يقول الدكتور علي الوردي في كتابة تاريخ العراق الاجتماعي:
يمكن القول بأن الفرد العراقي هو أكثر الناس حبًا للوطن وتحمسًا لخدمة العلم، بينما هو في الواقع مستعد للتملص من خدمة العلم إذا آن الأوان، إنه أقل الناس تمسكًا بالدين وأكثرهم انغماسًا بين المذاهب الدينية.
فتراه ملحدا من ناحية وطائفيًا من ناحية أخرى، وقد يلتهب العراقي حماسًا إذا انتقد غيره فيما يخص المبادئ السامية أو رعاية العدل والعفو والرحمة، ولكننا نراه من أسرع الناس اعتداءا على غيره، ضربًا ولكمًا حالما يرى الظروف مناسبة. وهو بهذا ليس منافقًا أو مرائيًا كما يحب البعض أن يسميه لهذا؛ فهو إذ يدعو إلى المثل العليا أو المباديء السامية، مخلص فيما يقول، جاد فيما يدعي.
وللبحث في هذا الازدواج يجدر أن نوجه انتباهنا إلى نواح ثلاث، وهي:
الناحية الحضارية، الناحية الاجتماعية، الناحية النفسية.
فمن الناحية الحضارية، إن من أغرب المصادفات أن يكون العراق واقعًا اكثر من أي بلد اخر على هامش البداوة والمدنية معًا.
ومن الناحية الاجتماعية فهي ظاهرة التجزؤ، وهو انقسام في أسلوب الحياة بين الرجل والمرأة والطفل، سنجد أن كل واحد من العناصر الثلاث قد أخذ جانبًا أو مجالًا في الحياة يختلف عن الآخر.
الناحية النفسية هي لا تفارق الناحية الاجتماعية، بل هي امتداد لها؛ فتربية الطفل في صغره تحدد ما سيكون عليه في المستقبل، فأغلب الآباء العراقيين يريد من الطفل أن يصل حد الكمال متناسيًا الروح الطفولية التي داخله، فتراه أمام أبويه عاقلًا مؤدبًا، وفي غيابهما ثائرًا متمردًا، وينشأ الطفل وقد نمت فيه شخصيتان، شخصية عاقله مؤدبة، وشخصية ثائرة متمردة.
العراق قديمًا
ظاهرة العنف في العراق ليست وليدة العصر الحالي، بل إن حضارات العراق القديمة شهدت العديد من مظاهر العنف والاقتتال، حتى سالت على أرضه الكثير من الدماء فامتزجت بترابه وأصبحت جزء لا يتجزأ منه.
فكل الدول المجاورة لنا لديها حضارة واحدة عاشت أو مرت على أرضها، أو اثنتان على الأغلب، إلا العراق فقد احتضن سبع حضارات، ومن السبع حضارات تكونت سبع خبرات وسبع تناقضات وبالتالي سبع تناحرات.
سقوط الدولة البابلية على يد الجيش الفارسي بقيادة كورش الثاني ودخول بابل بعد مقاومة قليلة من أهلها، وبعدها انتصار الإكسندر المقدوني على الفرس، وبعد موت الإكسندر تصارع حلفاؤه على الملك وتطاحنوا في حروب جلبت الخراب على المناطق المتنازع عليها.
الدولة الأشورية، ومن منا لم يسمع عن ملحمة جلجامش، فهي وجدت في مخطوطات الدولة الأشورية، لقد دمر الأشوريون مدينة بابل، وثار البابليون على حكم الأشورييين وهزموهم بمساعدة ميديا.
وغيرها الكثير من مذابح وانتهاكات كبرى منها، واقعة كربلاء، حيث قتل الحسين ابن علي ابن بنت الرسول محمد، والإبادة الجماعية التي لحقت به وبأهل بيته، وقبله أبوه علي ابن أبي طالب قتل أيضًا على أرض العراق، وأيضًا مسلم ابن عقيل وغيرهم الكثير وهناك انتهاكات ومذابح اقترفها غزاة ومحتلون مثلما اقترفه هولاكو وتيمور لنك في العراق ومن قبلهما الحجاج والخلفاء الأمويون وما اقترفه السلطان مراد والصفويون ضد الشيعة أو السنة في العراق، والمذبحة التي نفذها الولاة العثمانيون بحق المماليك. وهناك مذابح وإبادات حدثت على أرض العراق في السنوات الخمس الماضية منها مجزرة سبايكر التي راح ضحيتها أكثر من 1700 شخص أو أكثر ومذابح القرى الأزيدية على يد داعش وهناك الكثير من المذابح والمعارك لا يمكن سردها جميعً؛ لأنها تحتاج إلى مجلدات لتسعها.
تاريخ العراق المعاصر
في هذه الحقبة من تاريخ العراق سأتطرق إلى أهم الأحداث التي دارت على أرض العراق، والتي جلبت الخراب والدمار إلى أهله ومن أهم الأحداث التي دارت:
من عام 1918 إلى 1921م، الاحتلال البريطاني:
في يوليو (تموز) 1920 اندلعت ثورة العشرين في العراق على الوجود البريطاني؛ مما دفع بريطانيا إلى تشكيل حكومة ملكية مؤقتة تحت إدارة مجلس من الوزراء العراقيين ويشرف عليه الحاكم الأعلى البريطاني. وفي عام 1921 انتخب فيصل الأول الهاشمي في استفتاء عام ملكًا على العراق.
من 1939 إلى 1945م ثورة رشيد كيلاني على بريطانيا
من 1945 إلى 1958م الثورات الداخلية
من 1958 إلى 1966م سقوط الملكية وقيام الجمهورية
قاد الجيش العراقي بقيادة عبد الكريم قاسم انقلابا ضد الملك في 14 يوليو (تموز) 1958، وقتل الملك فيصل الثاني وخاله عبد الإله ورئيس الوزراء نوري السعيد، وأعلنت الجمهورية برئاسة محمد نجيب الربيعي، واحتفظ عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء بصلاحيات واسعة في إدارة البلاد. كما انسحب العراق من معاهدة بغداد والاتحاد مع الأردن سنة 1959، وفي سنة 1960 أعلن العراق بعد انسحاب بريطانيا من الكويت عن تبعية الأخيرة له، وقاد حزب البعث انقلابًا على عبد الكريم قاسم في 8 فبراير (شباط) 1963، وأصبح عبد السلام عارف الذي لم يكن بعثيًا رئيسًا للعراق، وتولى عبد الرحمن عارف – أخو الرئيس السابق – الرئاسة بعد موت عبد السلام سنة 1966.
وهنا أقف طويلا غير قادر على التعبير عن هذه الفترة من تاريخ العراق فهذه الثورة التي يمجدها الكثيرون هي سبب الخراب والدمار الذي وصل إليه العراق وبقي على حاله إلى يومنا هذا فثورة الضباط الأحرار أو ثورة عبد الكريم كما يسميها البعض هي بذرة الخراب الأولى وشرارة الحقد والتصفيات السياسية في تاريخ العراق الأسود أو بالأحرى تاريخ العراق الأحمر؛ لأنه كتب بالدم. فقد تم تصفية الملك فيصل و الملكة نفيسة والأميرة عابدية وجرحت الاميرة هيام وتقول بعض الرويات إن طفلًا صغيرًا قتل أيضًا ولم يرحمه أحد فهل يستطيع أحد أن يقول لي إن ثورة تقوم على القتل والتصفيات الجسدية هل من الممكن أن تكون عادله في حكمها ثم علق جثمان الأمير عبد الاله على باب وزارة الدفاع بعد جره في شوارع بغداد أي بلد هذا وأية حكومة تريد اأن تكون عادلة مثالية.
من 1968 إلى 1979م ثورة البعث
وهنا يبدأ عصر الموت ففي حكم صدام حسين لم ير العراقيون غير الموت والتعذيب والخنوع والخضوع لأن صدام حسين لم يكن يتعامل إلا برصاص البنادق والذي يعترض فحتما أنه كتب نهايته بيده، وليس هو فقط، بل عائلته وأقرباؤه مشمولون بهذا العذاب، لهذا أصبح العراقيون في فترة حكم صدام حسين لا يتكلمون في الموضوعات السياسية أبدًا، ولا ينتقدون الحكومة أو عملها مطلقًا حتى داخل بيوتهم كانوا يخافون أن يتكلموا، ومن عاش بالعراق وتحديدًا في هذه الفترة سيجد كلامي واقعيًا، وليس به شيء من المبالغه أبدًا.
من 1980 إلى 1988م الحرب العراقية الإيرانية هذه الحرب التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الطرفين.
وبعد عامين من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية احتل العراق الكويت سنة 1990، وضمها إليه؛ لتكون المحافظة التاسعة عشر وبعد انسحاب العراق من الكويت بعد أن خسر حرب الخليج، انتفض الشعب العراقي على حكم صدام وأسموها الانتفاضة الشعبانية عام 1991، إلا أنها لم تستمر لمدة طويلة، وقدم صدام حسين تنازلات كبيرة مقابل بقائه في السلطة وتفاوض العراق مع الأمريكان للسماح لهم باستخدام الطائرات بعد أن كان عليها حظر، وبالفعل تمت الموافقة من قبل الجانب الأمريكي على استخدام الطائرات الهليكوبتر بحجة نقل القادة العسكريين واستخدمت هذه الطائرات لإخماد الثورة ونجحت الحكومة العراقية في القضاء على أغلب الثوار، وهرب الباقي نحو إيران أو استوطن بالأهوار جنوب العراق. وفي 17 مارس (آذار) 2003 قامت الصواريخ الأمريكية بقصف بغداد ليمثل ذلك بداية للحرب التي قادتها الولايات المتحدة للإطاحة بصدام حسين. وفي الأيام التالية تدخل القوات الأمريكية والبريطانية العراق من الجنوب. وفي 9 أبريل (نيسان) 2003 تقدمت القوات الأمريكية صوب وسط بغداد وتحطم تمثال صدام حسين في وسط بغداد. وفي الأيام التالية سيطر المقاتلون الأكراد والقوات الأمريكية على مدينتي كركوك ومحافظة نينوى الشماليتين، ووقع أعمال نهب كبيرة في بغداد وغيرها من المدن العراقية لتبدأ حقيه جديدة من تاريخ العراق الدامي.
بعد الإطاحة بصدام حسين وحل الجيش العراقي تداعى الأمن في العراق وتردي إلى أسوأ حال سيارات مفخخة تصفيات جسدية وغيرها من الأمور التي لم نكن نراها إلا عن طريق التلفاز، وكأننا داخل فيلم أكشن عنيف قتل على الهوية تناحر بين قوى سياسية شيعية وسنية والضحية أناس لاذنب لهم تكالب على السلطة والنفوذ.
نعم إن الاحتلال الأمريكي للعراق كان قد رسم خطة مسبقة لما يحدث في العراق، فمن أكبر الأخطاء وأفدحها التي اقترفها الأمريكان هو حل الجيش العراقي، وهنا لم يدركوا حقيقة خطورة هذه الخطوة الرعناء؛ لأنهم لا يعلمون حقًا إمكانات الضباط العراقيين في الجيش السابق، فهم ضباط ذوو خبرة عالية جدًا ودهاء وحنكة عسكرية لهم باع طويل في الحروب والخطط التكتيكية للقضاء على أعدائهم، والشاهد على كلامي أن جيشًا حارب ثماني سنوات بثبات دائم، بالرغم من أن اغلب المقاتلين من الشيعة والدولة التي يقاتلون شيعية إذًا ما هذه القبضة الحديدية وما هذه الروحية العسكرية التي تتحكم بهؤلاء الجنود؟ نعم بعد حل الجيش العراقي أصبح العراق فوضى عارمة لا شيء يحكمه، فالأمريكان قاموا بحماية بعض المصارف وبعض الأماكن، وفتحوا الأبواب جميعًا أمام شعب غاضب ناقم على حكومة أذاقته الموت مرارًا وتكرارًا، فحتمًا إن من لديه ثأر يفعل أي شيء ليطفئ نار غضبه، فنهبت الممتلكات وحرقت الأماكن، وانتشر السلاح بشكل مخيف جدًا داخل العراق؛ لأن العراق كان كله عبارة عن ثكنة عسكرية، والسلاح موجود في المعسكرات التي كان أغلبها داخل المدن، نعم بعد أن انتشر السلاح بكل أنواعه انتشر معه القتل وتصفية الحسابات وجاءت أعوام الموت ومن يتذكر الأعوام ما بين 2006 و2010 كانت من أنحس الأعوام، وكأنها سني يوسف، إلا أنها لم تكن تحمل القحط، بل كانت تحمل الموت وتنثره على بيوت العراقيين ولا تفرق بين شيعي وسني أو مسيحي أو صابئي، فقط قتل واقتتال بين أحزاب وتيارات دينية، هذه شيعية، وتلك سنية، والمحايد لا مكان له في أرض العراق.
توالت الأحداث من سيئ إلى أسوأ حتى سقوط الموصل بيد داعش ونهران الدم مازالت تجري دون انقطاع وسيول الدم دمرت مدنا بأكملها سبي ونهب وقتل وذبح هذا هو ديدننا وهذا هو تاريخنا لا نعلم أهو ابتلاء من الله أم هي دعوة نبي أو رجل صالح على العراق والعراقيين فحب هذا البلد للموت وتعطش أرضه للدماء لا يوجد مثيل له في هذه الدنيا.
أخيرًا أتمنى أن يعرج عزرائيل إلى السماء بعد أن سكن في وطني.
The post العراق وعزرائيل حبيبان منذ الأزل appeared first on ساسة بوست.
لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست