الصفحات

السبت، 22 سبتمبر 2018

ثقفني اون لاين : نهايات أدبية

إن  كنت أنت من سيقرر ماذا يحدث في النهاية، إن كان سيتاح لك وضع نهاية ما  للحكاية ولو حتى على الورق، فلماذا تختار نهايات سيئة موجعة؟ لأنك تنقل الواقع مثلًا، تقلد الحياة ذاتها وتختار تعذيب بعض الأبطال أو تنهي آمالهم بطريقة تعيسة وبائسة، لم تعرف  العدل عامة، فلا تختاره بالمقابل في خيالك، أم أنك تكتب لتصنع عالمًا جديدًا مغايرًا يحدث فيه كل ما يصعب حدوثه، الكتاب بالأساس أشخاص يهوون الخلق ولو في كتاب، ويحبون نقل الواقع أو التعالي عليه، ويصنعون عالمًا آخر من خيال، يجدون فيه ومعهم القراء عزاءً عن رتابة ذلك العالم، لكل كاتب طريقته في وضع النهايات، وكما هي صعبة أن تبدأ صعب أيضًا أن تنتهي.

هناك من تعن لهم النهايات طوال الكتابة فيدفعون الأحداث لتؤول لها في الأخير، هناك من يكتب على سجيته ويترك السرد والشخصيات تفعل ما يحلو لها، تحدث المفارقات وتملي هي النهايات حتى لا تبدو نهايات مفتعلة أو غير منطقية أو لا تقود الأحداث لها.

كتب جورج أوريل مثلًا روايتين وحيدتين واتبع نفس نمط النهايات المحبطة الصعبة، ورغم اختلافهما فإنهما يدوران في فلك واحد ويقولان نفس الشيء.

1984 رواية تصنف دائمًا على أنها من أكثر الأعمال الأدبية ثورية، يحتفظ بها معظم الشباب ويتباهون بقراءتها، على العكس من الفكرة الثورية التي تدفع دفعًا للهروب من السيطرة الأخلاقية أو السياسية، كيف تستطيع مهما كنت مراقبًا أن تبقى حرًا في خيالك وضميرك، وكيف تستطيع رغم كل شيء أن تجد وسيلة ما لتكسر القاعدة وتكون مخيرًا حتى في اختيار الخطأ، تحلق بك الرواية عاليًا، ثم ترطم النهاية جبهتك على رصيف الواقع والسوداوية وتقبض قلبك بعد الأمل!

الفكرة الرمزية المتمثلة في الأخ الأكبر الذي يمنح ويهب ويمنع ويحول بينك وبين عقلك لأنه الأكثر حكمة والأكثر قوة بصورته المبهمة التي تحيط بها الشكوك عن شخصه أو حتى احتمالية عدم وجوده.

لكن النهاية جاءت محبطة لأبعد حد، بل ربما تكون من أكثر النهايات وجعًا وإحباطًا حتى لتتساءل: لماذا ضيعت فيها كل ذلك الوقت لتنتهي منها، وكل هذا الأسى في داخلك، تنتهي الرواية بعد صفحات طويلة من الشعور بالتحرر، ليس لإذعان البطل مجبرًا لسياسة الأخ الأكبر، بل لاقتناعه التام بفكره وشعوره بالندم الشديد حتى وهو ينتظر الموت الذي سيأتي بغتة لم يعد لديه سوى أمنية وحيدة وهي أن يتقبل الأخ الأكبر توبته لتتحير في النهاية: هل الموضوع سياسة وشأن أرضي أم أنه يلمح لفكرة الأديان عامة، وأن الأخ الأكبر في الرواية لم يكن إلا رمزًا للإله نفسه.

لتبقي نهاية 1984 وهي وإن صنفت واشتهرت كرواية ثورية فإن النهاية لا توصف إلا بالقمع والإقرار بالقدرة حتى على السيطرة على الخيال والعقل؛ إذ تبقي لكل المهمشين والمقهورين ضوءًا أخيرًا في عالم مواز، كما يقول محمود درويش: كم أنت منسي وحر في خيالك!  أي ما كان ما يمثله الأخ الأكبر فكل إنسان حالم لابد أن يقود ثورة ما في حياته علي نظام أو فكر أكبر وأقدم منه أو حتى شخص بعينه يهمش إرادته، كما استغل مثلًا ستيف جونز الفكرة لتسويق أحد منتجات شركته (آبل)، واعتبر أن الشركة الأكبر والأقدم (أي بي إم) التي تجرأ على منافستها واستبدال نمطيتها وقباحتها كما يعتقد هو بفكر آبل الجديد والثوري وتصادف ذلك مع العام نفسه الذي أسميت الرواية باسمه 1984 وقف جوبز يتساءل هل ذلك العالم موجود؟ بالطبع لا، وآبل ستنافس الأخ الأكبر! مجتمع 1984 قائم فعليًا في كل مكان حولنا، مجتمع يقول للزهر لا تزهر، النور ليس مفيدًا لك، وأنا أعرف ما هو الصالح فيبدأ البشر فيه للترويج لفكرة أن النور سيئ جدًا! لكن لا يوجد أبدًا شيئًا لا يمكن قهره أو الثورة عليه.

مرزعة الحيوان، وإن كانت أقل شهرة إلا أنها تنتهي نفس النهاية المحبطة فبعد أن تثور الحيوانات وتغير الأمور ينتهي الأمر ثانية إلى سيطرة أقذر العناصر، بل وتدهور الحال أكثر بعد الأمل في التغيير، لتتحير لماذا يصنف أدب جورج أوريل بالثورية رغم تلك النهايات السيئة، يقول الكاتب في نهاية 1984  لا فائدة من أي شيء وكل الطرق مسدودة أمام الأحلام، لن تستطيع الإفلات، ستدور في مدار واقعك، حتى التذمر بينك وبين نفسك لن يوهب لك، لست أنت بطل الحكاية ولو كانت حكايتك، أما ما قالته نهاية مرزعة الحيوان، فهو ببساطة ربما لست نظيفًا كما تعتقد فقط، لم تتح لك الفرصة لتمارس قذارتك.

نهايات هاروكي موراكامي، ورغم كل شيء تفتح الباب للبطل بعد انتهاء السرد ليبدأ دنيا جديدة؛ إذ تشعر أن الكاتب مؤمن بالتجارب التي تنحتك وتغير فيك وتثقلك لتبدأ تجربة جديدة لا أن تنتهي إلى نقطة ما بعد الأجواء السوداء في الغابة النرويجية يخرج البطل أخيرًا من متاهة الغابة وقيود الماضي التي كان متعلقًا بها وإن آلمته، البطل في النهاية بين فتاتين على النقيض، بين من يولدون ولديهم خللًا  يمنعهم من المغافرة في الحياة، وليس لديهم أية دوافع للبقاء، متعالين على الحياة أو ضعفاء للغاية، ومن يعيشون رغم كل التخبط والمحاولات للدفع للخلف واليأس، وبين ناكو الجميلة الناعمة التي لا تقوى على مواجهة أحزانها، ولا حتى لديها الرغبة في ذلك وميدوري المشاغبة المفعمة بالحياة يبقى الأقوى ويختفي الأضعف، ولو كان الأجمل ولو كان الأنبل، ورغم قصص الانتحار المكررة يختار البطل الحياة.

وأخيرًا يتخطى الظلال الكثيفة والأشباح والأجواء المظلمة ويخرج إلى النور والحياة، ليتذكر ما مر به يومًا ما وهو على طائرة تسري في الهواء وعلى أنغام الغابة النرويجية لأساطير البيتلز يحاول أن يتذكر كل شيء مضى. الأغنية التي تشبه الرواية لحد غريب والتي تبدأ بـ(يومًا ما كنت أملك فتاة.. أو علي أن أقول إنها كانت تملكني) والموسيقى التي يتنهي بك الأمر إلى أن يعزفها خيالك وأنت تقرأ (ترو.. ناكو.. ميدوري.. كيزوكي) كما تنتهي الرواية تنتهي الأغنية: (وعندما مشيت كنت وحيدًا).

The post نهايات أدبية appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست