نشرت صحيفة «إندبندنت» البريطانية مقال رأي للكاتب البريطاني المخضرم روبرت فيسك، مراسل الصحيفة الخاص لمنطقة الشرق الأوسط يقول فيها إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزوج ابنته جاريد كوشنر يمضيان قدمًا نحو تنفيذ خطة متكاملة الأركان تعتمد على الإغراءات المالية للتخلُّص من الفلسطينين وسحق فكرة إقامة دولة فلسطينية، لافتًا إلى أنَّ هذا المسعى غير مسبوق لأنها المرة الأولى في التاريخ العربي الحديث التي تُقرر فيها أمريكا تنفيذ خطة دفع رشاوى قبل أن يوافق أحد من الأطراف المعنية على قبولها أو حتى يُبلَّغوا بالشروط اللازمة للحصول على الأموال.
وقال الكاتب إنَّ قضية «فلسطين» لطالما قورنت بأشياء كثيرة، على سبيل المثال أطول حرب استعمارية في العالم، و«hell-disaster» كما وصفها تشرتشل، ومركز «حرب إسرائيل على الإرهاب»، فضلًا عن اعتبارها صراعًا يُفترض أنَّنا نعتقد أن الفلسطينيين يؤدون فيه دور تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق (داعش) أو أي كيان آخر ساعد الغرب وحلفاؤه في إنشائه ومن المقرر أن تقاتله إسرائيل نيابةً عنّا.
وأشار فيسك إلى أنَّه ثمة أوقات يتّضح فيها أنَّ دولة فلسطين قد «حُدَّد موقعها في منطقة مثلث برمودا». وبهذا يختفي الفلسطينيون، ينتهون من الوجود ويصبحون منسيين خارج أرض الخوف والألم والظلم والاحتلال التي كثيرًا ما سمعنا عنها. حينها، يقول الكاتب إنه لا يمكن لأحد تخيّل ما قد حدث لهؤلاء الفلسطينيين تمامًا مثل الطائرات والمراكب التي ضلت طريقها وانحرف مسارها إلى منطقة المثلث الأسطوري. ولا يمكن إلقاء اللوم على أحد سوى الفلسطينيين أنفسهم، إذ لم يكن ينبغي لهم الذهاب إلى تلك المنطقة من الأساس. وسيكون من المؤسف حقًا رؤيتهم يختفون، وسيظل اختفاؤهم لغزًا.
ويرى فيسك أنَّ الأسبوعين الماضيين كانوا مثالًا على تلك الأوقات، موضحًا أنهما شهدا بدء جولة لتعزيز الأساس والدعم الاقتصادي لـ«صفقة القرن» من أجل حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، أجراها كل من «الأجوف المُخْتَال غريب الأطوار» جاريد كوشنر، زوج ابنة ترامب والمؤيد لتوسَّع إسرائيل الاستعماري على الأرض العربية، وجايسون جرينبلات، مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص «لعملية السلام» بين الفلسطينيين والإسرائيليين (وهو الرجل ذاته الذي يقول إنَّ «مستوطنات الضفة الغربية ليست عقبة في طريق عملية السلام»).
صهر ترامب جاريد كوشر
وفي إطار الجولة، زار كوشنر بعض الدول الإسلامية ذات السجل الإجرامي، من بينها دول يحكمها زعماء بغيضون واستبداديون للغاية، من ضمنهم المملكة العربية السعودية وتركيا، للحديث عن «البعد الاقتصادي» لهذه الصفقة «االأسطورية»، وفقًا لفيسك.
ووصف قادة الشرق الأوسط بأنهم ربما يكونون قتلة بجانبهم كثير من المعاونين القائمين بالتعذيب لمساعدتهم على البقاء في السلطة، لكنَّهم ليسوا أغبياء تمامًا، مشيرًا إلى أن كوشنر وجرينبلات من الواضح أنهما يحتاجان إلى الكثير من الأموال -ونحن نتحدث هنا عن مليارات- لدعم خططهما لتنفيذ التدمير النهائي لحلم إقامة دولة فلسطينية، والحُكّام العرب الذين التقيا بهم لم يسمعوا أي شيء عن «البعد السياسي» لصفقة ترامب لأنَّه من المفترض أنَّه لا يوجد صفقة. ورغم كل ذلك، يعتقد ترامب أنَّه بقرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وإعلانها عاصمة لإسرائيل، أنَّه جعل وضع المدينة المقدسة غير مطروحًا للنقاش على طاولة التفاوض.
وسخر فيسك من التزام أباطرة الصحافة الغربية الصمت التام حيال ذلك، قائلًا إنَّهم ربما سقطوا أيضًا في منطقة مثلث برمودا، إذ لم يكن لديهم أي شيء يقولونه على الإطلاق عن خطوات كوشنر الحمقاء وزحفه حول الشرق الأوسط، متوقعًا أنَّهم لو لم يختفوا في منطقة مثلث برمودا، لكانوا سيطلقون عليها، حتمًا، «جولة عاصِفة» يُجهّز فيها هذا الشاب الأحمق «حلفاء لإعداد وتنفيذ الخطة».
ومن وجهة نظر الكاتب فهذه الضبابية الشديدة تُعد أمرًا «مدهشًا» لأنَّ مسعى كوشنر وجرينبلات هو في الواقع حدث تاريخيّ للغاية. إذ بالإضافة إلى أنَّه غير مسبوق وغير مألوف، «لا يوجد نظير لجرأته ورعونته في التاريخ العربي الحديث، فضلًا عن فرضيته السافرة».
ولفت إلى أنَّ هذه هي المرة الأولى في التاريخ العربي الحديث، بل حقًا في التاريخ الإسلامي الحديث، التي تُرتّب فيها أمريكا «لدفع رشوة مالية قبل الحصول على موافقة من يُفترض أنَّهم سيأخذونها، بل وقبل إخبار الفلسطينيين والعرب الآخرين عما يفترض بهم أن يفعلوه ليحصلوا على تلك الأموال».
وشرح فيسك التحوَّل الصارخ في نهج التعامل مع القضية الفلسطينية، قائلًا إنَّ الأمريكيين أو الاتحاد الأوروبي عادةً ما يطرحون مقترحات رنّانة لعملية «سلام»، تتضمن قضايا من نوعية حل الدولتين، وأمن لإسرائيل، وحق الفلسطينيين في العيش والبقاء، ومحادثات بشأن عاصمة مشتركة، وضع حد لعمليات بناء مستعمرات يهودية على أرض عربية محتلة، وإجراءات بناء الثقة، وحق عودة اللاجئين، إلى آخره من الحديث المعتاد، ثمّ يلمحون بلطف إلى أنَّه قد يكون من المجدي ماليًا للجميع أنَّ يجلسوا على طاولة المفاوضات لبدء محادثات.
«Who Is America» الحلقة 5: مدير حملة ترامب أذكى من ترامب وشرطة أمريكا تقتل 1000 فرد سنويًا
لكن الآن، على حد وصف فيسك، يجري إعداد الحساب البنكي قبل أن يتفق العملاء. وحتى البنوك نفسها، وبالطبع ينبغي علينا إدراج السعودية، أليس كذلك؟، لم تُبلَّغ بنوعية الاستثمارات التي تهدف أموالهم إلى دعمها.
ولن تكون هذه الاستثمارات شيكًا مختومًا على بياض يريده الأمريكيون من العرب، بل ستكون شيكًا كبيرًا للغاية بمبالغ محددة ستُمنح لشعب، يعيش مقموعًا ومحتلًا ومُهملًا، لم يسبق له أنَّ طلب أموالًا قط من أي شخص، بحسب الكاتب، الذي قال إنَّ الفلسطينيين بالتأكيد كانوا سيصبحون أسعد لو سنحت لهم فرصة ليعيشوا وضعًا أفضل.
وشكك فيسك في جدوى الإغراءات المادية مع الشعب الفلسطيني، قائلًا «مَن منَّا سبق له ورأى، في جميع احتجاجات الفلسطينيين الدموية والمظاهرات وصرخات اليأس والمذابح، مُلصقًا واحدًا بمطلب واحد من أجل توفير فرص تجارية رئيسية أو بناء طرق سريعة جديدة أو فنادق خمس نجوم ومستشفيات وعيادات رعاية السيدات خلال فترة ما قبل الولادة؟».
وأشار إلى أنَّ المطالب الفلسطينية مُتطابقة بشكلٍ موحد: العدالة، والكرامة، والحرية ومن أجل استرجاع الأراضي المفقودة، حتى لو اقتصر الأمر على تلك الأراضي التي سرقتها إسرائيل منهم في الضفة الغربية، متسائلًا: «من بين آلاف الأبرياء العُزًّل الذين قُتلوا بوحشية في حروب غزة العظيمة، مَن في عائلاتهم سوف يقبل شيكًا أمريكيًا في مقابل نهاية كل مُثلهم، وأحلامهم، ومطالبهم السياسية؟ ولكن مرةً أخرى، ما الذي يهمنا من شأن تلك العائلات؟»
أما بالنسبة لمُثلث برمودا الذي امتص في دوامته ضحية فلسطينية أخرى خلال الأيام القليلة الماضية: أشار الكاتب إلى تقرير منظمة الأمم المتحدة الأولي حول عمليات القتل الجماعي التي نفَّذتها قوات وقناصة إسرائيليون ضد الفلسطينيين غير المسلحين في غزة الذين يتظاهرون منذ 30 مارس (آذار) من العام الماضي ضد سجنهم في قطاع غزة، وحقهم بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، بالعودة إلى منازل أسرهم الأصلية أو الحصول على تعويضات.
وذكر فيسك أنَّ أكثر من 200 فلسطيني قد قُتلوا في حين أصُيب حوالي 18 ألفًا. وحَققت الأمم المتحدة في 189 حالة وفاة. ويعتقد باحثوها أنَّه في حادثتين، ربما تسلل رجال فلسطينيون مُسلحون إلى الحشود لإطلاق النار على الجيش الإسرائيلي، ولكن حتى قراءة قصيرة لتقرير الأمم المتحدة الذي يصل عدد صفحاته إلى 22 صفحة تُوضح تمامًا أنَّ القتلى كانوا أكثرهم ضحايا طلقات مُتعمدة وموجهة. وكان من بينهم صحفيون، وعاملون في مجال الصحة، وأطفال. وتوصل تقرير الأمم المتحدة في نهايته إلى أنَّ إسرائيل ربما قد تكون ارتكبت جرائم حرب.
ولكن الكاتب يرى أنَّه مع كل حرب جديدة، ومع كل مجموعة ضحايا جُدد، أصبح كل تقرير جديد للأمم المتحدة أمراً عادياً، أو ربما العبارة الصحيحة هي أنَّه جرى «تطبيعه»، معتبرًا أن وثيقة الأمم المتحدة في 25 فبراير (شباط) هي أكبر دليل على ذلك. ووفقًا لإسرائيل، ينتمي المتظاهرون إلى جماعة حماس «الإرهابية». وقال المتحدث باسم إسرائيل إنَّ التحقيق كان عبارة عن «مسرح العبث»، مضيفًا إنَّه «تقرير عدائي، وكاذب، ومُنحاز ضد إسرائيل».
ويتساءل فيسك ماذا كنَّا نتوقع؟، وأردف قائلًا إنه منذ سحقت إسرائيل وأهانت ودمرت القاضي اليهودي العظيم ريتشارد غولدستون سياسيًا بعد النقد المُدمر الذي وجهه للقصف الإسرائيلي على غزة في عام 2008-2009، لم تكن لتقارير الأمم المتحدة أهمية. ووجهت إسرائيل واليهود الأمريكيون إلى غولدستون تهم بمعاداة السامية وفطرته «الشريرة»، مما يجعل خطايا النائبة الديموقراطية الأمريكية إلهان عمر تبدو طفولية. ومع ذلك يقول فيسك إن لا شيء من هذا يُهم.
ويُضيف الكاتب أنَّ الفلسطينيين من المفترض أن ينخدعوا بإغلاق القنصلية الأمريكية في القدس واندماجها مع سفارة واشنطن في إسرائيل لتعزيز «فعالية وفاعلية الالتزامات الدبلوماسية الأمريكية»، وفقًا للسفير الأمريكي ديفيد فريدمان في إسرائيل، والذي بمحض الصدفة غير العادية، يدعم مصادرة الأراضي الإسرائيلية في الضفة الغربية ولكنه يزعم أنَّه يريد «حل مُناسب للدولتين».
ونقل فيسك عن حنان عشراوي قولها ببساطة وبلاغة إنَّ دمج القنصلية مع السفارة «ليس قرارًا إداريًا. وإنَّما هو عمل من أعمال الاعتداء السياسي على الحقوق والهوية الفلسطينية، وإنكار للحالة والوظيفة التاريخية للقنصلية، التي يعود تاريخها إلى ما يقرب من 200 عام». ورأى أنَّها كانت محقة تمامًا، ومع ذلك لم يول أي شخص أي اهتمام للأمر. إذ ابتلع مُثلث برمودا القنصلية الأمريكية ببساطة.
وفي نهاية مقاله يتساءل فيسك، هل يحدث كل هذا لأنَّ ترامب نجح في نشر الأخلاق ودَنس العلم الأمريكي على نحوٍ ثابت في الشرق الأوسط بأفكار مثل المبادئ، والوعود، والإنسانية، وتقبل الظلام الأبدي، حتى إذا كان يُشار للصفقة الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة بأنَّها صفقة القرن؟ هل هذا ما يحدث عندما تقع في مثلث برمودا؟ وداعًا للفلسطينيين. ألم يعلموا أنَّ هذه المنطقة خطيرة؟ ألم يسمعوا القصص؟، وقال: «الأمر كله غامض في رأيي».
روي كوهين.. رحلة «محامي الشيطان» من عائلات المافيا إلى مؤسسات ترامب
The post فيسك: ترامب يحاول دفع رشوة من أجل سحق فكرة إقامة دولة فلسطينية appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست