الخميس، 1 يونيو 2017

ثقفني اون لاين : التطرف الفكري مرآة الألم النفسي للاضطهاد

خلال الثلاث سنوات الماضية قابلت أكثر من شاب «حضر فض رابعة أو المجازر التي ارتكبها العسكر في مصر بعد الانقلاب» يعانون من أمراض نفسية، مثل القلق النفسي، أو الاكتئاب التفاعلي، منهم من منَّ الله عليه بالتعافي بعد متابعته مع طبيب نفسي، ومنهم من يعانى ويتألم نفسيًّا دون أن يجد مساعدة، الغريب هو ما أكده لي صديقي بعد خروجه من المعتقل، عن وجود ظاهرة تحول أعداد من الشباب المعتقلين إلى الفكر التكفيري، على الرغم من كون بعضهم أصبح مدخنًا، والسؤال هنا هل هذه الظاهرة طبيعية؟

خلال الحرب العالمية الأولى، كان هناك حديث عن اضطراب ما بعد الصدمة Posttraumatic stress disorder في ألمانيا، كانوا يسمونه آنذاك «بمرتجفي الحرب» أو «مرض القذيفة bomb-shell disease» وهي حالة نفسية تنشأ نتيجة التعرض لمواقف مرعبة أو حدث مؤلم.

فعندما نتعرض لصدمات نفسية فإن عقولنا تسلك أحد تلك الحيل، إما لتفادي الصدمة والنسيان الطبيعي لآلام الصدمة، وإما قد يختار العقل البشري المواجهة عن طريق فرض حالة الألم على المخ والجسد في صورة أمراض عقلية «العصاب neurosis» أو أمراض نفسية «الذهان psychosis».

المشكلة بالأساس أن المرض النفسي في حد ذاته لا يجلب التعاطف؛ لأن الألم فيه ألم نابع من أعماق الشخصية «قبل ظهور أعراض عضوية»؛ فقد تتعاطف مع ابنك الذي يشكو ألم أسنانه أو آلامًا في معدته أو ارتفاع درجة حرارته، لكن لا أحد يشعر بآلام المريض النفسي إلا صاحب تجربة، حتى وإن كان أقرب المقربين منه.

تخيل معي ذلك المريض الذي تغيرت طباعه وأخلاقه الحميدة، إلى آخر عصبي في ردود أفعاله، يحدث ثورة لأتفه الأسباب، يلجأ أحيانًا إلى السباب والألفاظ النابية، يتجه إلى التدخين، وفي بعض الأحيان إلى تعاطي المخدرات، الجميع يستغرب سلوكه، في الغالب يُبَررْ ذلك بقولهم «الانقلاب أفسد أخلاق الشباب أو يتهمونه بضعف الإيمان أو عدم الثقة في تمكين الله للمؤمنين… إلخ».

عندما يأتي ذلك الشاب إلى النوم تأتيه الهواجس، ويشاهد أحداثًا لم تحدث، يرى هلاوس متجسدة في صديقه الذي مات في رابعة يعاتبه لعدم الاقتصاص له، أو يتخيل قوات الأمن وهي تقتحم عليه سريره ويغلوه في أصفادهم إلى الاعتقال، يتخيل نفسه وهو ينتقم لأصدقائه الشهداء، أو الذين في عدادهم «أحكام الإعدام»، أو يتخيل نفسه في مغامرات المطاردات التي يعيشها كل ليلة مع قوات الأمن، ويظل هكذا، فلا يستطيع النوم، ثم إذا نام يقوم مرتعدًا بعد الكوابيس التي اعتاد عليها كل ليلة، كل هذا يقع في إطار «صدى الذكريات واجترار الذكريات، والأحلام أو الكوابيس».

من الصعب أن تظل مستيقظًا والجميع حولك نيام، تفكير وتفكير وتفكير، يضيق معه صدرك وتشعر أنك لا تستطيع التنفس، تشعر بنبض قلبك ويكأنه في حلقك، أما تلك الضربات في الرأس، فإنها مطرقة الصداع، وأنت ما زلت تبحلق في سقف الغرفة، ما أبشع هذا الألم من وجهة نظر من جربه، وعلى ألسنة أحدهم «أفضل ألم السرطان عن هذا الألم».

ثم إن الضغط النفسي الذي يقع على بعض المعتقلين في فترات التحقيق، التي تطول في بعض الأحيان إلى شهور يمارس، فيها ضغوط نفسية وعصبية شديدة على المعتقل الذي يسكن زنزانة فردية، لا يدخل له منها ضوء، ولا يكاد يعرف أوقات نهاره أو ليله، كفيلة لحدوث اضطرابات نفسية شديدة لهؤلاء الضحايا.

هؤلاء الشباب بين نار المرض ونار عدم احتوائهم من الأهل والمجتمع، الذين لا يفهمون طبيعة تلك الأمراض النفسية، فعلى سبيل المثال من ضمن أعراض مرض الفصام Schizophrenia الذي ينتج عن اضطراب الكرب التالي للصدمات الحادة، قد يعاني المريض من التطرف الفكري، سواء في صورة تبني فكر تكفيري، أو الانضمام إلى جماعات متطرفة فكريًّا، أو أحزاب راديكالية، وعلى الجانب الآخر قد يتبنى فكر الإلحاد أحيانًا أو ممارسة الإلحاد السلوكي، كما يلجأ في بعض الأحيان إلى الانعزال… إلخ.

اضطرابات وأعراض مرضية كثيرة، يتم تشخيصها من العامة على أنها سلوك فكري طبيعي لهؤلاء المرضى، ويتم الحكم عليهم من المجتمع على أنهم جناة، لكنهم في حقيقة الأمر مجني عليهم، ويحتاجون إلى المساعدة والتأهيل النفسي؛ كي يستعيدوا صحتهم النفسية مرة أخرى عن طريق المتخصصين والأطباء النفسيين، فساعدوهم، ساعدوهم.

The post التطرف الفكري مرآة الألم النفسي للاضطهاد appeared first on ساسة بوست.



لتضمن أن تصلك جديد مقالات ثقفني اون لاين عليك القيام بثلاث خطوات : قم بالإشتراك فى صفحتنا فى الفيس بوك "ثقفني اون لاين " . قم بالإشتراك فى القائمة البريدية أسفل الموقع وسيتم إرسال إيميل لك فور نشر درس جديد . للحصول على الدروس فيديو قم بالإشتراك فى قناتنا على اليوتيوب "قناة تقنية اون لاين " . من فضلك إذا كان عندك سؤال مهما كان بسيطاً تفضل بكتابته من خلال صندوق التعليقات أسفل الموضوع . قم بنشر مقالات ثقفني اون لاين على الفيس بوك أو ضع رابطاً للمدونه فى مدونتك .تحياتى لكم لك from ساسة بوست