسياسة السعودية، وهو ما صب بشكل مباشر في مصلحة قطر، حيث كان النقد الموجه لولي العهد السعودي دائمًا ما يطغى على القضايا الإقليمية الأخرى، إذ وجه الغرب اللوم لابن سلمان فيما يتعلق بحرب اليمن، والتي اندلعت بعد تعيينه وزيرًا للدفاع في يناير (كانون الثاني) من عام 2015 بشهرين. أما قطر -على الجانب الآخر- والتي طُرِدت من التحالف الذي تقوده السعودية في الحرب اليمنية، فبدأت تسوق من نفسها باعتبارها داعمةً للقضايا العربية والإسلامية.
ليسا على قلب رجل واحد.. 3 قضايا اختلف فيها الملك سلمان مع ولي العهد
الرياض تخسر تحالفها مع اسطنبول
بعد صعود ولي العهد إلى رأس السلطة، واستحواذه على الكثير من سلطات البلاد سواء خارجيًا أو داخليًا؛ سار الأمير الشاب مدفوعًا برغبة إماراتية في التباعد عن أنقرة، على خلاف والده، وهو ما تأكد من واقع تصريحات ذكرها ولي العهد السعودي خلال زيارته لمصر: «يوجد ثالوث من الشر، ويضم تركيا وإيران والجماعات الإرهابية»، وهو القول الذي نفى لاحقًا. وما صرح به أيضًا من أن «تركيا تريد الخلافة وفرض نظامها على المنطقة، بينما تريد إيران تصدير الثورة، والجماعات الإرهابية التي تحاصرها الدول العربية».
بعد هذه التصريحات بدأت حرب إعلامية بواسطة صحف سعودية حكومية، خصوصًا بعد زيارة أردوغان إلى السودان واستئجار تركيا جزيرة سواكن، إذ ذكرت صحيفة «عكاظ» أن «الأطماع التركية في القارة الأفريقية ليس لها حدود، والتي انعكست في جولة الرئيس التركي داخل القارة، فقد كشفت عن الوجه الحقيقي لأردوغان في التمدد والتوسع على طريقة نظام الملالي في إيران».
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع ملك السعودية
خالفت سياسة ولي العهد استراتيجية الملك سلمان بن عبد العزيز، في فترته الأولى من إعادة توطيد العلاقات مع تركيا باعتبارها حليفًا قويًا ومستقرًا للمملكة، وذلك عبر تنسيق المواقف تجاه قضايا الشرق الأوسط، وخصوصًا فيما يتعلق بالأزمة السورية.
كانت الرياض، في سنوات الملك سلمان الأولي، هي «من تقرر طبيعة تحالفاتها الاستراتيجية فى المنطقة، حسبما تقرره مصالحها، وليس لمصر وصاية عليها، فلكلا البلدين رؤيته لمصالحه، طالما لم تمس أمنه القومى مباشرة أو تقوّض مصالحه»، كما يذكر أنور عشقى، مستشار مجلس الوزراء السعودى الأسبق، في حوار سابق لصحيفة «المصري اليوم».
لكن هذه السياسة لم تستمر؛ بعدما اندفعت الرياض مع أبوظبي نحو اتباع استراتيجية عدائية مع أسطنبول، كما تفعل أبوظبي، أدت لتباعد تركيا عن الرياض، والتي كان شاهداً عليها إشارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لدور ولي العهد السعودي في مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وتكررت تصريحاته حول هذه القضية.
الرياض وحيدة في معركة اليمن
مع بداية اندلاع الأزمة اليمنية، اندفعت المملكة تحت قيادة وزير الدفاع محمد بن سلمان، نحو الدخول في حرب مفتوحة مع الحوثيين في اليمن، بعدما تزعمت تأسيس تحالف عسكري عربي، كانت الرياض وأبوظبي هم الفاعلون الرئيسيون فيه.
غير أن تصدر الرياض في الأزمة اليمنية عاملاً رئيسياً في تصدرها دوماً بيانات المنظمات الدولية بوصفها متورطة في ارتكاب العديد من الانتهاكات، على إثر مقتل آلاف المدنيين، فضلاً عن استهداف البنية التحتية الأساسية للمملكة، بما فيها خطوط الأنابيب وأحد المطارات.
وقدرت صحف دولية خسائر المملكة المادية من هذه الحرب بنحو 200 مليون دولار يومياـ أي 72 مليار دولار سنويا و216 مليار دولار في ثلاث سنوات.
امتدت خسائر الرياض لاختراق الحدود الجنوبية في المملكة في جازان وعسير ونجران عبر إطلاق هجمات متكررة تجاه أهداف عسكرية ومباني حكومية وكذلك مواقع إستراتيجية سعودية بالصواريخ البالستية.
عدد من أنصار الحوثيين في شوارع اليمن
ووسط هذا الكم من الخسائر، أعلنت الإمارات العضو الرئيسي في التحالف، تقليص وجودها العسكري هناك بسبب التهديدات الأمنية الناتجة عن تزايد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران؛ لتستبق بهذا القرار الوضع، تحسباً لدرء خطر التصويب نحوها، والاتجاه نحو خطة تبحث السلام في اليمن، بعدما أدركت أنه لا أمل في حسم عسكري قريب، وأن كلفة الاستمرار في الحرب ستكون باهظة، كما ذكر باحثون في صحف عربية.
تمثل هذا الاتخفاض في خروج كافة الوحدات الإماراتية تقريباً خارج مأرب، و80% تقريباً خارج الحديدة، والشروع في الانسحاب من عدن، تاركةً الرقابة المحلّيّة إلى القوّات اليمنيّة التي درّبتها، فضلاً عن تراجع نسبة ضباط الأركان الإماراتيين في قاعدة العمليات الأمامية الرئيسية في مدينة عصب الإريترية بحوالي 75% في الشهرين الماضيين.
ما علاقة هذ الانخفاض بعلاقة الإمارات بالسعودية؟، يجيب عن ذلك تقرير صادر عن «معهد واشنطن الأبحاث»، الذي يُشير إلى أن سحب القوات يعكس تبدل سياسية الولاء الإماراتي تجاه السعودية، التي تغيّرت لسببٍ أو لآخر، وتهدد بكشف الانشقاقات بين الشريكين الخليجين وإحداث المزيد من التوترات خلال فترة من الحساسية المتنامية في الخليج.
ويرسم التقرير صورة أعم للخلاف بين الشريكين منذ بداية اندلاع الحرب، حي تشدد الإمارات على محاربة «الإخوان المسلمين» أكثر من السعودية، ويبدو أنها أقل قلقاً بشأن تمكين الانفصاليين الجنوبيين. كما تعاملت مع التهديد الإيراني بشكلٍ مختلف خارج اليمن، حيث ألقت الرياض باللوم على طهران بشكلٍ مباشر على الهجمات الأخيرة على السفينتين بينما امتنعت الإمارات عن توجيه الاتهامات المباشرة.
ليسا على قلب رجلٍ واحد.. هذه هي الاختلافات بين ابن زايد وابن راشد
The post «الورطة الكبرى».. كيف كانت السعودية الخاسر الأكبر من التحالف مع الإمارات؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست