منذ سنة ونصف إلا قليلًا بدأت عقوبات محمود عباس على قطاع غزة، عقوبات رأى الرئيس أنها ستكون فعالة في الضغط على حماس لتسليم القطاع حسب شروطه ووفق ما يريد وحده، هذه العقوبات أو الخطأ الفني – كما أسماها أحيانًا – لم تزد حماس ألا عنادًا، بل انتقصت من أرزاق الموظفين، وزادت عليهم همًا فوق غمهم، ولا يبدو أن هناك حلًا في الأفق القريب، وما زال عباس يراهن على انتفاض الناس ضد «حماس»، ويأبى أن يرى الناس بعين الشفقة على الحال الذي وصلوا إليه.
ولكن هل إسقاط حماس بثورة شعبية ممكن واقعيًا؟ هل من الممكن أن يتحقق حلم عباس، وينتفض المجتمع الغزي ضد حكم حماس؟ أعتقد أن النفي هو سيد الجواب، وهنا النفي ليس نابعًا من جماهيرية حماس الواسعة، ولا من حب المجتمع لبقائها بالسلطة، فما رآه المواطن على مدار 13 عامًا من حكم حماس، من قمع وفساد ومحسوبية وتسلط على الحريات، لا يجعله من راغبي رؤيتها في الحكم، ولكن لماذا إسقاط حماس شعبيًا مستحيل؟
ربما السبب الأول الذي يخطر على بال كل غزّي عاصر حكم حماس هو الخوف، الخوف من القمع والديكتاتورية التي تشتهر بها، فاليد الحديدية التي أمسكت بها حماس غزة لا زالت تحكم، والقاعدة الأولى هي أن من ليس معنا فهو علينا، وجدران أروقة جهاز الأمن الداخلي تشهد على من مر عليها من علماني وإسلامي وقومي واشتراكي، وتشهد على (البسكليتات) التي رسمت عليها، وأرغموهم على ركوبها، وما زالت الزنانين تشهد على البطش الذي كان يعصف بكل سيئ حظ يدخل الأمن الداخلي، ولم يكن الضروري أن يثبتوا دليلًا قاطعًا على كل من يدخلوه أقبية التعذيب، فمجرد الشبهة أو إساءة الظن كانت كفيلة بأن تجعلك نزيلًا لك، كافة الامتيازات من ضرب وشبح، وحتى لحس أرضية الحمامات (حرفيًا)، وحتى الفعاليات الجماهيرية لم تسلم، فمن قمع احتفالية ذكرى أبي عمار إلى يوم 15 مارس (آذار) لإنهاء الانقسام وغيرها العشرات، يبقى المشهد واحدًا، شرطة مدججون بأسلحة قمع الشغب يضربون كل من يرونه، لا يفرقون بين رجل وامرأة، ولا طفل ولا شيخ، ناهيك عن عشرات العناصر المتخفية بلباس مدني يخرجون الدبسة فجأة من حيث لا تدري، كل من يشارك فيما لا يعجب حماس معرض للضرب، والضرب المبرح، وقد وصلت بعض الحالات إلى القتل.
مئات الفعاليات الوطنية والحزبية وورش العمل والمؤتمرات منعت بلا مبرر، حتى الحفلات الموسيقية أخذت نصيبًا، وآخرها (حفلة على السطح)، والتي لم تمنعها حماس بارك الله فيها، فقط جعلت مندوبين من المباحث يختارون الأغاني للفرق، ويجبرونهم على عدم غناء ما سواها مع التهديد بإلغاء الحفلة، وحتى الحبس في حال مخالفة التعليمات، وهذا غيض من فيض، فالسنوات الماضية مليئة بسجلات اعتقال وتعذيب وترهيب بشتى الأشكال والأنواع، ولكن هل القمع والحكم الحديدي بمثابة سبب وعائق كاف لعدم قيام ثورة شعبية؟
بالطبع لا، فعشرات الثورات ولدت في جو من القمع والاستبداد والديكتاتورية، فمن كان أظلم ولا أعتى من أجهزة أمن الدولة في مصر، ولكن رغم ذلك قامت ثورة ونجحت في إزاحة نظام مبارك عن الحكم، وشواهد التاريخ المماثلة كثيرة، ولكن ما هي الأسباب الأخرى؟
ثاني الأسباب الممكنة هو خلط الدين بالسياسة، وهذا الأسلوب ليس بجديد، فمنذ قديم الأزل يستخدم للتغطية على جرائم السلطة وللوصول إلى سدة الحكم ولو كان سلمها مرصوصًا من جثث الموتى، وفي التاريخ نماذج كثيرة، فذو نوَّاس اليمني اليهودي المتحالف مع الفرس أحرق الآلاف من المسيحيين في نجران باليمن باسم الدين لوأد النفوذ البيزنطي والمحافظة على سلطته في اليمن، و40% من سكان أوروبا أبيدوا في الحرب الدينية المقدسة التي مارستها الكنيسة البيزنطية ضد البروتستانت، وأيضًا دخل اسم المسيح ظلمًا وعدوانًا في إبادة السكان الأصليين في أمريكا، وكان التاريخ الإسلامي حافل بالمجازر الدموية باسم الإسلام، فبراية أهل البيت برر أبو العباس قتله للأمويين، وبفتاوى علماء السلاطين ذبح محمد علي المماليك في مجزرة القلعة وبتشدد الوهابية وبدعم وغطاء من فتاواهم تمت مجازر آل سعود في اتباع الشريف حسين.
كل ذلك لهدف واحد فقط وهو الوصول للسلطة والمحافظة على الحكم، وحماس لم تبتعد كثيرًا، فمنذ نشأتها وهي تستخدم هذا الأسلوب في تبرير سياستها وتمرير أفعالها، فدائمًا ما تكون الدعوة إلى مسيراتها هي استجابة لله وللرسول، وسبب ترشحها للانتخابات لأنها: (هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه)، وحتى بإحداث الانقسام انهالت الفتاوى المختلفة التي تبرر، بل تحلل قتل العلمانيين الكفرة، فلا شيء تفعله حماس إلا من الدين، ولا تفعله إلا من أجل الدين، فرفعة حماس من رفعة الإسلام، وعلى مر الزمان تغلل هذا الاعتقاد في نفوس الكثيرين، وبهذا الاعتقاد كان سبب انتخاب حماس، فكان المجتمع متشوقًا لناس (تعين ربنا) يحكمون بالعدل ولا يظلمون أحدًا، ولم تخيب حماس ظنًا، فكان التوظيف يلزمه كتاب من أقرب مسجد لديك يشهد بأنك من مرتاديه الملتزمين الذي يشهد له بالانتماء قبل الأخلاق. وكانت المعونات التي تصل يتم توزيعها بناء على كشوفات معتمدة من دائرة الدعوة بكل منطقة، وبذلك أصبح أن من ينتقد حماس هو ينتقد الدين، وبذلك تولدت رهبة شديدة وخوف كبير من نطق كلمة ضد حماس قد توصلك إلى قاع جهنم.
ولكن دعكم من هذا كله؛ فالعامل الأقوى تأثيرًا على كل غزّي هو استخدام ورقة المقاومة، بداية دعوني أؤكد أن من ينكر دور القسام في عملية نضالنا ضدالاحتلال، فهو إمّا واهم، أو حاقد لدرجة تعمي عينيه عن الحقيقة، فعلى مر السنوات السابقة طورت كتائب القسام نفسها حتى أصبحت شوكة مؤلمة جدًا في خصر الاحتلال الإسرائيلي، وأصبحت قيادة العدو تحسب كل خطوة، وما لها وما عليها، ولها كل الاحترام والتقدير.
ولكن من المؤسف جدًا الزج بالمقاومة للتأثير على الرأي العام، فكما لاحظنا في الآونة الأخيرة من جولات المحاصصة، عذرًا قصدي المصالحة، كان دائمًا التلويح بورقة المقاومة هو العنوان، وأن عباس يريد تسليم سلاح المقاومة، وهل تريدون أن تكونوا مثل الضفة وسيارات الاحتلال تذهب وتغدو أينما تريد؟ ومثل هذا الحديث الكثير الكثير، وبسبب الصورة النمطية التي زرعتها حماس وربط الحكم بالمقاومة، أصبح الحديث عن إزالتها عن الحكم هو بمثابة خيانة عظمى تستحق عليها الإعدام، حتى عندما يشتد الضغط الاقتصادي، أو عند حدوث أحد الأخطاء الفردية الكثيرة تجاه شخصية عامة أو مواطن بسيط، وأخذت حيزًا من اهتمام الناس، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تجد في اليوم التالي نشرًا لفيديو عملية نوعية قام بها القسام، يستخدمون المقاومة للتغطية عما يفعلونه من ظلم وقهر، إن الرهان على حب المقاومة لتثبيت حكمها غزة لهو أخبث وأسوأ الرهانات على الإطلاق، لأنه يؤدي بالبعض إلى نتيجة عكسية تمامًا، فقد وصل الحال بالبعض أن يجهر بحب حكم الاحتلال له وتفضيله على حكم ذوي القربى، ولربما باع الأرض وباع القضية وأصبح عميلًا للاحتلال فقط بسبب بغضه لحماس، ولما راه من فساد كبير وظلم أكبر، وبسبب الحياة التي أصبحت لا تطاق داخل قطاع غزة. ومن الملاحظ في الآونة الأخيرة أن صار الاحتلال يستغل النقطة لتجنيد ضعاف القلوب منهم.
لقد أجادت حماس استخدام محور الدين – المقاومة في حكم غزة باستخدام سياط أجهزتها الأمنية والعسكرية واستخدام قوة الردع لكل من يفكر مخالفة كلمتها، وهي خلطة نشأت في لبنان وامتدت لنا ومست العراق بشيء منها، إنه مزيج قوي وفعال في التأثير على الشعوب ومواصلة حكمهم مهما بلغت درجة البطش والظلم وسوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، وفي النهاية على حماس وفتح أن يدركا أنه من المستحيل إزالة بعضيهما عن المشهد السياسي ولا أريد شخصيًا زوال أحدهم، فحماس في أهلي وفتح من عائلتي، وجل ما يريده المجتمع الفلسطيني أن يتم إصلاحهما حقًا، وأن يعودا للهيئة الصافية والهدف النبيل، واللذان أسسا من أجله، وهو تحرير الأرض وإقامة الدولة، ويجب أن يعلما أن الحل الوحيد هي المصالحة الحقيقية، مصالحة بصفاء الأنفس، والقائمة على المصلحة العليا للشعب الفلسطيني.
The post لماذا إسقاط «حماس» مستحيل؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست