على مدى أسبوعين، شهد الأقصى أحداثًا جسامًا حيث إنه لأول مرة منذ 48 عامًا تم غلق محيط المسجد أمام المصلين من قبل الكيان الصهيوني الذي قام بتركيب كاميرات كشف المعادن على أبوب المسجد في خطوة غير مسبوقة تبرز وقاحة وفداحة الجرم الذي ارتكبته إسرائيل.
لكن أمام إصرار المقدسيين بشكل خاص والفلسطينيين بشكل عام على أنهم لن يصلوا داخل المسجد إلا بعد إزالة البوابات الإلكترونية، استجابت إسرائيل وفتحت كل الأبواب وأزالت كل البوابات، في إشارة تعكس انتصار الفلسطينيين: الرجال والنساء والأطفال والشيوخ في هذا الاختبار الصعب الذي أظهر صمودهم القوي من أجل القضية.
وربما وجود ضغوط من الدول العربية والإسلامية في الأيام الأخيرة من عمر الأزمة ساهمت ولو بشكل ما في حلحلة الأزمة، بيد أن اللاعب الأكبر في إعادة الأمور إلى ما كانت عليه هو الشعب الفلسطيني بكل طوائفه، الذي أحرج الدول التي تحركت لا من أجل الأقصى وحقوق الفلسطينيين في ممارسة شعائرهم وحماية القدس الشريف من أي انتهاكات إسرائيلية، بل خشية وقوع أعمال عنف ومن ثم تتفاقم الأمور.
لكن السؤال الأبرز.. لماذا لم تخرج مظاهرات تأييدًا للأقصى كما تعودنا؟
على مدى عقود، كانت تنطلق المظاهرات في معظم جامعات مصر وسوريا والعراق واليمن والمغرب والجزائر وغيرها تندد بالممارسات والانتهاكات الإسرائيلية، وتطالب الحكومات والرؤساء بالتدخل من أجل انقاذ الأقصى والفلسطينيين.
لكن الصمت كان سيد الموقف إزاء الإجراءات الأخيرة التي حدثت للأقصى، فلم يعد المواطن العربي، إلا من رحم ربي، من الخليج إلى المحيط يهتم بالقضية الفلسطينية وسبل حلها طبقًا لمبدأ حل الدولتين، حيث غرق في كثير من المشكلات والقضايا التي تتعلق بطعامه وشرابه وأمنه، بالإضافة إلى شيطنة الإعلام لحركات وأحزاب بعينها وتشويه الصورة وتغييب الوعي وتسطيح الفكرة وغيرها.
كان المصريون هم أول الشعوب التي تقود المسيرات الحاشدة في الجامعات دعمًا للأقصى سابقًا؛ لكن الوضع اختلف الآن كثيرًا؛ فمعاناة المواطن اليومية التي تتعلق بغلاء أسعار الغذاء والدواء وصعوبة المعيشة، ونقص الموارد والكفاح المستمر من أجل الحصول على لقمة العيش بصعوبة بالغة جعلته منكفئًا على نفسه، يفكر في الأمور التي حلت به وكيف يستطيع الخروج منها.
وكلما ازدادت الأمور سوءًا، قل اهتمام المواطن بقضايا أخرى لا تخصه بشكل مباشر، ومنها القضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.
لم يعد المواطن المصري يشغل باله بما هو خارج منطقته أو ربما الشارع الذي يقطن فيه، لأنه باختصار لن يعود عليه بشيء مادي يعينه على متاعب الحياة التي أثقلت كاهله وأنهكت قواه، بالإضافة إلى أن القضية لم تعد تهم النظام المصري بالشكل المطلوب.
لم يختلف الأمر كثيرًا في سوريا أو العراق أو اليمن أو ليبيا، فالصراعات الدموية، التي حطمت الأخضر واليابس وأزهقت مئات الآلاف من المواطنين ودمرت البنية التحتية حتى صارت ركامًا وأدت إلى تهجير وتشريد الملايين، قضت على كل مشاعر إنسانية نبيلة في نفوس معظم مواطني تلك الشعوب، ولهم الحق في ذلك، هؤلاء رأوا الموت بأم أعينهم ورأوا أبناءهم وآباءهم ونساءهم إما يقتلون أو يشردون أو يغرقون في أعماق البحار، فكيف يكون الأقصى قضيتهم؟
حدث هذا بفضل الحكام الذين تأسدوا على شعوبهم وألحقوا الدمار والخراب بأمتهم، في حين لم يوجهوا ولو صاروخًا واحدًا تجاه إسرائيل، حتى ما يطلق عليها الدولة الإسلامية (داعش) لم تفعلها أيضًا، وراحت تعيث في الأرض فسادًا بمساعدة وبتمويل أنظمة وجهات بعينها سواء في المنطقة أو في الشرق أو الغرب.
أصبحت الأرض خصبة لإسرائيل أن تنفذ ما تشاء في أي وقت وكما تريد في الضفة الغربية والقدس والمسجد الأقصى وغزة وجنين وكل الأراضي التي تحت سيطرتها أو غيرها؛ فالعالم العربي أصبح مهلهلا ضعيفًا كالرجل المريض الذي قضى عليه المرض ولم يعد يستطيع النهوض ولا يجد الشفاء.
ساعدت إسرائيل وحلفاؤها في الشرق والغرب على تأجيج الصراعات في الدول العربية وإمداد بعض الجماعات والأنظمة بالمعلومات المخابراتية وبالسلاح من أجل إشعال الحروب في المنطقة كي تبقى هي آمنة مطمئنة، بعيدًا عن نيران تلك الصراعات ضمنت ولاء الأنظمة لها من خلال الدخول في صفقات ولقاءات سرية مشبوهة.
ظهرت عشرات الفصائل المسلحة في عدد من الدول بتمويل من بعض الأنظمة العربية التي لديها ثروات كبيرة وأنظمة أخرى مثل أمريكا ودول أوروبية بالإضافة إلى إسرائيل بهدف خلق مزيد من التوتر في المنطقة من أجل تحقيق مصالحها الشخصية على حساب الشعوب وقضايا أخرى أساسية.
تلونت الخريطة العربية بالدم نتيجة تلك الصراعات التي مزقت اليمن وسوريا والعراق وليبيا ومصر، ولم تعد تُظلل بالأماكن الخضراء أو أشجار الفاكهة، بل تبدلت الخريطة بركام الأبنية والقصور والمعابد والمدارس والبيوت والجامعات والمستشفيات وغيرها، وأصبحنا نحن العرب في تشرذم وانقسام واقتتال وحروب ضارية تدمر كل شيء.
ولذا فلم تعد القضية الفلسطينية هي القضية الجوهرية لمعظم أنظمة المنطقة التي خلقت وسائل إلهاء لشعوبها لصرف اتباههم وتشتيت فكرهم بزعم حفظ الأمن ومحاربة الإرهاب والقضاء على داعش وكل الجماعات المسلحة ولم يذكر القادة العرب، إلا فيما ندر، إرهاب إسرائيل المنتشر في ربوع المنطقة.
فهلا وحدتنا قضايا مشتركة مثل القضية الفلسطينية ونحينا خلافاتنا وأعدنا بناء ما تم تدميره؟
اقرأ أيضًا:
جولدا مائير عرفت العرب أكثر من أنفسهم
حرائر فلسطين.. دعونا نقبل رؤوسكن!
The post لماذا لم تنطلق المظاهرات في الدول العربية دعمًا للأقصى؟ appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست