طالما كان موضوع الهوية موضوع شائك في الوسط الثقافي، وتَختلف طريقة تعريفها من فئةٍ لأخرى فالبعض يعتقد أن هويته شيء اختياريّ بالكامل وهو من يحدد الأولويات التي تناسبه وتناسب أفكاره ولهذا يَرفض أن تُفرض عليه أيَّ هوية تتعلق بمكان الولادة أو اللغة التي يتحدث بها أو الإقليم الذي ينتمي إليه وذلك باعتماده على التاريخ والأصول العرقية والقومية للمنطقة، هذا الأمر أصبح واضحًا وشوهد الكثير من ردات الفعل التي تَشرحه في الفترة الحالية وأقصد بالتحديد التجرَّد الكامل من الانتماء العربي واللغة العربية والانتفاضة ضدهم بكل الأشكال، منها المتطرفة العنصرية ومنها النقدية المحايدة، وبنفس الوقت يعودون إلى قومية تاريخية شبه مُندثرة مثل السيريان ويعطونها كمّ من التقديس والانتماء ومحاولات الإنعاش لتعود من جديد قوميةً ولغةً وأقليمًا وحضارة.
أعتقد هُنا يجب أن يوَّضح نقطتين قبل أن نكمل تحسبًا من الفهم الخاطئ:
النقطة الأولى هي أن ما يُذكر من أمثلة مثل القومية العربية واللغة العربية ليس بهدف التهليل لهم ولا بهدف انتقادهم، بل هم أمثلة عن واقع اجتماعي نتعايش معهم ونحتاجهم لتشريح فكرة الهوية وسبب تقديس القوميات التاريخية بشكل مبالغ به، أو سبب رفض القوميات المعاصرة بشكل مبالغ فيه أيضًا.
النقطة الثانية هي أنَّ ذكر القومية السيريانية هُنا ليس بهدف رفض لمحاولة إنعاشها أو الانتماء لها والاعتراف بها لغةً وإقليمًا، بل للجميع كامل الحرية في الانتماء القومي وممارسة طقوس معينة، تدّل على هذا الانتماء والقومية الكردية خير مثال على ما أقصد، لكن مثال القومية السيريانية هو الأدق لدراسة الفكرة.
الآن لنعود لتشريح هذه الظاهرة، ولنبدأ من شخصية الكاتب أمين معلوف كما عرف نَفسه في كتابه «الهويات القاتلة»، يصف أمين معلوف نفسه أنه عربيٌ مسيحيّ لغته العربية وينتمي لعائلة مسيحية من أصول تاريخية قبل وجود الدين الإسلامي بحد ذاته، وبنفس الوقت هو فرنسيّ كما هو لبنانيّ، وهُنا يجب أن أعرف الهوية على الشكل التالي: هي مجموعة تَرتيب الأولويات والعناصر التي تُشكل الشخصية حسب مكان ولادتها واللغة التي تتكلم بها والجنسية التي تحملها والأصول العرقية للعائلة التي ينتمي لها وهذا نصف تشكل الهوية لكلٍ منّا سواء قبلنا ذلك أو لم نقبله، والنصف الآخر هو ما يميزنا عن هوية الآخر من أفكار ومعتقدات.
لكن بما أن الأمر كذلك لماذا نَرفض بعض العناصر من هويتنا ولماذا نُقدس بعض العناصر الأخرى أو لماذا نحاول التجرُّد بشكلٍ كامل من أيّ عُنصر مع أنه يتضح في لغتنا وتفاصيل أفكارنا المعرفيّة والجنسية التي نحملها؟!
سبب الرفض المتطرف لأحد عناصر الهوية وسوف نتكلم عن الهوية العربية كمثال في هذا المقال، هو ردة فعل من حالة الفوضى التي تملأ الشرق الأوسط ولأن هذه الحالة قَد لطخت كلمة عربيّ بالتَطرف والهمجية والإرهاب على المستوى الداخلي والخارجي وقَد بدأت الملاحقة التاريخية لتقييم الحاضر والهروب من هذا الواقع وهذا الانتماء المُلطخ، وهُنا سوف أستعين ببعض الأفكار من كتاب التخلف الاجتماعي سيكلوجية الإنسان المقهور للدكتور مصطفى حجازي:
«الإنسان المقهور في دول العالم الثالث دائمًا يستخدم طرقًا وهمية للهروب من واقعه والتخلص من التَسلط القائم عليه للشعور بقيمته، ولهذا يستعين بالتاريخ ليبحث عن حقبة زمنية معينة كَثرت بها الأمجاد وواضحة المعالم ويَتمسك بها وبالانتماء لكل التفاصيل بتلك الحقبة الزمنية».
وهنا يأتي دور القومية التاريخية السيريانية في مجتمعنا الحالي وسبب التمجيد الكبير لها وبالمقابل إطلاق الخطاب العنصري ضد القومية العربية ومن ينتسب لها وجمع الشعوب تحت كلمة «عرب» وتحويل تلك الكلمة إلى شماعة تُعلق عليها كُل مشاكل دول العالم الثالث، تِلك المحاولات المبالغ فيها بالعودة للقومية التاريخية وتشويه القومية الحالية بتحميلها كل أسباب التخلف وجعلها مشوهة لدرجة كبيرة وكأن كلمة عربي أهانة بحدِ ذاتها، بالرغمِ من أنها أحد عناصر هويتهم سواء تقبلوا ذلك أو لم يتقبلوا ذلك وأحد عناصر البناء الحضاري التاريخي في المجال العلمي والأدبي والفني، ولكن غالبًا ما يتم النظر لها من زاوية رؤية واحدة وهي الزاوية التاريخية الأصولية لهم وبناء كل تقيمات الشعب العربي اليوم حسب أخطاء الشعب العربي قبل مئات السنين!
ومن زاوية رؤية عملية وإنتاجية في المجتمع: أن تقدس قومية تاريخية معينة بشكل كبير ومبالغ به لا يختلف كثيرًا عن النفور من قومية تاريخية مختلفة بشكل عنصري ومبالغ فيه، الاثنين هم محاولة تجرّد وهروب والسبب أن تقديسك للهوية القومية السيريانية لن يقدم شيئًا للمجتمع ولن يقدم إنتاجية تذكر على المستوى العملي، بالنهاية نحن في واقع مختلف عن شريعة حمورابي واللغة السيريانية المهجورة من مئات السنين، بل واقع يحتاج إلى إنتاجية منطقية تساعده على التقدم مرحلة للأمام وليس للخلف.
(مع ذكر أن للجميع كامل الحرية في تقديسهم أو إنعاش اللغة السيريانية والحضارة السيريانية والدراسة التاريخية لكل الحضارات ومحاولة الحفاظ عليها وعلى أثرها، لكن تبعًا للمستوى المعقول كدراسة فقط وليس كحل عملي لتقدّم المجتمع).
وبالجهة المعاكسة عندما ترفض القومية العربية واللغة العربية وهذا الرفض مبني على ردة فعل من التاريخ العربي والدين الإسلامي كونهم أحجار الأساس التي أبقت هذه اللغة والقومية ونشرتها قمعًا، وهذا ما تسبب في اندثار الكثير من القوميات التاريخية، هذا الرفض المبالغ به لن يشكل إنتاجية للمجتمع، لأن التخلف اليوم هو تخلف فكري له جذور دينية وقبلية سياسية وليس تخلفًا قوميًّا أو لغويًّا.
يوجد اللاديني العربي، المسيحي العربي، الأديان الباطنية التي تنسب نفسها للقومية العربية أيضًا … إلخ ولهذا الموضوع ليس متعلقًا بشكل متجذّر بالدين الإسلامي فقط، ورفض الدين يعني بالضرورة رفض القومية واللغة التي اعتمد عليها الدين بالانتشار.
لهذا كون الشخص عربيًّا أو سيريانيًّا أو كرديًّأ أو أمازنغيًّا، هذا لا يزيد ولا ينقص من ذكائه أو قيمته ولن يتحول من جاهل إلى عالم بمجرد تغيير القومية أو التجرد من قومية أو الاعتراف بقومية تاريخية، بل كل هذا هو هوامش يتم رمي عليها أسباب التخلف لكي يشعر الشخص بقيمته ويرفض القومية العربية المشوهة، وهكذا للأسف يبتعد عن الحلول الحقيقية في البناء الاجتماعي.
لكن كما يذكر لنا الكاتب أمين معلوف أنَّ الإنسان دائمًا يتمسك بهويته المهددة ويتناسى باقي العناصر أو يرفضها بشكلٍ تام، ومن هنا تنطلق كلمة هم ونحن ودائمًا هم المتخلفون والمجرمون ونحن الحضاريون والمظلومون أو العكس، وبعدها تتحول الهويات إلى هوياتٍ قاتلة تَزرع التفرقة القومية بين أبناء الأقليم الواحد.
عندما يكون هناك مسلم في مجتمع قامع للهوية الدينية الإسلامية سوف تُصبح كلمة مسلم الأولوية التي يتمسك بها. بالمثال إن كان هناك إنسان من أصحاب البشرة السوداء في مجتمع عنصري من أصحاب البشرة البيضاء، سوف يتمسك بهويته العرقية كأولوية، وهذا يعيدنا للنقطة ذاتها التي تقول أن التمسك بالهويات التاريخية أو العرقية أو الدينية أو القومية له عدة عوامل في سيكلوجية الإنسان وليس بهدف التقدم الاجتماعي أو الإصلاح.
هنا يجب توضيح بعض المغالطات التي يُمكن أن تطلق على هذا المقال أو في أيّ حوار شبيه:
ليس كل مدافع عن قومية أو جزء منها أو البعض من ترسباتها مثل اللغة هو منتم لها، بل من المحتمل أنه يرى الموضوع من زاوية أخرى، وهي اقتباس بعض مناحي هذه القومية كونها توفر إنتاجية أفضل وهي الحل الأقرب للمجتمع ولا يوجد بديل عنها، ومجرد التفكير في بديل مقتبس عن قومية تاريخية مندثرة هو هدر للوقت وسلك طريق طويل بغنى عنه.
الموضوع ليس رفض انتماء لأحد أو رفض حرية أحد في انتقاء انتمائه القومي، بل هو إيضاح للصورة من نظرة محايدة وبشكل عملي.
The post لماذا نقدس بعض القوميات التاريخية ونرفض البعض الآخر؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست